إعادة النبض إلى اللغة القومية اللبنانية في يوم اللغة الأم

02/21/2018 - 17:01 PM

Image result for ‫شعار اليوم العالمي للغة العربية 2017‬‎

بقلم: محمد زريق

يحتفل العالم من كل عام بيوم 21 شباط كيوم عالمي للغة الأم، وذلك لتعزيز الوعي بالتنوع اللغوي والثقافي وتعدد اللغات. واليوم يمر طيف هذه الذكرى على العالم العربي لاعادة الروح والشعلة إلى لغة قديمة وجميلة "عنيتُ بذلك لغة الضاد". كمواطن عربي من حقي الاحتفال باللغة العربية لأنها لغة جامعة وشاملة لكافة الشعوب العربية، ولكن من واجبي أيضاً إعطاء مساحة للغة اللبنانية المعجزة والغارزة في التاريخ لأنني لبناني أولاً وأخيراً ومن حقي الاحتفال بهذه اللغة القومية والتباهي بها وبلبنانيتي على الملأ.

هل أنا لبناني أم عربي؟ هل أصلي التاريخي هو فينيقي أم عربي؟ وهل لغتي الأم هي اللغة اللبنانية أم اللغة العربية؟ أسئلة كثيرة تخطر على بال المواطن اللبناني عند السؤال عن حضارته وثقافته وتاريخه، ولكن ما أستطيع الجزم به هو أنَّ للبنان خصائص تجعله مختلفاً عن باقي الدول والشعوب العربية، ولمن يتسأل أيضاً فإنَّ اللبنانية هي ليست بلهجة إنما هي لغة قديمة أعاد إحيائها الشاعر اللبناني سعيد عقل.

فى سنة 1967 أسّس سعيد عقل داراً للنشر باللغة اللبنانية والحرف اللاتينى أطلق عليها اسم "دار أجمل الكتب"، وسعى من خلال هذه الدار إلى مواصلة ما دعاه بـ"ثورة اللغة وثورة الحرف". لكن البداية كانت أقدم من ذلك وتعود للخمسينيات، حيث ألقى سعيد عقل سلسلة طويلة من المحاضرات والأحاديث دفاعاً عن نظريته الداعية إلى استبدال اللغة الفصحى باللهجة اللبنانية التى أصرّ على تسميتها بـ"اللغة اللبنانية"، والحرف العربى بالحرف اللاتينى. سعيد عقل المؤمن بلبنان الحضارة والقومية اللبنانية سعى إلى نشر الفكر اللبناني الممتد عبر العصور، ومنذ ثلاثة آلاف سنة، ويعتبر أنَّ أعمدة هذا الفكر هم: المجهول الجبيلي الذي اخترع الحرف، موخوس الصيدوني أبو الذرة، طاليس الفينيقي، فيتاغوروس الصيدوني، واقليدس ابو الهندسة. أما أبجدية سعيد عقل فكانت مؤلفة من ستة وثلاثين حرفًا، وقال أنَّ هدفه هو حرف عالمي، وهو اليوم يدرس في أهم ست جامعات في علم اللغات والألسنية، ضمنها جامعة السويد، وأكثر من جامعة في الولايات المتحدة. ودعا العالم الألماني هاينز غروسفيلد كل لغات العالم إلى الكتابة بحرف سعيد عقل والأخذ بفلسفته أي بأن يكون لكل حرف لفظه.

إنَّ الرجل الذي استطاع أن يؤسس لفكر لبناني أصيل ونقي ويعيد أمجاد هذا الوطن لن يكون إلا خالداً ومخلداً في وجدان هذا الوطن، فيقول سعيد عقل: "أنا حاكم لبنان أكتر من أي شخص أجا على الحكم لأن يلي بقدر قولو أنا للبنان والمكتشفو للبنان والي ببدرو بالمجتمع اللبناني ما قدر بدرو لا وزير ولا رئيس جمهورية ولا بطرك ولا مطران ولا شيخ". وفي حديث لها تقول الأديبة والمؤرخة مي مرّ: "لا يمكن التعريف عن سعيد عقل بأقل من كلمة عبقري كونوي لأنه الملم بكل فروع المعرفة، لأنه وصل إلى مرحلة عالية من العبقرية تخوله سن قوانين وإلغاء قوانين، ولبنان هو من أكثر الدول التي عرفت هذا النوع من العباقرة مع طورو جبيلي وقدموس وحيرام أبي وفيثاغورس وطاليس وزينون وفخر الدين، وصولاً إلى سعيد عقل".

استذكار هذا الرجل اليوم والحديث عنه هو للتذكير بأنَّ للبنان حضارة قديمة ولغة كاملة أُسِسَت على يد رجل لبناني عظيم وكان مصيرها الاهمال، إنَّ إضافة لغة محلية لها ارتباط فكري وحضاري بالتراث اللبناني لن تسلخنا عن محيطنا العربي ولن تنتقص من عروبتنا، لا بل ستزيد اللبناني تجذراً بأرضه وبحضارته لأنَّ التميز جميل ونادر في عامل المتشابهات وخصوصاً في وقتنا الحاضر.

سعيد عقل هو الرجل الذي أحبَّ أرضه وشعبه، وقد قال: "بدي زحلن لبنان ولبنن العالم"، هو الرجل الذي جعل من وطنه معبداً مقدساً يدخله خاشعاً ليتقرب من الله ببركة أرزه، فقال: "ربي سماك الفوق حلوة بس ضلك تذكر شو حلو لبنان". إنها اللغة القومية اللبنانية أو لغة الآلهة التي كتب بها ديوانه "يارا" عام 1961 وديوان "خماسيات" عام 1978، ولكنه رفض أن يطلق على هذه اللغة اسم "لغة سعيد عقل" على اعتبار أنها اللغة اللبنانية التي أوجد لها أبجدية تعتمد على الحرف اللاتيني مع إضافاته الخاصة.

وقد وصل سعيد عقل إلى درجة القداسة مع وطنه وتعلق به تعلق الولد بأمه، فقد قال: "لو لم يكن لي رب أعبده لكان لبنان هو ربي"، لم يستخدم سعيد عقل البندقية يوماً لكنه تسلح بالحرف والكلمة ليجعل من وطنه صخرة مقدسة "لي صخرة علقت بالمجد أسكنها طارت بها الكتب قالت: تلك لبنان!". ولبنان الحلم ستراه مطبوعاً في مخيلة هذا الرجل، الذي أصر على ربط التاريخ اللبناني بفينيقيا وأحبَّ أن يكون المعلم الوفي لشعبه حين قال "بدي علم الشعب اللبناني العنفوان".

في هذا اليوم المبارك "يوم اللغة الأم"، نقول: "فلتحيا اللغة اللبنانية جنباً إلى جنب مع اللغة العربية"، فلبنان هو بلد عربي ولكن لا يمكن أن نسلخ منه الروح اللبنانية، فاللغة هي روح وحضارة وثقافة وتراث وتاريخ، متى فارقت هذا الوطن الروح أصبح من الماضي ولم يعد له وجود فعلي.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment