لماذا يغيب الابداع عربيا؟

02/26/2018 - 11:23 AM

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا يمكن تحقيق النمو من دون ابداع حقيقي في القطاعات الأساسية.  الاعتماد على القديم لا يكفي وان كان هذا القديم جيدا.  في عالمنا العربي، يغيب الجديد ونتعلق بالقديم حتى السيء منه.  التقاليد والتاريخ مهمان، لكن التقدم والتطور مهمان أيضا وأكثر ولا بد من التفكير بهما.  لماذا نرفض الأفكار الجيدة ونقمع في مجتمعاتنا كثيرا الأفكار الخلاقة المتطورة والمطورة للمجتمع؟  لهذه الأسباب، نتأخر عربيا عن المجتمعات الأخرى ويهاجر شبابنا وشباتنا وهذا مكلف بل معيب.  ما هي خصائص الاقتصاد الابداعي وما نحتاج اليه لخلق الظروف الجديدة؟

المنافسة بين المجتمعات والاقتصادات والشركات تتطلب أكثر بكثير من القديم أي أفكار جديدة تتحول الى انتاج جيد يحدث تقدما واضحا.  جميع المجتمعات والشركات يحتاج الى حلول خلاقة للانتاج وللعلاقات بين قوى المجتمع والى أفكار لتنفيذ النمو الاقتصادي النوعي الذي يحدث تقدما في مستوى المعيشة.  الكفاءات المتنوعة مهمة من علم وأخلاق وخبرة، لكنها لا تكفي من دون أفكار خلاقة تحدث تقدما نوعيا أي فارقا واضحا بين المجتمعات والشركات.  جميع الحكومات والشركات يسعون الى جذب المسؤولين الذين يملكون أفكار جديدة خلاقة وفاعلة.

لم تعد الكفاءة مرتبطة بالقوة الجسدية أو بالتقنيات العالية فقط، وان تبقى لها قيمة مرتفعة انما أصبحت أكثر من أي وقت مضى تتكل على الأفكار التي تحدث نقلة نوعية في الانتاج وحتى الاستهلاك.  تغيرت طبيعة العلاقة بين الفكر والادارة والأرباح، بل أصبحت معقدة أكثر من أي وقت مضى.  الادارة الجيدة النزيهة المعتمدة على الأخلاق والكفاءة مهمة جدا لكنها غيركافية لتحقيق نقلة نوعية في المجتمع والشركة والاقتصاد.  احداث التقدم يتطلب ابداعا كبيرا في هذا العالم التنافسي المبني على السباق في كل القطاعات.  لا يمكن للأفكار الخلاقة أن تكون واضحة وقيمة مباشرة، بل تتوضح مع الوقت عبر النقاش والبحث والتطوير.  المناطق الجغرافية التي تحدث تقدما اقتصاديا واضحا هي التي تتكل على الجديد وليس نقل الافكار الموجودة في المناطق الأخرى.  ما الذي صنع قوة أميركا وأوروبا واليابان؟  الأفكار الجديدة المبنية على البحث والتطوير في الجامعات والمعاهد.  ما الذي يؤخرنا في المنطقة العربية؟  طبعا الحروب والنزاعات العبثية ولكن أيضا غياب الأفكار المبدعة والخلاقة ليس اليوم فقط لكن منذ عقود.

ما الذي يميز شخص عن آخر في عالمنا اليوم؟  ليست فقط الشهادات والجاذبية الشخصية وانما خاصة اذا كان هذا الشخص صاحب أفكار جديدة تميز الشركة أو الدولة التي يعمل فيها.  الأشخاص أصحاب الأفكار الجديدة المبدعة أصبحوا مطلوبون في كل الوحدات والمجتمعات، وبالتالي أصبحوا أقوياء الى أقصى الحدود.  التفكير الخلاق هو ما نسعى اليه في كل الدول والشركات.  ما الذي ميز الصين التي لم تكن خلاقة في الانتاج؟  ميزها الابداع في نوعية الانتاج وتكلفته وهذا ليس بالقليل.  لم تعط الصين سلعا جديدة مهمة، انما أعطت سلعا قديمة بشكل انتاجي أفضل وبتكلفة متدنية وهذا مهم جدا.  هل الابداع هو ملك لأشخاص معينين ولدوا كذلك؟  أم انها صفة يملكها كل انسان وتظهر اذا أحسن استثمارها لخير الاقتصاد والمجتمع؟  يقول "جون هوكنز" في كتابه القيم عن "الاقتصاد الابداعي" ان هنالك 3 حقائق موجودة في الانسان والمجتمع والاقتصاد وهي مترابطة، أي أن الأولى هي داخل العقل والثانية تربط العقل بالمجتمع والثالثة تربط الجميع بالاقتصاد كما يلي:

أولا:  كل انسان خلاق أي أن هذه الصفة تخلق معه وعليه الاستفادة منها واظهارها لخير المحتمع.  كل انسان يملك نوعا من التصور للعلاقات الاجتماعية والمستقبل، وله القدرات للتوجه نحو هذه الأهداف.  كل انسان يفعل كفاءاته وقدراته عبر العائلة والمدرسة والتعليم والتدريب بشكل عام.  الأفكار الجيدة تحتاج الى من يفعلها ويطورها ويجعلها عملية، وهذا يتطلب نقاشا وحوار لا بد من حصولهما في أطر مدروسة.  هنالك أشخاص في غاية القدرة والذكاء ولهم أفكار جديدة تبقى معهم ولا تظهر بسبب الخجل أو غياب الفرص أو عدم اصدار الفكرة بشكل عملي يفهمها المجتمع ويوظفها للخير والتقدم.  هنالك أشخاص لا يعرفون أن أفكارا جيدة تكمن في عقلهم وتحتاج الى ما يدفعها للظهور.  الأوقات تخلق هذه الظروف وتدفع بالافكار الى الخارج، أي خارج العقل ولمصلحة المجتمع.  هنا تكمن أهمية العلاقات في المجتمع بل دور الاعلام والمقالات والكتابات التي تصل الأفكار الجيدة بين المبدع والطالب.

ثانيا:  كي يصبح الخلق ظاهرا وواضحا لا بد من وجود حريات بحيث يتمتع الانسان بالمساحة الكافية لاظهار كفاءاته وأفكاره الجديدة بجرأة.  تأتي الأفكار الجيدة من أفكار أخرى أي هنالك تواصل في الأفكار، بل تحسن يظهر مع الوقت والنقاش.  لا تأتي الأفكار من لا شيء، بل من أفكار أخرى ربما بدأئية أو أولية.  ما الفرق بين الابداع والتجدد؟  الابداع هو عمل شخصي فردي، بينما التجدد هو عمل عام موضوعي أي انتاج مجتمع أو جمعية.  هنالك علاقة قوية بين الفكرتين أو النشاطين، أي أن الابداع ينتج التجدد بينما العكس ليس صحيحا في معظم الأحيان.

ثالثا:  كي تنتج الحرية تقدما في المجتمع، لا بد من وجود أسواق أي آليات لانتاج القيمة والسعر.  ليس للابداع قيمة اقتصادية واضحة خاصة قبل أن يتوضح ويصبح قابلا للتنفيذ.  هنا تكمن أهمية الأسواق التي من دونها لا ابداع ولا تقدم.  يحتاج الابداع الى سوق أي الى من يطلب ويعرض ضمن قواعد واضحة وشفافة تنقل الفكرة بين عملاء السوق.  هذا ما ميز الاقتصاد الرأسمالي مقارنة بالشيوعي حيث قمع الثاني الحرية الاقتصادية وفشل.  النظام الرأسمالي عزز الحريات الاقتصادية ونجح بالرغم من وجود العديد من المشاكل أهمها سؤ توزع الدخل والثروة.

الثروة الأساسية في الاقتصاد الابداعي هو الانسان.  هو الاقتصاد الأهم الذي يعتبر الانسان العنصر الأساس في الانتاج والاستهلاك والفكر.  الانسان قبل المال والتقنيات والعلوم، فهو أساس كل شيء ومصدر التقدم النابع من عقله ومن علاقاته في المجتمع والاقتصاد تحديدا.  يرتكز الاقتصاد الابداعي على عوامل عدة أهمها الفكر ويتبعه الادارة ورأس المال والتقنيات العالية والعلاقات المبنية على العدالة والاخلاق وغيرها كي ينجح.  لا ابداع مفيد من دون أسواق فاعلة وشفافة.  الخوف الذي أظهره "برني ساندرز" خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية من الاٍسواق هو في محله لكنه غير كاف للتقدم.  قال ساندرز أن الأسواق مبنية على الجشع والسرقة وهي تدمر المجتعات.  هل الحل يكمن في غياب الأسواق أم في وضع ضوابط تخفف من الجشع والسرقة والهدر؟  لا تقدم من دون أسواق حرة، ولا تقدم نوعي من دون أسواق شفافة فاعلة مبنية على قواعد العدالة والحساب والعقاب.

كيف يمكن تصور وجود شركات عملاقة أعطت الكثير واستفادت من الأسواق كآبل وفايسبوك وأمازون وغوغل لولا وجود بورصات وأسواق مالية تسمح بالتمويل داخل الولايات المتحدة وخارجها.  لا تقدم في المجتمعات من دون أسواق فاعلة تسمح مثلا لآبل بانتاج الآليات المسهلة للحياة ولو كان الادمان عليها أحيانا مضرا للأطفال والشباب.  من غير المنطقي القول أن الأسواق تحدث أزمات وخسائر كما حصل مرارا عبر التاريخ آخرها في سنة 2008، وبالتالي لا حاجة لهذه الأسواق.  هذا قصر نظر بل خطأ كبير لا يمكن تبريره أو الدفاع عنه.  هدف الأسواق المالية والبورصات رفع مستوى المعيشة وتسهيل الحياة، وللأسف يكون هنالك خسائر وخاسرون لمن لا يتنبه الى العوامل الحقيقية بل يغامر.  المطلوب وضع صمامات آمان قوية وفاعلة وحديثة في الأسواق، لكنها لا يمكن أن تمنع الخسائر.  توضح الضوابط شروط الانضمام الى السوق خاصة للذين يجهلون القواعد وهم عموما أول الخاسرين.  فالأسواق تبقى محرك النمو الاقتصادي ولا تقدم من دونها لذا يجب التنبه والتوعية.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment