استقالة الحكومة المفاجئة سببها زج لبنان في المحور الإيراني والإخلال بالتسوية

11/06/2017 - 19:09 PM

Bt

 

خاص بيروت تايمز- بقلم ميشلين أبي سلوم*

 

كل الذين فوجئوا، عن حق، باستقالة الرئيس سعد الحريري يعرفون أن المشكو منه في الوضع السابق للاستقالة ليس مفاجأة لأحد. لا على الصعيد المحلي، حيث وصل الخلل في التوازن الى مستوى خطير أريد له من أجل الاستقرار ألاّ يبدو خطرا. ولا على الصعيد الاقليمي وامتداداته الدولية، حيث دخل الصراع الجيوسياسي على اليمن والعراق وسوريا ولبنان مرحلة بالغة الحدّة وسط تبدّل في موازين القوى زاد من التفاوت في الوزن والخلل في التوازن. وكل الذين دعوا، عن حكمة، الى الهدوء والتبصّر في انتظار الاطلاع من الحريري على المعطيات التي جعلته يعلن الاستقالة عبر شاشة التلفزيون من الرياض يعرفون صعوبة الاستمرار في تجنّب القراءة في مضمون بيان الاستقالة.

ذلك ان دوي ما بعد الاستقالة ليس أعلى من صمت ما قبلها. فالأزمة المفتوحة حاليا هي نفسها الأزمة التي كانت مضبوطة أو شبه مغلقة بالتفاهم على التسوية السياسية التي لم تكن ممكنة لولا تبني الحريري ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة. وهي تسوية حلّت أزمة الشغور الرئاسي وأعادت الحريري الى رئاسة الحكومة وفتحت الباب للانتظام العام في المؤسسات ولانتاج قانون انتخاب وموازنة عامة وملء مراكز في الادارة، لكنها لم تكن مصممة أصلا لحل الأزمة العميقة في لبنان.

ماذا على صعيد رئاسة الجمهورية؟

حاليا على صعيد رئاسة الجمهورية, يبدو ان الاتصالات والجهود التي يبذلها الرئيس ميشال عون وسائر المسؤولين والسياسيين لافساح المجال امام المشاورات بين مختلف القيادات لاستيعاب تداعيات استقالة رئيس مجلس الوزراء سعد الحريري ومحاولة اقناعه للعودة عنها لم تجدِ نفعاً ولم تلقَ التجاوب المطلوب واصطدمت بالأسباب والممارسات السياسية السلبية المحلية والإقليمية التي أسقطت حيادية لبنان وانحازت به قسراً باتجاه محور طهران في مواجهة الدول العربية، وتحديداً الخليجية منها بقيادة المملكة العربية السعودية، خلافاً لأسس التسوية السياسية التي أدّت إلى انتخاب عون للرئاسة وتأليف حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الحريري، وبالتالي لم يعد ممكناً التغاضي عن هذا الواقع السياسي الجديد وبات مطلوباً اعتبار الحكومة مستقيلة والمباشرة باتخاذ الخطوات اللازمة لتشكيل حكومة جديدة تخلف الحكومة الحالية وتتحمل أعباء ومسؤوليات التداعيات المرتقبة جرّاء الإخلال بالاتفاق - التسوية والزج بلبنان في المحور المذكور رغماً عن رغبة وتوجهات الاكثرية الساحقة من أبنائه.

فلبنان بعد استقالة حكومة الرئيس الحريري دخل في مرحلة جديدة تختلف كلياً عن مرحلة السنة المنصرمة التي أعقبت التسوية السياسية المتداعية بفعل سلسلة طويلة من الارتكابات والتجاوزات الخطيرة لأمن وسيادة ودستور الدولة اللبنانية التي قام بها «حزب الله» منذ الأشهر الأولى لعمر الحكومة المستقيلة في ظل صمت مطبق وغض نظر من كبار المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية الذي ذهب في بعض مواقفه الأخيرة إلى تبرير ذهاب عناصر الحزب للقتال ضد أبناء الشعب السوري ضمن الأراضي السورية، وأكثر من ذلك بإعلانه ربط مسألة حل سلاح الحزب بأزمة الشرق الأوسط خلافاً لمواقفه السابقة والداعية إلى طرح هذه المسألة من ضمن الاستراتيجية الدفاعية.

لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تمّ الإمعان في تكريس لبنان كمنصة لاستعداء الدول العربية، تارة بشتم وتحقير قادة الدول الخليجية وتوجيه التهديدات اليهم كما فعل مراراً الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وتارة أخرى باستمرار تدريب وتسليح الخلايا لتنفيذ تفجيرات وعمليات اغتيال إرهابية وتهديد أمن واستقرار الدول العربية الشقيقة كما حصل مع خلية «العبدلي» الإرهابية التي كشفتها وألقت القبض عليها السلطات الكويتية وأبلغت كبار المسؤولين اللبنانيين باعترافات عناصرها الصريحة بتدريبهم وتسليحهم من قبل الحزب في لبنان، ناهيك عن سلسلة طويلة من الممارسات السلبية والمواقف التي تنتهك سيادة وكرامة الدولة اللبنانية واخرها ما قاله رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني بأنه لا يمكن اتخاذ أي قرار مهم في لبنان وسوريا والعراق بدون موافقة بلاده وبالطبع لم يحصل أي ردّ رسمي من أي مسؤول لبناني باستثناء الرئيس سعد الحريري وكأن هذا الموقف لا يعني هؤلاء المسؤولين ولا الدولة اللبنانية.

وبالطبع لم تنفع كل محاولات رئيس الحكومة سعد الحريري وجهوده لدى كافة الدول والهيئات الدولية للتخفيف من سلسلة العقوبات الاقتصادية والمالية التي تُحضّر ضد الحزب والسعي قدر الإمكان لحصر مفاعيلها، وباتت الحكومة بالرغم من كل ما تقوم به في أكثر من اتجاه ودولة لاستيعاب التداعيات السلبية لممارسات وارتكابات الحزب وكأنها تشكّل غطاء لمثل هذه التجاوزات المفضوحة، حتى اتهمت في احيان كثيرة بالعجز وعدم القدرة على منع هذه الممارسات السلبية السيئة وبأنها أصبحت تتعايش معها تحت تأثير ترهيب وهيمنة سلاح الحزب خلافاً للواقع والحقيقة، بل أكثر من ذلك عندما اندفع بعض وزراء الحكومة وعلى رأسهم وزير الخارجية لقيادة توجه «حزب الله» بالانفتاح على نظام الاسد بلقائه وزير خارجيته وليد المعلم في نيويورك، في مؤشر واضح لتحدي مشاعر ورغبة رئيس الحكومة سعد الحريري بهذا الخصوص.

اليوم وبعد إعلان استقالة الرئيس الحريري التي أربكت كل المعنيين، من الرئاسة الأولى والثانية وكبار السياسيين وحتى «حزب الله» المستفيد من الحكومة أكثر من غيره، وهم الذين اعتقدوا انه بالرغم من انجرارهم للانخراط في محور طهران بالخطوات والتجاوزات المتلاحقة لاسس التسوية، فإن الرئيس الحريري مطوق من كل الجهات وبالتالي لن يجرؤ على الخروج من سدة الرئاسة الثالثة والاستقالة من الحكومة.

ولكن الاستقالة وضعت الجميع في مرحلة صعبة جداً، الرئيس الحريري قلب الطاولة وقدم استقالته، ولبنان في عهدة الساكتين أو المؤيدين للانخراط في محور طهران، أصبح مكشوفاً، بلا غطاء عربي بعد ان أمعن الحزب في استعداء الدول العربية وتوسيع هامش الخلافات معها وبلا غطاء دولي يضمن حصانته ويجنبه الكثير من ترددات حرائق المنطقة، في سوريا وغيرها والتهديدات الإسرائيلية ومطامع النظام الاسدي المتواصلة ضد أراضيه وسيادته.

أخيرا وليس آخرا,

ما حصل، مهما بلغ من الغرابة، يمثل أولا وأخيرا ادانة للنظام اللبناني قبل التفكير بالتنصل من المسؤولية وإلقاء الحق على الغير. وسبقت ذلك سلسلة من المفاجآت المدوية التي ذهب ضحيتها لبنان واللبنانيون، ولكن الطقم السياسي المتناسل في توارث السلطة لم يتعلم الدروس منها، سواء بعد التعثر في تداول الحكم على مستوى رئاسة الدولة، أو على مستوى رئاسة الحكومة، أو على مستوى ادارة الدولة بشكل عام، أو حتى على مستوى السقوط في المحظور وقيام حرب داخلية مدمّرة كما حدث في الهزيع الأخير من القرن الماضي. ولم يبادر اللبنانيون الى اصلاح هذا النظام الذي لا يزال في جوهره وكأنه امتداد لحكم القناصل بسبب نظامه الطائفي والمذهبي، وغياب النظام المدني الذي يوجه الولاء الوطني الى الداخل أولا وأخيرا.

على الرغم من كل هذا العصف الداخلي الذي أحدثته استقالة الحريري، فان المشكلة الحقيقية هي في عمق المنطقة وليست في لبنان. وجريا على عادة السير بين النقاط، سيواجه لبنان هذه الأزمة ويتجاوزها في يوم، في شهر، في سنة، ولكنه سيتجاوزها. وليس في الأفق المنظور أية مخاوف من صدام داخلي، أو من تأثيرات سلبية عميقة على الليرة اللبنانية. أما الخوف الآخر الأعظم من اندلاع حرب جديدة بعدوان اسرائيلي جديد على لبنان، كما يشاع أو يروّج له في الحرب النفسية، فهو غير وارد أيضا في المدى المنظور. وقرار الحرب ليس اسرائيليا صرفا بل هو في الأصل قرار أميركي. وجنرالات الحرب الأميركيون يقولون ما معناه: لماذا نزجّ أنفسنا في الحرب، عندما نجد كثيرين يقومون بهذه الحرب بالنيابة عنّا؟!

*صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment