الجيش يقرع جرس الإنذار... محذراً من عواقب خطرة على لبنان

11/03/2015 - 13:21 PM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم*

يبدو لبنان قلقاً إزاء ما ينتظره على الحدود مع سوريا، نتيجة التدخل العسكري الروسي. ولهذا السبب قرع قائد الجيش العماد جان قهوجي ناقوس الخطر، ووضع النقاط على الحروف، محذراً من عواقب خطرة على لبنان يجدر على السياسيين والزعماء الغارقين في المنازعات الداخلية الصغيرة والعقيمة أن يتنبّهوا إليها.

ومرة جديدة، يثبت الجيش اللبناني، بقيادة العماد قهوجي أنه أمّ الصبي المستعدة في كل لحظة لتقديم التضحيات، دفاعاً عن لبنان. فالجيش يواجه على الحدود شمالاً وشرقاً وجنوباً، ويتصدّى للإرهاب في الداخل، ويعمل على تعطيل أي مؤامرة لإثارة الفتنة. ويبقى الجيش ضمانة وحيدة للاستقرار الأمني الذي هو ركيزة الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وإذ تسقط المؤسسات في الفراغ أو الشلل أو التعطيل، تبدو المؤسسة العسكرية بقيادة العماد قهوجي صخرة لا تهتزّ ولا تتزعزع، والهيكل الذي إليه تستند المؤسسات كافة.

عمليات بوتين ستمتد جنوباً حتى دمشق، وغرباً حتى الحدود مع لبنان

يقول الخبراء أن نطاق العمليات الجوية الروسية في سوريا سيتَّسع خلال المرحلة المقبلة. وأولى الخطوات كانت خروج الروس من اللاذقية إلى الجوار القريب: ريف حمص وحماه. ويعتقد الخبراء أن عمليات بوتين ستمتد جنوباً حتى دمشق، وغرباً حتى الحدود مع لبنان.

فعندما دعَّم الروس قاعدتهم العسكرية في الساحل السوري، كانت تلك إشارة إلى دعم الأسد هناك. لكن المشروع الروسي الجديد هو بناء قاعدة عسكرية في محيط دمشق. وهذا يعني أن منطقة النفوذ التي ستُعطى للأسد ستشمل العاصمة أيضاً، والخط الذي يربطها بالساحل. وهنا يصبح الكلام أكثر وضوحاً على مستقبل لبنان في هذا الصراع.

وفي الأيام الأخيرة، برزت معلومات عن قرب تثبيت الروس قاعدة تدخَّل سريع في محيط العاصمة السورية، حيث ينكبُّ العشرات من الضباط الروس حالياً على تحضير هذه المهمة. وقد منحهم الرئيس السوري مئة دونم من الأراضي لبناء المساكن، لهم وللجنود الروس وعائلاتهم، في البقعة الواقعة بين الفوج مئة والفرقة العاشرة التابعة للجيش السوري، أي بين جديدة عرطوز وقطنا.

ووفق المصادر السورية القريبة من الأسد، فإن الجنود الروس سيستقرّون في مطار المزة العسكري. وستكون هذه القاعدة العسكرية هي المركز الذي يقود الأنشطة العسكرية الروسية على كل الأراضي السورية، بدلاً من القاعدة التي أقيمت في جوار طرطوس.

حراك عسكري في المنطقة وأجوائها

وستكون القاعدة الروسية مجهَّزة بنظام دفاعي متين، مدعَّم بنظام راداري قادر على توفير رصد دقيق لأي حراك عسكري في المنطقة وأجوائها، حتى الحدود اللبنانية غرباً، والحدود الإسرائيلية جنوباً. وسيتكفل بمراقبة حثيثة لحراك الجماعات التي تقاتل النظام، خصوصاً في شرق العاصمة وجنوبها.

وخلال قمة بوتين - الأسد الأخيرة في موسكو، جرت مناقشة شاملة لمستقبل الصراع في سوريا، والتطورات العسكرية والسياسية المرتقبة، ولا سيما المرحلة الثانية من التدخل الروسي. ففي المرحلة الأولى، قام الروس بتدعيم قاعدة عسكرية قائمة في الساحل. وأما المرحلة الثانية فستكون بناء قاعدة جديدة في دمشق، وتولّي الروس مباشرة قيادة مختلف الجبهات في سوريا.

وبناء على هذا المعطى العسكري البارز، يعتقد كثيرون أن الواقع يتغيَّر في العاصمة والمناطق المحاذية للحدود اللبنانية. ويبدو الروس وكأنهم يرسمون الخطوط العريضة للحدود التي ستنشأ بين مناطق النفوذ في داخل سوريا، على أسس مذهبية وعرقية. وستكون حصة الأسد في سوريا المفيدة، كما يجري التعارف على وصفها، وهي تضم المدن الكبرى والمنفذ على البحر والحدود مع لبنان وإسرائيل. وإزاء هذه المعطيات، يصبح ممكناً أن تشمل العمليات الجوية المناطق المتداخلة على الحدود اللبنانية - السورية التي يستهدفها اليوم الطيران السوري. ومنعاً لأي التباس في مشروعية الضربات الروسية، يعتقد الخبراء أن الروس قد يتولَّون هذه المهمات بتغطية من سلاح الجو السوري، أي من خلال مشاركة طواقم عسكرية سورية في المهمات. ففي هذه الحال، يصبح صعباً التمييز بين الغارات التي ينفذها الروس منفردين بمقاتلاتهم، وتلك التي ينفذها سلاح الجو السوري بالمقاتلات الروسية إياها، وبقيادة روسية.

لا يمكن لروسيا أن تقع في منزلق خطر من نوع القيام بعمليات عسكرية ضد داعش أو النصرة في جرود عرسال أو الجانب اللبناني من القلمون، ما دامت تفتقد إلى التغطية، كما هي الحال في سوريا حيث تلقت طلباً رسمياً للتدخّل. فهي قوة دولية تدرك حدودها ولا تغامر بارتكاب أخطاء قاتلة، في ظرف شديد الدقّة.

لبنان الرسمي لا يتدخّل

يحرص لبنان الرسمي على التزام عدم التدخل في المواجهات الدائرة في سوريا، على رغم اقتراب الضربات الروسية من حدوده. ولكن تردّد في بعض الأوساط أنّ موسكو تنسّق مع الجيش اللبناني لتوجيه ضربات الى المسلحين في جرود عرسال ورأس بعلبك، وأنّ اتصالات حصلت من أجل معرفة نقاط تمركز المسلحين.

وردّاً على هذا الكلام، ينفي مصدر عسكري رفيع حصول أيّ اتصال أو تنسيق بين غرفة عمليات الجيش اللبناني وغرفة عمليات الجيش الروسي في سوريا، مشيراً الى أنّ كلّ الكلام عن تنسيقٍ لتنفيذ غارات على الجرود اللبنانية أو المناطق المتاخمة للحدود لا أساس له من الصحة، فالغارات الروسية تتركز داخل الأراضي السورية والجيش لم يطلب مساعدة موسكو لتنفيذ ضربات جوّية أو القيام بأيّ عمل عسكري آخر.

ويلفت المصدر العسكري الى أنّ الحرب السورية طويلة ومستمرة، والجيش يبذل ما في وسعه لإبقاء النار بعيدة من الأراضي اللبنانية، ويدرس خططه بشكل دقيق، ولن يُقدم على أيّ مغامرة لجذب الإرهابيين الى لبنان، مرجّحاً أن تأتي الغارات الروسية بمردود عكسي غير الذي يتمنّاه البعض، خصوصاً أنها لا تترافق مع حملة برّية، ما يدفع المسلّحين الى الهروب من مخابئهم في الجرود باتجاه الأراضي اللبنانية، وقد يُضطر الجيش الى فتح معركة جديدة، في وقت يتبع الجيش إستراتيجية إحتواء النار وحصر المسلّحين في الجرود وإبعاد خطرهم.

طموح داعش

ويقدِّم المحللون العسكريون سيناريوهات للتمدُّد على ثلاثة محاور تخطط لها داعش في لبنان، إذا أتيح لها التنفيذ، وهي الآتية على التوالي من حيث الأولوية بالنسبة إلى التنظيم:

- المحور الأول: أولوية داعش هي الخروج من جيوبها في جرود عرسال وبعلبك - الهرمل، والسيطرة على كامل المنطقة الجردية، وهذا ما يتيح ل داعش ربطها بالقلمون السوري، بحيث يصبح لديها عمق إستراتيجي تستفيد منه في قتالها في لبنان وسوريا. وتريد داعش، في الدرجة الأولى، أن تسيطر على أكبر عدد من المواقع التي يتمركز فيها الجيش حالياً، ثم تنقضُّ على القرى القريبة، والتي تمتاز بحضور مسيحي، كرأس بعلبك والفاكهة والقاع، لتحوِّلها ورقة إبتزاز ثم منصة متقدِّمة لمواجهة مناطق حزب الله.

- المحور الثاني: ترغب داعش في فتح خط من جرود عرسال إلى مناطق البقاع الغربي، وصولاً إلى جبل الشيخ، في موازاة سعيها إلى التوسّع داخل سوريا في إتجاه الجنوب. وفي الأشهر الأخيرة، كان النزاع حامياً في الجنوب السوري بين داعش وحليفاتها، والنظام وحلفائه، والجيش السوري الحر، للسيطرة على أوسع بقعة من المنطقة. فمن يسيطر هناك يكون على تماس مع إسرائيل، ويكون قادراً على إمتلاك أوراق ضغط للسيطرة على الطرق المؤدية إلى العاصمة دمشق. والمواجهة التي تخطط لها داعش، بهدف الربط بين المناطق التي تسيطر عليها على ضفتي الحدود في القلمون السوري والبقاع اللبناني، تقتضي المرور بعقدة المواقع والأنفاق التي تقيمها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - القيادة العامة في قوسايا ومحيطها، والأنفاق ومرابض المدفعية في جنطا. ولذلك، لا يبدو هذا المخطط رحلة سهلة ل داعش.

- المحور الثالث: تسعى داعش إلى ربط المنطقة الجردية في عرسال - بعلبك - الهرمل بالضنية - طرابلس - عكار، وخلق ممرّ آمن يربط القلمون السوري بالبحر المتوسط عند الشاطئ اللبناني، بعدما عجزت عن تحقيق ذلك في سوريا، حيث يسيطر النظام على المنطقة الساحلية تماماً. فحتى المنفذ الضيق عند الحدود السورية - التركية على البحر لم يعد متاحاً لدواعٍ تتعلق بسوريا وتركيا على حدٍ سواء، وخصوصاً بعد التدخل الروسي.

إذاً، ستقف داعش عاجزة عن إقتحام المحاور الثلاثة: محور الجرد وبلداته، محور البقاع الغربي جنوباً ومحور الشمال. ولن يتاح لها أن تحقق أي إنتصار في أي منها. وقد يتاح لهذا التنظيم أن يتشبّث ببعض الجيوب الجردية، وأن يلعب أوراق إبتزاز كالعسكريين المخطوفين وعمليات التفجير والتوتير في المناطق، كما كشفت عن ذلك الأجهزة الأمنية أخيراً من مخططات لتنفيذ اغتيالات وتفجيرات. لكن ذلك لن يتيح له التمدُّد نحو أي منطقة، خصوصاً في ظل اليقظة التي تتميَّز بها المؤسسة العسكرية وقائدها العماد قهوجي.

لبنان تحت المظلّة

فالجيش اللبناني ينفّذ خطة مزدوجة لقطع الطريق على أي محاولة قد تعمد إليها داعش والنصرة والتنظيمات الإرهابية الرديفة لضرب الإستقرار في لبنان:

1 - إستباق هذه التنظيمات بالسيطرة على مواقع ذات أهمية عسكرية في جرود عرسال وبعلبك - الهرمل عموماً، إمتداداً حتى الحدود مع القلمون السوري.

2 - ملاحقة الخلايا الإرهابية وضربها في مناطق داخلية عدة: طرابلس، عكار، البقاع الغربي وصيدا - عين الحلوة.

فالمطلوب من لبنان دور في مكافحة الإرهاب. والسلاح الذي يتلقاه من الولايات المتحدة على مدى الأشهر الأخيرة يندرج في هذا الإطار. ومطلوب من القوى العسكرية والأمنية اللبنانية أن تحافظ على استقرار لبنان في الفترة الإقليمية المتفجرة. وهذا ما تَلقّاه لبنان عبر القنوات الديبلوماسية من المراجع الدولية الكبرى. فالواضح أن لبنان سيبقى تحت الحماية الدولية إلى أن تتبلور المعطيات الجديدة في الشرق الأوسط.

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment