في الليلة الظلماء يُفتقَد البدرُ

11/06/2015 - 14:40 PM

   في الليلة الظلماء يُفتقَد البدرُ

                               د. حاتم عيد خوري

دعتني مؤسسةُ بيت النعمة في حيفا، لحضور قداس احتفالي يُقام بمناسبة الذكرى ال 75 لوفاة المطران غريغوريوس حجار، في "كتدارئية السيدة" (حيفا) التي تحتضن رفات المطران حجار.

كنتُ في الثانية من عمري عندما توفي المطران حجار بتاريخ 30/10/1940، وهو في طريق عودته الى حيفا من القدس، حيث كان قد استصدر عفوا من المندوب السامي البريطاني، عن عدد من شباب المقاومة الفلسطينية. صحيح انني لم اعرف المطران حجّار شخصيا، لكني عرفتُه جيدا من خلال تاريخه المشرِّف، أكان شفويا تناقلتْه وتتناقله الاجيالُ المتعاقبة، أم خطيّا موثقا في المصادر التاريخية بصورة عامة وفي كتاب المؤرخ المعروف الدكتور جوني منصور بطبعته الاولى الصادرة سنة 1985 وفي طبعته الثانية الصادرة سنة 2013 تحت عنوان "رؤية معاصرة لحياة واعمال المطران غريغوريوس حجّار".

وهكذا عرفتُ عن الحجار ان فترة ولايته الاسقفية (1901-1940) على ابرشية عكا وحيفا والناصرة وسائر الجليل وابرشية شرق الاردن ايضا، لطائفة الروم الملكيين الكاثوليك، "كانت من اخصب واروع الفترات في تاريخ كنيسة الروم الكاثوليك في بلادنا، من ناحية عشرات الكنائس التي شيّدها والمدارسِ الستين التي اسّسها واقامها في فلسطين وشرق الاردن، ومن ناحية التماسك ووحدة الصف والتعاون بين القيادة الدينية والشعب وتفضيل المصلحة العامة على الخاصة". ولا غرابة في ذلك، لان الحجّار (كما وصفتُه في كلمة لي القيتُها سنة 1990 في ذكرى مرور خمسين سنة على وفاته) كان "كُلّا للكُل. والكل عن الحجّار هو الكلّ الكل لا الكل الجزء، فقلبه الكبير هو قلب الراعي الذي لا يخاف من رعيته إنما يخاف على رعيته. ولان الحجّار كان يخاف على رعيته، فلقد أحبّها وتحسّس آلامَها وعاش مشاكلها واصغى لهمس ضمائرها وجمع شملها ووحّد كلمتها وصانَ اوقافَها ونشّط مؤسساتِها وعزّز مبادراتِها وتركها تنمو، فنما هو  بها  ومعها...".

كما عرفتُ عن الحجار أنه كان وطنيّا بامتياز، "فحكمت عليه الحكومةُ التركية بالاعدام بسبب تشجيعه فرقة من العرب المعارضين لحكمها، فالتجأ سنة 1914 الى مصر". كما عارض فيما بعد ايضا، سياسة التقسيم التي انتهجتْها حكومةُ الانتداب البريطاني، ودافع بحماسٍ ملتهب عن حقوق الفلاحين والعمال وعمل جاهدا من اجل إيقاف عمليتي بيع الاراضي والحصار الاقتصادي المفروض على المنتجات العربية. ومع ان الحجّار كان لبناني المولد، إلا انه اعتبر نفسَه فلسطيني الانتماء، فاحبّ فلسطين حبّا جمّا وتجلى هذا في كفاحه الطويل لخدمة الشعب والبلاد، وكان من ابرز الداعين للحوار والتقارب الاسلامي- المسيحي في بلادِنا والشرقِ عامة. وهكذا نمت رعيةُ الحجار متخطيةً حدودَ لقبِه الديني الرسمي، فكبُرت ككِبر قلبه الكبير، واتسعت كشمولية  محبته الشاملة ورؤيته العريضة الواسعة التي رأت بتعدّد الطوائف في بلادنا، تعددّيةَ خيرٍ بنّاءة وشرائحَ نسيجٍ متكاملة في جسم الكيان العربي الواحد، تناغما مع القول المأثور:"الدين لله والوطن للجميع"، وترجمةً عمليةً لقصيدة الشاعر الشيخ سامي ابو المنى(رئيس اللجنة الثقافية في المجلس المذهبي لطائفة الموحدين الدروز في لبنان) ، عندما قال:

أنّى اختلفْـنا ، تنوّعْـنا، فذاك غِـنىً           يزيدنا قوةً ، يسمو بنا شرفا

صلاتنا الحب، إن نصدق به ارتفعت       بنا الى رحمة، لم تخطىء الهدفا

أفي الكنيسة، أم في مسجدٍ صدحت        أم لحنها في خلوة التوحيد قد عُزفا

لا فرق أينَ علتْ أو أين قد رُفعت        وأيّ قلبٍ بها قد فاض مرتجفا.

نعم لقد أحب الحجّارُ رعيتَه الكبرى بمسلميها ومسيحييها، والمحبة بالنسبة للحجار لم تكن شعارا يُرفع إنما نشاطا يُمارس وعطاءً يُمنح وقدوةً تُعطى لتُحتذى. وتُحتذى القدوة ويصبح ابناءُ الحجار على اختلاف انتماءآتهم الدينية، فنّانين ينحتون للحجّار وساما اسمه "مطران العرب" رمزا للمحبة والعطاء،  ورسالةً تتناقلها الاجيالُ كإرثٍ رائع استلهمَه ابناءُ كابول وشفاعمرو العامرتين، لدى تسمية الشوارع في بلديهم، كما استلهمَه  المؤرخُ الدكتور جوني منصور ولجنةٌ شعبيةٌ في مقدمتها الاستاذ  حسين اغبارية (مدير عام جمعية التطوير الاجتماعي في حيفا) الذين طالبوا بلدية حيفا باطلاق اسم المطران حجار على شارع شيزاف، وقاموا بجمع تواقيع اصحاب البيوت، كما كان لي كنائب مدير عام البلدية آنذاك، شرفُ دعم هذا التوجّه والمساهمة المتواضعة في تحقيقه.

إنّ شخصية المطران حجّار بما اكتنزتْه من خصالٍ وما عُرف عنه من قدرة على التفوّه، جعلت سعد زغلول، زعيم مصر آنذاك، يقول "كيف لا  يكون هذا المطران الجليل  ذا شهرة عظيمة وهو ابلغ خطيب عربي سمعته"، اقول ان هذه الشخصية الفذّة كانت اقوى من أن يطمرَها غبارُ الزمن. فها قد مرّت خمسٌ وسبعون سنة على وفاته، لكنه يبدو وكأنه قد رحل عنّا بالامس القريب. لذلك اعود فاقول: هناك رجالٌ ينكمش ذكرُهم أمام مدّ الزمن، وهناك رجالٌ ينكمش الزمنُ امام مدّ ذكرِهم. فأن تزحف قافلةُ الزمن وتمحو ذِكْرَ الراحلين فهي سُنّة الله في خلقه، أمّا ان يُختصر الزمنُ ويقف مشدوها امام ذِكْرٍ لا يُمحى واسمٍ لا يُنسى وأثرٍ لا يُخفى، فهي ظاهرةٌ تميّزُ الخالدين. الخالدون هم فكرةٌ والفكرة لا تموت، الخالدون ليسوا رجالا يبتلعُ التاريخُ سيرتَهم في جوفه، إنما هم رجالٌ تحتضنُ سيرتُهم التاريخَ لأنّها لم تكن جوفاء...وسيرة الحجار لم تكن جوفاء، إنما كانت مليئةً حافلةً غنيةً بالاعمال الكبار والانجازات الضخمة. فلم يستطع نهرُ الايام أن يغمرَها ولم تتمكن زلازلُ  الاحداث التي عصفت ببلادنا خلال الخمسٍ وسبعين سنة الماضية، أن تضعضعَها، إنما بقيت تلك السيرة، اي سيرة حياة الحجار، جسرا عاليا يجسرُ الهوةَ العميقةَ بين ماضينا المتفائل وحاضرِنا المتجهّم التعيس، فيربط حاضرَنا بماضينا، عسى أن يمُدّ ماضينا حاضرَنا بمعنويةٍ مستمدةٍ من حضور الحجّار معنا، فيستمدُّ حاضرُنا قوةً وكرامةً وأملا، نعم أملا في ان لا يكون مستقبُلنا جميعا، كشعبٍ عربي وكنيسةٍ مشرقية وأبرشيةٍ جليليّة، في هذه الديار، هجرةً وغربةً وتشتتا وضياعا في دنيا الله الواسعة. أجل، ما احوجنا اليوم لحضور الحجار معنا، "ففي الليلة الظلماء يُفتقَـدُ البدرُ".....

Hatimkhoury1@gmail.com

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment