صدور إحصاء رسمي عن عدد الفلسطينيين في لبنان هو الأول من نوعه... فهل يتصف بالدقّة الكافية؟

01/02/2018 - 03:13 AM

 

خاص بيروت تايمز- بقلم ميشلين أبي سلوم*

 

كانت المفاجأة في محلّها، الأسبوع الفائت. فقد أظهر إحصاء لم يسبق له مثيل، نشرته السلطات اللبنانية، أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يزيد قليلاً عن 174 ألفاً، علماً أن التقديرات المتداولة منذ عشرات السنين كانت تتحدث عن أعداد أكبر بكثير، وتراوح ما بين 400 ألف في الحدّ الأدنى و600 ألف في الحد الأقصى، في غياب الأرقام الإحصائية الدقيقة.

وأجرت هذا الإحصاء، الأول من نوعه في لبنان، لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني التابعة للحكومة اللبنانية والتي يغطي عملها 12 مخيماً للاجئين الفلسطينيين تحوّلت مع الوقت إلى أحياء سكنية كبيرة تعاني من أوضاع إنسانية بائسة، و156 تجمّعاً للفلسطينيين.

ولا تدخل القوى الأمنية اللبنانية المخيمات الفلسطينية بموجب اتفاق غير معلن بين منظمة التحرير الفلسطينية والسلطات اللبنانية، وتمارس الفصائل نوعاً من الأمن الذاتي داخل المخيمات، وتنسيقاً أمنياً وثيقاً مع الأجهزة الأمنية اللبنانية.

وأكبر هذه المخيمات عين الحلوة حيث يعيش 54 الف لاجىء. وهو يتميز بوجود جماعات متطرفة ومجموعات خارجة عن القانون، إضافة إلى فصائل عسكرية متعددة المرجعيات، مع التذكير بأن العامل الفلسطيني كان سبباً أساسياً في انفجار الحرب اللبنانية بين العامين 1975 و1990، وهو ما زال موضوعاً حاضراً في الخطاب السياسي لبعض القوى اللبنانية التي تعرب عن تخوّفها إزاء توطين الفلسطينيين في لبنان، بفعل السعي الإسرائيلي إلى حرمان المواطنين الفلسطينيين المقيمين في الشتات حقّهم الوطني المشروع في العودة إلى وطنهم.

ويشرح هذا الإحصاء أوضاع 174 ألف فلسطيني يعيشون في لبنان، وأكثر من 18 ألفاً وفدوا من مخيمات سوريا هرباً من الحرب هناك. وبحسب الإحصاء، يعاني ١٨.٤% من اليد العاملة الفلسطينية من البطالة، و٧.٢ من اللاجئين الفلسطينيين يعانون من الأميّة، لكن نسبة من يرتادون المدرسة ممن هم بين ثلاث سنوات و13عاما تبلغ ٩٣.٦%.

وتشير وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين أونروا إلى أن مخيمات لبنان تعاني من الفقر والاكتظاظ السكاني والبطالة وظروف السكن السيئة والنقص في البنى التحتية. وبحسب أرقام الوكالة فإن عدد اللاجئين الفلسطينيين المسجّلين لديها يبلغ 469 الفاً.

القيمون على الإحصاء يشددون على دقته. ولكن، في ظل هذا الغموض والتناقض، ثمة من يطرح أسئلة: لماذا تمّ اليوم إعلان هذه النتائج المفاجئة، والتي تقلص عدد الفلسطينيين في لبنان إلى هذا الحدّ، وهل هناك دقّة كافية في إصدار هذا الإحصاء أم سيكتشف أحد أن هناك ثغرات فيه؟

اعلنت المديرة العامة لادارة الاحصاء المركزي اللبناني الدكتورة مارال غيدانيان أن عدد اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات والتجمعات بلغ 174.422 فرداً في العام 2017 يعيشون في 12مخيماً و156 تجمعاً فلسطينياً في المحافظات الخمس في لبنان. كما أظهرت نتائج التعداد أن حوالي ٤٥% من اللاجئين الفلسطينيين يقيمون في المخيمات مقارنة مع ٥٥% منهم يعيشون في التجمعات الفلسطينية والمناطق المحاذية، مع التركز في منطقة صيدا بواقع ٣٥.٨%، تليها منطقة الشمال بواقع ٢٥.١% بينما بلغت نسبتهم في منطقة صور ١٤.٧% ثم في بيروت بواقع ٣١.٤%، كما بلغت النسبة في الشوف ٧.١% ثم منطقة البقاع بواقع ٤%.

لعبة الأرقام

في أول كانون الثاني 2014، أصدرت الأونروا تقريراً عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فأشارت إلى أن عددهم هو 483.375 نسمة. وبعد عام، في أول كانون الثاني 2015، أصدرت تقريرها التالي، وفيه أصبح العدد 493.134 نسمة، أي بزيادة نحو ٢% سنوياً.

ويعني هذا أن العدد المفترض يجب أن يكون قد أصبح اليوم، بعد عامين تماماً، حوالى 515 ألف نسمة. وكانت الدوائر الرسمية اللبنانية مقتنعة بأن العدد ربما يكون في حدود ال 400 ألف، لأن هناك أعداداً من الفلسطينيين غادروا تباعاً إلى بلدان أخرى.

ولكن، فوجئ الجميع بالعدد الصادر قبل أيام عن إدارتي الإحصاء اللبنانية والفلسطينية، وهو 174 ألف نسمة فقط، ما يدفع إلى السؤال فوراً: هل يُعقَل أن يكون التفاوت في الأرقام شاسعاً إلى هذا الحدّ، وكيف يكون ذلك؟

بعض المدافعين عن التقرير الصادر حديثاً يقولون إن الأونروا تسجّل اللاجئين في لبنان، لكنها لا تسجّل الوفيات غالباً، ولا المهاجرين. ولذلك ينمو العدد في سجلاتها ولا يطرأ عليه تراجع، فيما هناك في الواقع موجات من الهجرة خصوصاً خلال الأزمات والحروب حرب 1975، اجتياح 1982 وحروب المخيمات على اختلافها.

الأونروا هي الشاهد الأخير على وجود قضيةٍ لشعبٍ هو الشعب الفلسطيني، وأي تلاعب بمصير المنظمة يعني التلاعب بحقّ هذا الشعب في العودة إلى دياره. وهناك إشارات كثيرة إلى أن إسرائيل تعمل على تصفية هذه المنظمة ليذوب اللاجئون الفلسطينيون في إطار مفوضية دولية تعنى بجميع اللاجئين في العالم. وهي بذلك تكون قد تخلصت من هذا الشاهد المزعج نهائياً.

كل إشارة تتعلق اليوم باللاجئين الفلسطينيين ينبغي النظر إليها بدقّة والتبصُّر في خلفياتها. فالضغط الإسرائيلي لإقرار الاعتراف دولياً بالقدس عاصمة لإسرائيل يمكن اعتباره مدخلاً إلى مفاوضات شاملة ونهائية حول الملف الفلسطيني، تريد منه إسرائيل تحقيق هدفها الأساسي، وهو تصفية القضية الفلسطينية.

لهذه الغاية، ووسط انشغال العرب بحروبهم الداخلية ومعارك الدفاع عن الأنظمة، تستعد إسرائيل للضربة الكبرى. وأبرز نقاطها:

أولاً: القدس واحدة وهي عاصمة إسرائيل التي يكون فيها الاعتراف بيهودية الدولة هو الأساس للحصول على الجنسية.

ثانياً: لا مجال لدولة فلسطينية في الضفة الغربية، بل هناك شبه دولة في غزة وبعض أجزاء من سيناء يجري استئجارها أو مقايضتها مع مصر.

ثالثاً: إنكار حقّ اللاجئين فلسطينيي الشتات في العودة إلى أراضيهم. وهناك أفكار يتم تداولها تقضي بتوزيع هؤلاء كالآتي:

- جزءٌ منهم يتم تشجيعه للبقاء في الدول التي يستوطنها منذ عشرات السنين، في أوروبا وأميركا.

- جزءٌ منهم يمكن تشجيعه على المجيء إلى غزة، وسيناء خصوصاً، حيث يتم تحضير مشاريع اقتصادية ضخمة يمولها أثرياء العرب.

- جزءٌ منهم يجري توزيعه في دول عربية ليست حتى اليوم من دول الشتات الفلسطيني.

- جزءٌ منهم يجري توطينه في البلدان العربية، حيث هو حالياً، ولا سيما الأردن وسوريا ولبنان. وهنا يمكن التفكير في ما ينتظر الفلسطينيين والدول العربية الثلاث في المرحلة المقبلة.

إذاً، في ظل هذه المعطيات، يصرّ البعض على طرح العديد من الأسئلة حول العدد الأخير الصادر عن دائرتي الإحصاء اللبنانية والفلسطينية:

- هل تمّ التدقيق فعلاً في العدد؟ وهل وصل الفريق العامل إلى كل مكان يوجد فيه فلسطينيون في لبنان، في المخيمات وخارجها؟ ألم يكن هناك أماكن يضيع فيها الفلسطينيون ويصعب العثور عليهم أو ممنوع العثور عليهم لأسباب أمنية أو لغير ذلك؟

- يمكن أن يكون العدد الذي تحدده الأونروا أدنى من العدد الحقيقي، بناء على التبريرات المعلنة. ولكن، هل يجوز أن يكون الفارق أكثر من 300 ألف نسمة 515 ألفاً ناقص 174 ألفاً 341 ألفاً أي قرابة الثلث. وكيف للناس أن يصدقوا أن هذا الرقم هو الصحيح وأن الأرقام التي كانت تعلنها المنظمة الدولية الوحيدة المعنية بالملف منذ نشوء أزمة اللجوء كانت غير واقعية ولرفع العتب لا أكثر ولا أقل؟!

وفي الخلاصة، هل صحيح أن لبنان مجبر على توطين جزء من الفلسطينيين الموجوين على أرضه، مقابل السماح له بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني.

وهل صحيح أن توطين الفلسطينيين هو أحد الشروط الدولية للسماح بتركيب السلطة السياسية القائمة حالياً وحمايتها؟

وتالياً، هل صحيح ما تردّد نقلاً عن أوساط دولية من أن توطين جزء من الفلسطينيين في لبنان هو الشرط اللازم تحقيقه للسماح للبنان بإخراجه ثروته النفطية بعد تعثر لسنوات؟

وهل سيقال للبنانيين: لم تعودوا في حاجة ماسة إلى أموال المساعدات. لقد خففنا الضغط عنكم كثيراً. ولم يعد عندكم نصف مليون فلسطيني بل 174 ألفاً، ويكفيكم النفط والغاز لتستوعبوا الحصة المطلوبة من اللاجئين!!

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment