الاعلام اللبناني على درب الحرية المعبَّد بالأشواك

01/31/2018 - 11:53 AM

 

بقلم: محمد زريق

يحتفل اللبنانيون في كل عام بعيد الاستقال، اليوم الذي أصبح فيه هذا الوطن غير تابع بالظاهر والذي أصبحت فيه السلطة الفعلية بيد الدولة اللبنانية وليس بيد سلطات الانتداب. ولكن لقصة الانتداب والتبعية تتمة، فالتاريخ اللبناني المعاصر حافل بالاضطرابات والازمات والمشاكل، فالشعب اللبناني المقسَّم بفعل المذاهب والأحزاب والتيارات السياسية راح يستجدي تعاطف الدول الخارجية الغريبة من أجل الوقوف إلى جانبه أيام الشدّة ودعمه عسكرياً ومالياً وسياسياً، هذه التعبئة والبعية الخارجية المتواصلة والمكثّفة أفرزت حرب أهلية عام 1975 وقسمت الساحة اللبنانية ما بين قوى الحركة الوطنية اللبنانية وقوى الجبهة اللبنانية، وفي تلك الفترة فإن لبنان الذي كان يعتبر لؤلؤة العالم وسويسرا الشرق أصبح ركام وجثث أبرياء وقد امتلئت الساحات بمخلفات الأسلحة الشرقية والغربية التي أطلقتها أيدي لبنانية خدمت لمصالح خارجية.

إنَّ الحقائق والخفايا تكمن في التاريخ ولكي نعلم الحاضر يجب أن يكون لدى الشخص إلمام بتاريخه، لأنَّ التاريخ لا يتغير ولا يخون أبداً. بحسب اعتقاد جهابذة الفكر وأصحاب العقول الرصينة، أنها كانت غيمة سوداء فوق السماء اللبنانية والظرف المحتدم الذي مرَّ به العالم أجبر لبنان على الانقسام الداخلي، أما اليوم وبعد أن استعاد لبنان حريته المسلوبة وبعد خروج الاحتلالات عن أراضيه وبعد أن بات في هذا البلد الرئيس القوي الذي طالما انتظره اللبنانيون، يقول قائل أن لبنان اليوم عاد أرض للحرية وللكرامة، ولكن البعض الآخر يرى أن الوضع يزداد سوءاً والبلد يزداد انقساماً والنفايات تتكدس والتوافق أصبح صعب المنال.

فما هو تعريف هذه الحرية التي تنشدونها وتتغنون بها والاعلام اللبناني أصبح أسير الأهواء والرغبات السياسية، أليس الاعلام هو وجه من وجوه الديومقراطية وحريته يجب أن تكون مصانة ومقدَّسة في بلد الحريات؛ عندما تفتعل العراقيل بوجه عميد الاعلام اللبناني "الأستاذ مارسيل غانم" وبوجه صوت الشباب اللبناني "الأستاذ هشام حداد"، فلنعلم جيداً أنَّ الاعلام اللبناني ليس على ما يرام والحرية أصبحت منتقصة، لأن الاعلامي اليوم يجب أن يحسب ألف حساب قبل النطق بكلماته. يا سادة دعوهم وشأنهم .. دعوا الاعلام اللبناني بعيداً عن خلافاتكم وتصفية حساباتكم السياسية.

إنَّ أسمى الشرع الانسانية وأعني بذلك الاعلان العالمي لحقوق الانسان قد نصَّت مادته 19 أنَّ حرية التعبير هي حق انساني أساسي يعزز الحقوق الأخرى بما فيها حق الحياة، ولا تعتبر هذه الحرية من الكماليات. وبما أنَّ لبنان هو عضو في الأمم لمتحدة ومؤسس لهذه المنظمة عليه أن يحترم هذه المادة ويطبقها، فحرية التعبير عن الرأي يجب أن لا تمس. ولطالما شجعت المنظمة الدول النامية على تكريس حرية التعبير عن الرأي من خلال نبذها الرقابة المسبقة (ما عدا بعض الحالات الاستثنائية)، وبدعمها استقلالية الاعلام وعدم تدخل الحكومات بأموره أو محاولة التحكم بالتوجه التحريري أو الاداري.

إنَّ المرسوم رقم 7276 الصادر في 7 آب 1961 ينظم وزارة الاعلام التي تعمل بالممكن والمتوفر، مع الشكر على الجهود التي يقوم بها وزير الاعلام الحالي الأستاذ ملحم رياشي. وقد صدرت مراسيم أخرى منذ عام 1961 لاعادة تنظيم الوزارة وشروط التعيين والملاك، إلا أنها ما زالت بحاجة إلى الكثير من التطوير والعمل البناء. تجدر الاشارة الى أنَّ القانون رقم 353 الصادر في 28 تموز 1994 المتعلق بالبث التلفزيوني والاذاعي ينص في المادة 3,2 على الالتزام بحرية وديموقراطية النشاط الاعلامي ودوره خاصة في تأمين التعبير عن مختلف الارآء، ولكنَّ المفارقة الحاصلة أنّ القانون ذاته يحظر في المادة 4 "عدم التزام الموضوعية في البرامج الاخبارية وعدم اعطاء الحدث والخبر بماهيته".

أما بالنسبة للاستقلال وللحرية الاعلامية الظاهرية في لبنان، فتجدر الاشارة إلى أنَّه يتم تصنيف المؤسسات المرئية والمسموعة حسب القانون رقم 382 الصادر في 4 تشرين الثاني 1994 إلى أربع فئات، ويحدد البرامج الاخبارية والسياسية في الفئة الأولى فقط بينما تبث الفئات الثلاث الأخرى كافة أنواع البرامج ما عدا السياسية والاخبارية منها. إنَّ السياسية اللبنانية هي تؤام أو أوكسيجين الاعلام اللبناني، فلا سياسة وتعبئة من دون هكذا اعلام، ففي العام 1996 أعطيت تراخيص لأربع مؤسسات تلفزيونية ورفضت لمحطات أخرى، وقد قال المدير العام لوزارة الاعلام آنذاك الأستاذ محمد عبيد في مقابلة مع جريدة ال “Washington Post” أن الاختيار هذا يكمن وراءه "قرار سياسي". أما بالنسبة لمنع النقل المباشر لتجمعات سياسية غير مرخص بها ولبعض المناسبات الدينية كما ورد في الفصل الثالث من المرسوم رقم 7997 الصادر في 29 شباط 1996، فهو يتعارض مع المفاهيم والمعايير الدولية للتعددية الاعلامية وحرية الرأي والتعبير ومن شأنها القضاء على التنوع الاخباري والفكري.

أما بالنسبة لقانون البث الفضائي رقم 531 الصادر في 24 تموز 1996 الذي يتضمن تصنيفات وممنوعات مثل الأخبار والبرامج السياسية المباشرة وغير المباشرة التي تتطلب ترخيصاً من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير الاعلام. والبرامج التي من شأنها الاخلال بالنظام العام أو المضرة بسلامة الدولة أو بحسن علاقاتها مع البلدان العربية أو الأجنبية الصديقة أو البرامج التي تؤثر على سلامة أمن تلك البلدان والتي تعتبر مرفوضة.

إنَّ القوانين اللبنانية التي تنظم مهنة الصحافة ودور الصحافي وتضع الأطر لوسائل الاعلام، من الجيد إعادة النظر بها وإعادة الحرية الكافية للصحافة اللبنانية بعيداً عن فوضى وتجاذبات السياسية. فالحرية لا تعني مراعاة مشاعر الغير لأنها تصبح استرضاء للغير، الحرية تعني قول كلمة الحق وأن يكون الاعلام هو صوت المواطن لا صوت السياسي أو الجماعة السياسية داخلية كانت أم خارجية.

إلى فخافة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، حبذا لو وضعتم في عهدكم بصمة ذهبية نادرة على صدر الصحافة اللبنانية بكف الأيدي عن هذه المهنة وإعطاء هامش أكبر للحريات، فالصحافة هي مرآة لمدى نسبة الحرية في بلدٍ ما، فلنجعل للبنان صحافة تليق بهذا البلد الذي خرَّج المبدعين والفلاسفة والعباقرة، لبنان الذي غزى العالم سلمياً وكان من أول المدافعين عن الحريات يستحق صحافة تليق به وبتاريخه.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment