الخليج بين الدولار والنفط

10/26/2017 - 20:27 PM

Ibcap

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تعاني دول مجلس التعاون الخليجي من مشكلتين أساسيتين هما ضعف الدولار وانخفاض أسعار برميل النفط. لا شك أن الخلافات السياسية الحادة المعلنة والواضحة تعرقل أيضا عملية التنمية والنهوض الاقتصادي بالرغم من وجود أفكار ممتازة هدفها التنويع تقوم بها كل دولة بمفردها مع ضرورة جمع الجهد للنجاح المستقبلي المشترك. فايرادات الدول الست المعتمدة أساسا وان يكن بنسب مختلفة على النفط انخفضت قيمتها الاسمية كما الحقيقية. يأتي هذا الانخفاض في وقت ترتفع خلاله التحديات السياسية والاجتماعية والمعيشية على أرض الواقع. حسن ادارة التحديات هو في غاية الأهمية وهنالك أمل كبير في الوجوه الجديدة الحالية والمستقبلية والتي من المتوقع أن تحدث نقلة نوعية في الرؤية والتنفيذ لمصلحة الشعوب.

الدولار الاميركي

انخفض الدولار في الأسواق العالمية منذ فترة خاصة مع تولي "دونالد ترامب" رئاسة الولايات المتحدة. انخفاضه يؤثر سلبا على المستوى المعيشي في الدول الخليجية التي تستورد معظم حاجاتها. ما هي أسباب انخفاض الدولار وهل هنالك أمل في تحسنه في المستقبل القريب؟

أولا: تصريحات الرئيس ترامب بأن الدولار مرتفع وبالتالي مضر للصادرات الأميركية فعلت فعلها وسببت عرضا للنقد في الأسواق. لم تتجاوب الصادرات بعد لأن المشكلة الأساسية تكمن في عدم وجود انتاج كاف ونوعي مطلوب في الأسواق الخارجية. الواردات لم تخف بعد لأن الأميركيين اعتادوا على شراء السلع الأجنبية بسبب عاملي النوعية والسعر. تصريحات ترامب نجحت في تخفيض سعر الصرف لكنها لم تنجح بعد في تحسين وضع الميزان التجاري، وهذا ما يفسر قلقه أو غضبه تجاه الخارج.

ثانيا: هنالك عامل مقلق وهو رغبة الرئيس في تغيير حاكمة المصرف المركزي "جانت يللن" عندما تنتهي ولايتها بالرغم من نجاحها في مهماتها. استقالة نائب الرئيس "ستانلي فيشر" المفاجئة كان لها التأثير السلبي الكبير في الأسواق والمعنويات. يريد ترامب رفع الفوائد بسرعة أكبر لضرب المظاهر التضخمية وهذا ما تعارضه "يللن" خوفا من ضرب النمو الهش حتى اليوم. المقلق أكثر أن هنالك 4 مراكز شاغرة في ادارة المصرف من 7 سيملأها الرئيس، مما يعني عمليا أن استقلالية المصرف المركزي مهددة في الواقع. مجرد التفكير في تغيير الادارة يقلق الأسواق ويؤثر سلبا على سعر الصرف. ما يظهر من الرئيس لا يطمئن خاصة في هذه الظروف المتقلبة سياسيا وأمنيا.

ثالثا: هنالك تحسن واضح في النمو الأوروبي والأسيوي، أي أن هذه الاقتصادات أصبحت جاذبة أكثر اليوم وبالتالي تتوجه الأنظار اليها والى نقدها. نمت منطقة اليورو بنسب سنوية قدرها 1,8% في سنة 2016 و 2,1% هذه السنة أي أن أوروبا تجتاز بخطى ثابتة الأزمة الكبيرة التي وقعت فيها. في أسيا يرتفع النمو من 6,4% الى 6,5% هذه السنة مما يشير أيضا الى أن النهوض القوي مستمر ومطمئن. وحدها منطقتنا العربية تعاني، أي انخاض النمو من 5% السنة الماضية الى 2,6% هذه السنة بسبب أسعار النفط مما يشير مجددا الى أهمية التنويع الاقتصادي ليس فقط خليجيا وانما في كل دول المنطقة.

رابعا: هنالك عوامل خارجية مهمة منها تصرفات المصارف المركزية المنافسة وبشكل خاص المصرف المركزي الأوروبي. أعلن رئيس المصرف "ماريو دراغي" أنه يريد تخفيف عمليات شراء الأصول في الأسواق مما يعني أنه يفكر بتخفيف نمو الكتلة النقدية خوفا من ظهور التضخم الذي يترافق عموما مع زيادة النمو. هذه السياسة المعلنة تحسن وضع اليورو في الأسواق، أذ تخفف عرضه وبالتالي تؤثر سلبا على العملات المنافسة وفي طليعتها الدولار.

مجموع هذه العوامل يؤدي الى أسعار صرف تنافسية للدولار لا يظهر أنها ستتغير في القريب المنظور. لذا أن ايرادات الدول الخليجية لن تتحسن بالمعنى الشرائي للكلمة خاصة وأن أسعار النفط لا يظهر أيضا أنها ستتطور ايجابا بالرغم من بعض التحسن مؤخرا. أسعار النفط مرتبطة بالطلب والعرض والاحتياطي المتوافر كما البدائل المتوافرة من نفط صخري ومصادر منافسة للطاقة. كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي بشكل أو آخر الى اقتناع بأن أسعار النفط لن تتحسن كثيرا في المستقبل المنظور.

التنويع والترشيد والخصخصة

ايرادات الدول الخليجية ستبقى متأثرة بهذا الواقع، لكن السياسات المتبعة تشير الى نجاح متوقع في ادارات الدول عبر التنويع والترشيد والخصخصة المقررة في بعض الدول.

أولا: في السعودية، أصبحت رؤية 2030 معروفة عالميا ومضرب مثل للرؤية الواقعية المتكاملة للمستقبل. ستعطي النتائج الايجابية خاصة اذا ركزت في التنفيذ على عاملين أساسيين هما السياحة التي لها أفق كبيرة لكنها تحتاج الى تطوير البنية التحتية. كما ثانيا الخصخصة حيث أن بيع 5% من أسهم "أرامكو" السنة المقبلة مهم جدا مهما كان السعر اذ أن الأسواق المالية متشنجة. الاحتياطي النقدي المتوافر 500 مليار دولار ما زال كبيرا وكافيا لعبور المرحلة الانتقالية بهدؤ ونجاح.

ثانيا: دولة الامارات حيث التنوع واضح وهنالك رغبر عالمية في التوجه اليها للاستثمار والعمل. دبي معروفة عالميا ك"معجزة اقتصادية"، الا أن الامارات الأخرى ناجحة أيضا بأشكال وألوان وخصائص مختلفة. في كل المعايير والمؤشرات العالمية، تأتي دولة الامارات في الطليعة اقليميا ومتقدمة أيضا دوليا وهذا يعود الى الاستقرار المزمن والمطمئن داخليا وللخارج أيضا. اقتصاد ناجح ومن المتوقع أن يبقى ناجحا بفضل الرؤية والتنوع وحسن الضيافة والاستقبال.

ثالثا: دولة قطر التي تواجه تحديات كبرى منذ 5 حزيران في السياسة والاقتصاد ولا بد من ايجاد الحلول المناسبة للنجاح المشترك اقليميا. خفضت احتياطها النقدي البالغ 33 مليار دولار لمواجهة التحديات الاقتصادية. هنالك خروج للأموال بسبب القلق وتوافر فرص استثمارية مناسبة في الخارج. هنالك انخفاض في الحركة التجارية، كما أن بعض الأسعار ارتفع في الداخل بسبب انخقاض العرض وارتفاع تكلفة النقل والتمويل. هنالك انخفاض واضح في الاستثمارات الجديدة وفي الزيارات. لكن تحرير بعض القيود على السفر يعدل بعض الشيء. ليس هنالك قلق على المستقبل الاقتصادي للدولة لأن المشكلة هي سياسية، وبالتالي يمكن أن يأتي الحل في ساعات وتعود الأمور الى مجاريها.

رابعا: الكويت حيث وضعت رؤية 2035 التي تهدف الى زيادة الاستثمارات الخارجية المباشرة حوالي 300% وتقوية حصة القطاع الخاص في الناتج من 30% الى 40% قبل سنة 2020. ارتفاع عجز الموازنة من 15,3 مليار دولار في سنة 2015 الى 29 مليار في 2016 يدعو الى المعالجة الجدية التي يظهر أنها بدأت خاصة من ناحية ترشيد الانفاق الاستهلاكي. الانفاق الاستثماري على البنية التحتية يرتفع منها توسيع المطار بحيث يستوعب 3 أضعاف القدرة الحالية. هنالك استثمارات في التعليم والنفط والاستشفاء. رؤية طموحة لدولة تسعى لتحقيق الوفاق في المنطقة.

خامسا: عمان والبحرين حيث يعتبر التنوع داخلها متقدم لكن الاستثمارات الخارجية لم تأت بعد كما هو متوقع. طبعا تأثير الأوضاع الخارجية على الاقتصادين واضح. تقع عمان في المرتبة 66 عالميا من ناحية سهولة الأعمال تبعا للبنك الدولي والبحرين في المرتبة 63 مما يشير الى أن الطاقات المستقبلية واعدة. في مؤشر الشفافية الدولية تأتي عمان في المرتبة 64 والبحرين في المرتبة 70 مما يشير أيضا الى سمعة خارجية جيدة للاقتصادين. في كل حال تبقى المنطقة واحدة والنجاح للجميع في حال أحسنت ادارة الثروات المادية والبشرية.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment