مشروع إستثماري إنمائيّ إقتصاديّ عمرانيّ، بيئيّ، سياحيّ، على أراضي أوقاف البَطريَركِيَّة المارونِيّة

11/01/2017 - 09:12 AM

Bt

Related image

 

المهندس سيمون حبيب صفير

يعاني لبنان من جملة أزمات وليس من أزمة واحدة، وهي كلّها متعلقة ببعضها البعض ويسبّب بعضها البعض الآخر. أمّا نشوب هذه الأزمات فمردّه إلى عدم توافق السّياسيّين اللّبنانيين على بناء دولة لبنانيّة عصريّة حديثة قويّة ترعى أبناءها بعدالة ومساواة بحيث يحصل كلّ ذي حقّ على حقّه على أن يقوم المواطنون بتأدية واجباتهم تجاه دولتهم فيساهمون في تطوير مجتمعهم الإنسانيّ والرّفع من شأن مؤسّساته الدّستوريّة، الحكوميّة، العلميّة، الثقافيّة، الإقتصاديّة، الإستشفائيّة، النقابيّة، الحزبيّة، وغيرها، ويضافرون جهودهم بهدف مواكبة العصر. ومواكبة العصر، في كلّ الميادين وعلى الصّعد كافّةً، لا يمكن أن تتحقّق في ظلّ سيطرة الذهنيّة المتخلّفة في إدارة شؤون الوطن ومقدّراته، وهيمنة المسلكيّة الإقطاعيّة، على اختلاف أنواعها، على الأداء السّياسي في هذا الوطن الّذي أنعَمَ الله عليه بنعمٍ كثيرة، ليس أقلّها الموقع الجغرافي المميّز في منطقة الشّرق الأوسط، والمناخ الجميل والإستثنائي والمناظر الطبيعيّة الخلابة والتي حرمتنا من بعصها أيدي وعقول وجرّافات أصحاب الكسّارات والمقالع والمرامل، ما أدّى إلى تدنّي نسبة مساحة الثروة الحرجيّة إلى ما دون الخمسة في المئة، ما ينذر بالخطر الّذي يتهدّد التوازن البيئيّ، كما يتهدّد صحّتنا التي يفتك بها التلوّث الجوّي والبرّي والبحريّ، والدّولة اللّبنانية غافلة لا تحرّك ساكناً، وهذا جدّ مؤسف بل مفجع!

على هذا المستوى، يجدر بنا الكلام على الأخلاق التي كلّما تراجعَت تراجع معها المستوى المعيشي للمواطن الذي يصير ضحيّة جشع وطمع وشراهة ذوي المصالح الشّخصيّة فاقدي الضمير الذين غالباً ما يتجاوزون القوانين، يخترقونها، ويسخّرونها عبر الطرق الملتوية التي يعتمدونها، لخدمة مآربهم وتنفيذ مشاريعهم التخريبيّة، وأكثر ما يقهر الناس ويجرحهم هو استعمال بعض السّياسيين مراكزهم العالية ومناصبهم الرفيعة لتمرير صفقاتهم والإستيلاء على المال العام واستباحة المحرّمات، منها الجبال التي امتدّت إليها أيدي بعضهم تشوّهها وتسيء إلى البيئة، كما أسلفتُ.

إنّ التدهور البيئيّ والسّياسيّ والإجتماعيّ والإقتصاديّ ليس إلاّ نتيجة حتميّة للتّدهور الأخلاقيّ، وهذه حقيقة لا بدّ لنا من المجاهرة بها ومواجهتها، وعلينا بالتّالي العمل الدؤوب من أجل تغيير هذا الواقع السّيء من خلال استنهاض همم كلّ اللبنانيّين وتوظيفها في بناء دولة خالية من الأمراض الطائفيّة الخبيثة التي تنهك قوى لبنان فتضعف جميع شرائح مجتمعه، وهذا ما نشهده حاليّاً ونعي أسبابه، وكلّنا مسؤولون عن إيجاد الحلول المناسبة للمشكلات المزمنة التي تعوق مسيرتنا نحو التطوّر.

أمّا الحوار الوطني فيجب أن يكون مبدأ ثابتاً نستمر جميعاً في تبنّيه وليس حالة ظرفيّة مرحليّة عابرة لا تعدو كونها دواءً مسكناً لوجع يتحتّم علينا وضع حد نهائي له لكي لا يعاود جسم الوطن المكوّن من ثماني عشرة طائفة تتأثر سلباً أو إيجاباً بأيّ خلل أو توعّك أو مرض قد يصيب أيّ من هذه الطوائف التي تشكّل أعضاء لبنان الواحد. والمحزن أنّ طاولة الحوار الوطني التي جمعت كلّ الأقطاب السّياسيّة فشلت في خلق صيغة توافقيّة سليمة لحكم لبنان لأسباب لا تخفى على أحد.

جلّ ما يريده المواطن اللبنانيّ العيش بكرامة في كنف دولة تطبّق القوانين على الجميع لا سيّما على السّياسيّين في حال تجاوز أيّ منهم حدود القانون واستعمل نفوذه وصرفه للمنفعة الخاصة على حساب المنفعة العامّة، وهذا ما يندرج في خانة الفساد الذي أوصل لبنان إلى هذا الوضع المتردّي حيث يرزح اللبنانيّون تحت ثقل الدّيون والضّرائب المرهقة والتي يعحز المواطن المنكوب عن تسديدها، وهو يسدّد بعضها مرغماَ... هذا بالرّغم من شيوع حالة الفقر والحرمان وغياب العدالة وندرة فرص العمل التي تؤدّي إلى البطالة التي بدورها تؤدّي إلى هجرة خيْرة شبابنا وأصحاب الأدمغة والكفاءات والمهارات الذين ترحّب بهم دول الإغتراب وتحضنهم وتستثمر طاقاتهم العلميّة وتعطيهم حقوقهم كاملةً وتشعرهم بعلوّ شأنهم، وهذا ما تفتقد إليه دولتنا التي لم تضع حتّى اليوم خطّة إنقاذيّة نهضويّة من مفاعيلها تثبيت الشّباب في وطنهم عبر إعطائهم الفرص التي يحقّقون ذواتهم من خلالها لا سيّما إذا ما وفّرت لهم الدولة سُبل العيش الكريم والأجور العادلة التي يستحقّونها والتي تمنعهم من الكفر بوطنهم ودولتهم ومغادرتِه إلى دنيا الإغتراب حيث أثبت اللبناني على مرّ السّنوات أنّه قادر على منافسة الغير في شتّى الميادين والإختصاصات أينما حلّ، وما هؤلاء المغتربين الناجحين سوى براهين حِسيّة على ما نقول.

فلماذا يبدع اللبناني ويحلّق في مختلف مجالات عمله في الخارج ويعجز عن ذلك في وطنه؟ لأنّ مجالات العمل في الخارج متاحة ولا يشغل الإنسان فكره بمتطلّبات الحياة اليوميّة التي تؤمّنها له دولته من دون استجداء، أي كما هو حاصل عندنا حيث كلّ البنى التحتيّة غير متوفّرة كما يجب على غرار ما هي عليه في بلدان العالم المتطوّر حيث شبكات الكهرباء والماء والهاتف والصّرف الصّحيّ والطرق والجسور وكلّ الخدمات اللازمة متوفّرة للمواطن بحسب الشّروط المدنيّة الحضاريّة. وحبّذا لو تحذو حكومتنا حذو حكومات هذه الدّول الرّاقية فتنعدم شكوانا من ضيق العيش والحرمان والظلم الذي يفرغ الوطن من أبنائه الذين يدفعهم اليأس والإحباط إلى الهجرة. وهذه الهجرة المتفاقمة يحب أن تكون في صلب اهتمامات حكومتنا وحتّى رؤساء طوائفنا.

وبما أنّني أنتمي إلى الطائفة المارونيّة التي أعتزّ بها، اقترحُ، بكلّ تواضع مشروعاً عمرانيّاً إنمائيّاً إقتصاديّاً، ويشّرفني أن أعرضه على غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وأرجو أن يثير اهتمامه فيبادر، مع السّادة المطارنة، إلى وضغه حيّز التنفيذ، والهدف منه أوّلاً وأخيراً معالجة مشكلة البطالة والهجرة والسّكن.

هذا المشروع يقضي باستثمار الوزنات الكثيرة التي أنعمَ بها الله على البطريركيّة المارونيّة (وعلى الرّهبانيّات المارونيّة) التي تملك في كلّ المحافظات اللبنانيّة أراضٍ شاسعة من الممكن بل من الضروريّ استصلاح ما أمكن استصلاحه من أجل زراعتها تحديداً وإقامة مشاريع الصناعات التحويليّة المتعلقة بالإنتاجات الزراعيّة، وإنشاء قرى نموذجيّة على الأراضي المناسبة لهذا الغرض، على أن تخضع للمعايير الهندسيّة العالميّة المتقدّمة، نطلق عليها أسماء قدّيسينا وهكذا نسمّيها: كفرمريم، كفريوسف، كفرمتى، كفرمرقس، كفرلوقا، كفريوحنا، كفربطرس، كفربولس، كفرمارون، كفرمارينا، كفرشربل، كفرنعمة الله، كفررفقا، كفرإسطفان، كفرريتا، كفرتِريز... على أن تتوسّط كلّ قرية من هذه القرى كنيسة على اسم القدّيس/ة التي أطلق اسمه/ها على كلّ من هذه القرى، وسط حديقة-متنزّه يرتفع فيها تمثال للقدّيس/ة، على أن تتوزّع في أرجاء هذه القرى آيات مقتطفة من الإنجيل المقدّس وأقوال لهؤلاء القدّيسين/ات... على أن تكون أبنيتها ذات طابع هندسي تراثيّ أصيل تتجسّد فيه مختلف أنماط العمارة اللبنانيّة الّتي تعيدنا إلى الجذور وتنسجم مع بيئتها الطبيعيّة بحيث يتمّ الحفاظ على الثروة الحرجيّة والعناية الدّائمة بها. وهكذا يتكامل المواطن مع ما خلقه اللّه فيزيدُ على جماله لمسات جماليّة تبدعها يدُ الإنسان اللّبنانيّ الخلاّق الذي لطالما أذهَل العالم بأسره بعطاءاته وإنجازاته على امتداد العُصور، خصوصاً في دنيا الإغتراب في أربعة أقطار العالم.

إنّ هذا المشروع، في ظل إفراغ الشّرق من مسيحيّيه رويداً رويداً، وفي حال نفّذته البطريركيّة المارونيّة بالتعاون مع مجموعة من أهل الإختصاص والخبرات والحسّ الهندسيّ الفنّيّ المرهف، يصير قدوة لغيره من المشاريع العمرانيّة التي قد يطمح الآخرون في لبنان وخارج لبنان إلى تنفيذه، سيّما أنّه مشروع يحلّ جزءاً كبيراً مِمّا يعانيه المواطن اللبنانيّ على وجه العموم والمسيحيّ المارونيّ على وجه الخصوص، وهو الّذي بذل نفسه من أجل الحفاظ على لبنان وهويته وكيانه وتاريخه ومنَعَ الغرباء من الإستيلاء على هذا الوطن-الرّسالة، وسقط شهيداً على أرضه المقدّسة ليبقى لبنان، وفي النهاية، وبعد تقديم التضحية تلوَ التضحية، نرى الموارنة يهاجرون، لتصير نسبة مسيحييّ لبنان مقارنةً مع نسبة غيرهم من شركائهم في الوطن ما دون الثلاثين في المئة. وهذا المشهد المحزن أكثر ما يخدم العدو الإسرائيليّ وغيره من الأعداء المنظورين وغير المنظورين الذين يهدفون إلى إفراغ لبنان من مسيحيّيه منذ زمن طويل. ومن شأن هذا المشروع رأب الصّدع بين أبناء طائفتنا وبين أعلى مرجعيّة لها أي البطريركيّة التي يمكنها أن تثبت له فعليّاً أنها تعمل لمنفعته واحتضانه في قرى نُرَوحِنُها! وإذ يتحتّم علينا مواجهة الواقع المرير حيث نعيش، نمنّي النفس بتنفيذ هذا المشروع - الحلم الّذي ?يرقى إلى مستوى"مجد لبنان أعطي له"، ويمكن أن يبصر النّور من دون أي عثرات أو عقبات، لا سيّما الماليّة منها، إذ من غير الصّعب توجيه النّداء من قبل صاحب الغبطة (والسّادة المطارنة والكهنة) إلى الميسورين من أبناء الطائفة المقيمين والمنتشرين في بلدان الإغتراب والّذين مَنَّ الله عليهم بخيراته الوافرة، وذلك من أجل دعوة من يريد منهم إلى وطنه الأم والإستثمار فيه خصوصاً في المجال العمرانيّ التنمويّ هذا الذي يكتب له النجاح بقدر ما تحسِن البطريركيّة إدارته مع نخبة من أصحاب الإختصاص والخبرة والكفاءة.

أمّا تأسيس شركة عقاريّة لهذه الغاية كونه من ضروريّات إقامة هذا المشروع الكبير لتنظيم الأعمال وفق دفتر الشّروط الفنيّ التنفيذيّ التي تضعه البطريركيّة.

ومن المفيد أيضاً أن تعمد البطريركيّة إلى بناء معامل ومصانع (ومنتجعات سياحيّة مُحترمة) على أراضي الوقف المارونيّ الملائمة لهذا الغرض، على أن يصار إلى الاستفادة القصوى من الطاقة تنفيذاً لخطة علميّة تكنولوجيّة شاملة (وخصوصاً الكهرباء والمياه السّلاح

الستراتيجي الأخطر للدّول) وعدم هدرها، كما هو حاصل حاليّاً بسبب سوء الإدارة السّياسية، وإرساء قواعد وضوابط علميّة لإنتاج الطاقة واستهلاكها بعد ترشيدها، على أن تبقى ملكيّة الأرض (كما هو الحال) للبطريركيّة التي تعود إليها سلطة الوصاية على كلّ المنشآت... وهكذا تحدّد المناطق

الصناعيّة والمناطق السّياحيّة والسّكنيّة ضمن مخطّط توجيهي خاضع تقنيّاً لشُروط لجهاز التنظيم المدني المعمول بها. وإنّنا نقترحُ أن تكون هذه القرى النموذجيّة، ذات طابع سياحيّ، تؤمّن فيها، بالإضافة إلى الأبنية السّكنيّة، الفنادق والمطاعم والحدائق

العامّة ومراكز الأبحاث على اختلاف أنواعها، والمتنزّهات والمستوصفات المجهّزة بسيّارات الإسعاف، والمسارح والمدرجات لاستقبال الحفلات الفنيّة، ودور الثقافة كالمتاحف والمكتبات العامّة أسوةً بما تتمتّع

به مدن وبلدان دول العالم الأوّل، وهكذا تكون ستوديوهات للتصوير التلفزيوني والسّينمائي في الهواء الطّلق! وكلّ هذه المنشآت إنما تتيح فرص العمل المتعدّدة للأكاديميّين وللأيدي العاملة المحليّة وذلك في القطاعات الإنتاجيّة كافّة.

أمّا الأسواق التجاريّة المنظّمة والمدارس والأندية الثقافيّة والرّياضيّة فهي، بطبيعة الحال، ضروريّة لما تقدّمه من مردود ماديّ ومعنويّ على سكّان هذه القرى الّذين يبنون منازلهم النموذجيّة على عقارات تقدّمها إليهم البطريركيّة المارونيّة (والرّهبانِيّات) لقاء بَدل إيجار سَنوي رمْزيّ تشجيعيّ زهيد.

أمّا التدابير التقنيّة والقانونيّة ذات الصّلة فهي مرتبطة بحجم المشروع وطريقة توزيع المهام والمسؤوليات وفق برنامج عمل مفصّل تلتزمه طواقم العمل، وبالتالي فهي تدرس في حال المبادرة إلى التنفيذ.

إنّ الغاية هي التي تهمّنا، ولبلوغها لا بدّ من تحديد الوسائل والآليات المناسبة، وخصوصاً الماليّة منها، هي التي تُناقَش ضمن الإطار الإداريّ.

لبنان أرض القداسة والقدّيسين، يجب أن نجعل منه ورشة عمل لا ينقطع، خليّة نحل لا تعرف الكلَل أو الملَل أو الشّلَل.

إن مشروع إنشاء قرى نموذجيّة، في حال وُضع حيّز التّنفيذ بعون الله، لا بدّ من أن يحلّ مشكلات مزمنة ومعقّدة وكثيرة، من أهمّها التخفيف من النّزوح إلى المدن الكبرى إنطلاقاً من المناطق الرّيفيّة والجبليّة النائية حيث لات العمل نادرة، وذلك عبر خلق فرص عمل، كما أسلفتُ، لاسيّما في المجال الزراعيّ ومجال الصناعة الزراعيّة التحويليّة الّتي تقوم على قاعدة استصلاح الأراضي لتكون حقاً وزنات استثماريّة بامتياز... وهذا ما يجذّر الإنسان في أرضه، وهذا من شأنه أن يخفض نسبة التلوّث البيئي الناتج عن كثافة حركة السّير وبالتالي انبعاث الغازات السّامة وعن غيرها من المسبّبات المباشرة وغير المباشرة.

إنّ هذا المشروع العمرانيّ الإبداعيّ الحضاريّ الذي يُساهم في تنشيط دورة الحياة في لبنان على المستويات كافّة هو حقاً حلم لبنانيّ مارونيّ عالميّ!!!

 واللّه وليّ التّوفيق.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment