مبادرة Tourathing تعيد إحياء التراث الزحلي

10/31/2017 - 01:09 AM

Ibcap

 

بقلم: محمد زريق

 

من السهل جداً الحديث عن التراث العالمي وكتابة أجمل الكلمات، ولكن من المستحيل الحديث عن تراث بلدتك لأنهُ خبزك اليومي ويَمُّسُكَ من أعماق أعماقك؛ فبربكَ كيفَ يمكنُ للأم أن تصف ولدها إلا بأجمل الصفات. إنها زحلة "عروس البقاع" التي تغنَّى بها الشعراء وذُرِفت لأجلها الورود في المهرجانات وسَكِرَ الناس محبةً من عناقيد كرومها حتى امتزج الدم الزحلي بترابها وأصبح إبن زحلة مغروساً بأرضِهِ التي امتدت جذورهُ إلى كافة أصقاع العالم. إنها مدينتي ولي الفخر، وأعلمُ جيداً أنَّ كلماتي المتواضعة لن تفي هذه المدينة حقها، ولكن أكتفي بكلمات الشاعر الزحلي سعيد عقل بحق هذه المدينة.

"حنا هلك يا زحّل منموت ما منزّل
يا نهرنا يفرّق عزم وشرف ع الحل

يضحكلنا الريحان وتهابنا الشجعان
وبتقول شانن شان يوم السيوف تهلّ

الطعن عنا عيد ومنقول الله يزيد
يملّ الرمح بالايد والايد ما بتملّ

يا قصرها لعالنهر مجايل بعزّو الدهر
بالحرب غبنا شهر وعدنا عليها نطلّ

وبطرق ع بابك ليل والسيف يقطر ويل
منك؟ عقيد الخيل خوّيا بصدري غلّ"

الوطنية هي غريزة فطرية عند الإنسان فلا يمكنك إلا أن تُكِن مشاعر المحبة لوطنك وبلدتك. ولكن السؤال الأهم، ما هي درجة وعي فئة الشباب اليوم لتراث بلدتهم الثقافي والحضاري والفكري؟ وهل أصبحَ التراث جزءاً من الماضي الغابر المنسي؟

لوهلةٍ كنتُ على قناعةٍ تامة أنَّ الشباب اللبناني عموماً والزحلي خصوصاً قد أبعَدَهُ عصر التكنولوجيا والتواصل عن تراثه وثقافته وأصبحَ غير آبه بهذه المسألة. ولكن اليوم قد تغيرت هذه النظرة إلى حدٍ كبير، فبعدَ مشاركتي في ندوة حوارية عن موضوع التراث الثقافي الزحلي مع مجموعة من الشباب تحت إشراف برنامج Tourathing ثبت لي العكس ولكن مع عتبٍ كبير.

Tourathing هو برنامج يحاول إعادة إحياء التراث الثقافي وتسليط الضوء على القضايا الثقافية الآيلة بالزوال، بالتعاون مع Search for Common Ground وnahnoo وBiladi وarcenciel. يقوم البرنامج بتسليط الضوء على مسألة التراث الثقافي في بكفيا وبيت شباب وصليما والصرفند وطرابلس وزحلة. الفكرة بحد ذاتها مميزة ومبتكرة خصوصاً في بلدٍ كلبنان غارق في ملفات الهدر والفساد والسياسة، فلا مكان للتراث في ملفات وجوارير الدولة.

كم كنتُ سعيداً عند سماع آراء الشباب الذي أثبتَ أنَّ هذا الوطن يستحق الحياة والكرامة، الشباب الزحلي كما غيره من شباب لبنان قد عبَّرَ عن تعلقه بالتراث المحلي ورغبته في المساهمة بالإبقاء على هذا العنصر الوطني الهام وعدم السماح بزواله، كم كنتُ سعيداً بالشباب اللبناني الواعي والمتحسم لخدمة وطنه وبلدته. ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، فتراثنا آيلٌ إلى الزوال بسبب الجشع والفردية في مجتمعنا.

يعتبر ليفي شتراوس أنَّ شعباً بلا لغة هو بمثابة شعب بلا ثقافة، وما بين لغتنا العربية والواقع سنوات ضوئية، فالأطفال اليوم تفضل الحديث باللغات الأجنبية وذلك بداعي العصرية والتقدم، والأبنية الشاهقة أصبحت تكلل مدينة زحلة ويزداد عددها يوماً بعدَ يوم لتُغير معالم هذه المدينة خدمةً للربح المادي. عتبنا ليس على أهالي البلد إنما على هذه الدولة التي تقوم بإهمال ملف الثقافة والتراث وتضعه في آخر سلم اهتماماتها وأولوياتها. ولكنَّ الغصَّة هي أنَّ هذا المشروع مدعوم من دول أجنبية، فشكراً لهم، ولكن كم كانَ جميلاً لو تبنت الدولة اللبنانية مثل هذه المبادرات.

في الخارج مغترب لبناني يحاول التعلق بالثقافة والتراث اللبناني وهو يمثل الوجه الحضاري والمشرق للبنان، فالمغترب اللبناني لا يريد رؤية الأبنية الشاهقة ولا سماع اللهجات المصطنعة ولا حتى أكل البيتزا، إنهُ يأتي إلى لبنان بشوق من أجل رؤية لبنان التراث الجميل الذي رسمهُ حلماً جميلاً في مخيلته.

من هذا المنطلق أقوم بإرسال رسالة إلى الدولة اللبنانية، ممثلة بوزارة الثقافة، أطالبها بإعادة فتح ملف التراث الثقافي اللبناني والعمل عليه بجدية وليس بإستهتار لأنَّ حب الأوطان من الإيمان، وإذا فقدنا تراثنا فقد فقدنا كل شيء .. عندها لن ينفع الندم.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment