أن تكون لبنانياً… أيّ معنى يجب أن يحمله لك الانتماء إلى لبنان؟

11/29/2017 - 11:18 AM

Wifyd

 

الدكتور فيليب سالم

منذ إنشاء لبنان الكبير، يتخبّط هذا البلد من أجل تحديد هويته وبلورة رؤية سياسية واضحة ومتماسكة. بيد أن شعبه طبعَ ثقافة متمايزة في الشرق الأوسط، ثقافة عنوانها التسامح والحرية والديموقراطية، وقبل كل شيء التعددية الثقافية. تَحقّقَ ذلك على الرغم من المعاناة الشديدة في التاريخ الحديث وعلى الرغم من المأساة اللبنانية. مأساة لبنان هي في جغرافيته، فالأرض مصلوبة بين إسرائيل وسوريا والبحر المتوسط. وحده البحر يعانق اليابسة بحب. في لبنان تُعانِق المسيحية الإسلام، وتعيش ثماني عشرة طائفة دينية مختلفة بانسجام ووئام.

أربعون عاماً من الحروب، ولم ترتفع حواجز بين هذه الطوائف. لا يزال المسلمون والمسيحيون يتشاركون الآلام والأفراح. لم تكن الحروب اللبنانية دينية، بل كانت سياسية. استُخدِم الدين أداةً سياسية لفرض أجندات سياسية. فضلاً عن ذلك، لبنان هو الأرض التي تنمو فيها الثقافات المختلفة وتزدهر. ثقافة الغرب تعانق ثقافة الشرق. وتتلاحم الثقافة الأنغلوسكسونية مع الثقافة الفرنكوفونية. تزدهر ثقافة العرب بتفاعلها مع ثقافات أخرى. لم يشهد لبنان صداماً للثقافات، بل كان بمثابة بوتقة انصهار لها.

رمزٌ للحرية والديموقراطية

شكّل لبنان تهديداً للبلدان الواقعة عند حدوده الشرقية، لأنه رمزٌ للحرية والديموقراطية. صحيحٌ أن أضراراً جزئية لحقت مؤخراً بالحرية والديموقراطية في لبنان، غير أن البنى التحتية لبنائهما في المستقبل لا تزال قائمة. وعند الحدود الجنوبية، ربما تدّعي إسرائيل الحرية والديموقراطية، لكنها ليست حكماً أرض التنوّع الثقافي والتعددية. ترتدي مسألة التعددية الثقافية أهمية بالغة لأنها السبيل إلى المستقبل. ليس مقبولاً على الإطلاق أن نرفض احتضان الآخر لأنه مختلف. كذلك يتمايز لبنان عن الدول المجاورة بأنه البلد الوحيد حيث لا دين رسمياً للدولة. تصرّ إسرائيل على التحوّل إلى دولة يهودية، وعلى جعل اليهودية الدين الرسمي للدولة. أما في العالم العربي، فلكل دولة عربية دينٌ رسمي، وهذا الدين هو الإسلام.

النموذج اللبناني

أنا أعتبر أن النموذج اللبناني هو نموذجٌ ضد الإرهاب والتطرّف. إنه أيضاً نموذجٌ للاستقرار والازدهار. نحن اللبنانيين نودّ أن نقدّم هذا النموذج للعالم، نودّ أن نسأل: “هل تريدون حقاً نشر الديموقراطية في الشرق الأوسط؟ إذا كان الجواب نعم، خذوا العِبرة من لبنان. هل تريدون نشر الحرية؟ دافعوا عن لبنان. هل تريدون نشر تقبّل الآخر والتعددية الثقافية؟ ادعموا لبنان”. وقبل كل شيء، يجب أن نقول للغرب: “هل تريدون حقاً محاربة الإرهاب؟ في هذه الحالة، يجب نشر النموذج اللبناني وتعزيزه، لا التضحية به”.

ندرك جميعنا الأمراض والعِلَل التي يتخبّط فيها المشهد السياسي في لبنان، والعوائق التي تحول دون بناء دولة قوية. ونعي أيضاً حجم الفساد الهائل الذي يشلّ الحكومة والمؤسسات التابعة للدولة. لكن لبنان لن يفنى أبداً. إنه يأبى الفناء. ولروحه الفضل في ذلك. هذه الروح هي جوهر لبنان، إنها أزليةٌ خالدة. هذه الروح هي التي تصنع هويتكم كلبنانيين، ويجدر بكم أن تشعروا بالفخر والاعتزاز للأسباب الآتية:

1.               أنتم تنتمون إلى شعبٍ شيّد في الماضي مدناً عظيمة مثل بيبلوس وصيدا وصور وبعلبك، وأسّس حضارةً عظيمة عندما لم تكن هناك حضارةٌ في أوروبا والغرب. كان شعبكم يفرض سيطرته، في مرحلة من المراحل، على البحر المتوسط، وبنى مستعمرات على شواطئه. لقد أدّى شعبكم دوراً محورياً في تطوير الأبجدية التي هي الأداة الأساسية لنمو الحضارة البشرية.

2.               أنتم تنتمون إلى شعبٍ بنى، في بلدان الاغتراب، حضارات العالم. أينما ذهب اللبنانيون، انكبّوا على البناء والعمران. لم تقترف أيديهم أي دمار. لا بل ساهموا في إعلاء البنيان. لم يعرفوا الانكفاء مطلقاً. أينما ذهبوا، اندمجوا في مجتمعاتهم وأبدوا امتنانهم للبلدان التي احتضنتهم. هنا في أميركا، لم نقدّم مساهمات لهذه البلاد وحسب، بل للعالم بأسره. لم يبتكر مايكل دبغي عملياته الجراحية في القلب للمرضى الأميركيين فقط، بل لجميع المرضى في العالم. ولم يبنِ داني توماس مستشفى سانت جود في ممفيس في ولاية تينيسي للأطفال الأميركيين وحسب، إنما أيضاً لجميع الأطفال في العالم. سانت جود هو الآن المستشفى الأول في العالم لمعالجة الأطفال المصابين بالسرطان. ويقدّم المستشفى اللبناني - السوري في ساو باولو البرنامج الأفضل للعلاج والبحوث المتعلقة بالسرطان في أميركا اللاتينية بأسرها. لم يكتب جبران خليل جبران للأميركيين واللبنانيين وحسب، إنما للبشرية جمعاء. لطالما كانت رسالة لبنان، ورسالة اللبنانيين في بلدان الاغتراب، عالمية.

3.               أربعون عاماً من الحروب ولم ترتفع جدرانٌ بين الجماعات الدينية المختلفة التي تتشارك البلاد. لم يحصل تطهير إثني. أربعون عاماً من الحروب ولا يزال اللبنانيون يحتضنون بعضهم بعضاً. تستمر المسيحية في معانقة الإسلام. لقد صمدت التعددية الثقافية، ولا تزال تنمو وتزدهر.

4.               أربعون عاماً من الحروب، ولا نجد متسوّلاً لبنانياً واحداً في شوارع لاس فيغاس أو نيويورك أو لندن أو باريس أو دمشق. أربعون عاماً من الحروب، ولا نجد لاجئاً لبنانياً واحداً يعيش في خيمة ويقتات من المساعدات التي تقدّمها إليه الأمم المتحدة. أن تكون لبنانياً يعني أنك تنتمي إلى شعبٍ يتمتع بالكرامة والإباء. علينا أن نذكّر العالم دائماً بأن لبنان يأخذ على عاتقه أكثر من مليونَي لاجئ، في حين أن العالم لا يأخذ على عاتقه لاجئاً لبنانياً واحداً.

5.               أربعون عاماً من الحروب، ولا يزال اقتصادنا راسخاً ومتيناً. الشقّة السكنية في العاصمة بيروت أغلى ثمناً بقليل من الشقق ذات المواصفات المشابهة في هيوستن. يبقى الاقتصاد قوياً بفضل المساهمات من المغتربين اللبنانيين، وكذلك بفضل النسيج الفريد من نوعه للأسرة اللبنانية. في الثقافة التي نشأنا عليها، لا يترك الأخ أخاه في براثن الفقر من دون أن يمدّ إليه يد العون.

6.               أربعون عاماً من الحروب وحمامات الدماء والمعاناة الشديدة، ومع ذلك يبقى لبنان عاصمة الفرح في العالم العربي. لم تتمكّن الحروب من القضاء على حبنا للحياة، ولم ينجح اليأس والإحباط في إخماد شعلة الأمل.

7.               لبنان أرضٌ مميزة جداً تربض بروعةٍ بين البحر المتوسط بلونه الأزرق والصحراء العربية بلونها الأصفر. جبالٌ خلاّبة تنساب رويداً رويداً نحو البحر. قرى وبلدات مبعثرة هنا وهناك. قرى عاش فيها آباؤنا وأجدادنا. في تلك القرى عائلاتٌ تخلد للنوم يومياً وهي تحلم بأن ترانا من جديد. إنها الأرض الوحيدة في العالم التي هي حقاً أرضنا.

قال جبران خليل جبران: "لكم لبنانكم ولي لبناني". أفهمه تماماً وأشاركه رؤيته هذه. كان “لبنانهم” مختلفاً عن لبنانه. لكن يقع على عاتقنا الآن أن نجعل لبنانهم لبناننا، وأن نجعل هذين اللبنانَين واحداً، لبناناً نستطيع جميعنا أن نعتزّ به. لا بد لي من أن أذكّركم بأن الحرب كانت مسؤوليتنا. والآن بناء السلام والازدهار هو مسؤوليتنا. غنيٌّ عن القول بأنه يجدر بنا أن نعرب عن ولائنا للبلدان التي احتضنتنا. نحن اللبنانيين لم نكن يوماً جاحدين. إنما علينا في الوقت نفسه أن نُظهر امتناننا لبلادنا وآبائنا وأجدادنا، يجب أن نكون ممتنّين للبنان. الولاء للبلد الذي تبنّانا واحتضننا لا يمنع أن نحتفظ في قلبنا أيضاً بالولاء لوطننا الأم. علينا أن نتعلّم أيضاً من المهاجرين الآخرين كيف نتساعد ويقدّم واحدنا الدعم للآخر، وكيف نستعيد التواصل مع جذورنا. أشارككم بشدّة خيبة أملكم من السياسة في لبنان، وعدم ثقتكم بالسياسيين، إنما لا يجدر بنا أبداً أن نسمح لليأس والإحباط بالتغلّب علينا. تشرق الشمس دائماً بعد ظلام الليل الحالك.

ختاماً، أودّ أن أقول إنني شديد الاعتزاز بلبنانيتي. فليكن شعارنا: “لبنان، ستبقى دائماً في قلبي، وسأكون ابناً بارّاً لك ما حييت”.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment