السياسة النقدية والنمو

10/14/2017 - 12:56 PM

Bt

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

 

يعود النمو تدريجيا الى الاقتصاد العالمي مما يشير الى بداية ظروف جديدة ربما تفرض سياسات خلاقة أهمها في الميدان النقديهنالك مشكلة في سؤ توزع الدخل بين الأغنياء والفقراء حيث استفاد الميسورين أكثر بكثير من نمو السنوات العشرة الماضيةفي تقرير صندوق النقد الصادر في تشرين الأول 2017، يقدر الصندوق النمو العالمي هذه السنة ب 3,6% موزعة بين 2,2% في الدول الصناعية و 4,6% في الدول النامية والناشئةتتحسن نسب النمو في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو من 1,5% الى 2,2% في الأولى ومن 1,8% الى 2,1% في الثانية بين سنتي 2016 و 2017.  يرتفع النمو في المجموعة الناشئة والنامية من 4,3% الى 4,6% وهذا يتم طبعا بفضل المجموعة الأسيوية الناشطة في الصين والهند على الأخصانخفاض أسعار النفط قلل من تأثير المنطقة العربية والنفطية في الاقتصاد الدولي مما يفرض عليها تنفيذ سياسات التنويع المكلفة لكن الضرورية.

لا تقتصر التغيرات المهمة في الاقتصاد الدولي على السياسات المعتمدة، انما تصل الى عاملي الانتاجية والتنافسيةالاقتصادان البريطاني والفرنسي مثلا هما متقاربان في الحجم، لكن البريطاني يوظف أكثر عددا بينما العامل الفرنسي منتج أكثركلا الاقتصادان يعتمدان بنسبة 80% على الخدمات، 15% على الصناعة والباقي موزع بين الزراعة والأشغالفي ميزان القوة الشرائية، يعتبر البريطاني التاسع عالميا أمام الاقتصاد الفرنسي الذي يشغل المرتبة العاشرةأما الاقتصادات الأهم فهي الأميركي، الصيني، الياباني، الألماني وثم الهندي، الروسي، الأندونيسي والثامن هو البرازيليمن ناحية الصين، يقيم صندوق النقد الدولي النمو السنوي ب 6,7% لهذه السنة وبمتوقع سنوي قدره 6,4% بين 2018 و 2020.  يتحول الاقتصاد الصيني بسرعة من استثماري الى استهلاكي أي كمنقذ للاقتصاد العالمي وضامن للاستقرار الحالي اذا لم تحدث خضات جديدة خاصة من ناحية المصارف العالمية.

حصل صراع كبير وقوي بل سباق في السنوات الماضية بين المصارف المركزية حول تخفيض الفوائد الى حدود سلبية تشجيعا للاستثمارات ولأن خطر التضخم لم يكن عمليا موجوداقامت المصارف المركزية الأساسية أيضا بشراء السندات والأصول في الأسواق الثانوية لرفع حجم الكتلة النقدية وبالتالي توفير السيولة للطالبينقامت السلطات النقدية باعتماد وسائل اضافية للتشجيع على الاستثمارات خوفا من أن يتحول المستثمرون الى النقد العادي الذي أقله لا يحمل عائدا سلبياارتفع الطلب على النقد بالرغم من خطورة الاحتفاظ به خوفا من الاهتراء أو السرقة أو الحرائق أو التلف العادي الناتج عن الاهمالفي تلك الفترة، بقيت الأجور الحقيقية على ما هي أو تدنت في بعض الأحيان مما أزال الخوف الحقيقي من التضخم وبالتالي استمرت سياسة الفوائد المنخفضة بل السلبية.

من أهم النتائج الاجتماعية لهذه السياسات توسع فجوة الدخل حيث استفاد الأغنياء من هذه السياسات أكثر بكثير من غيرهممنذ الحرب العالمية الثانية وحتى سنة 1980، استفادت الطبقات الوسطى وما دون من السياسات العامة، كما أن العكس يحصل بدأ من 1980 وحتى اليوميريد الرئيس ترامب تغيير المسؤولين عن المصرف المركزي لمنعهم من تغيير سياستهم النقدية، ربما لاعتقاده ان فجوة الدخل ليست واسعة بما فيه الكفاية بعدما العمل؟  تغيير النظام الضرائبي لمصلحة الأميركي العادي، تعزيز التعليم الأساسي، منع الاندماج المؤسساتي حفاظا على المنافسة وحماية العمال من الصرف والانتقام عندما يطالبون بحقوقهم.

لم تكن هذه السياسة النقدية من دون مخاطر اذ شجعت العملاء في الأسواق على الاقتراض وشراء العقارات والشقق بل الأصول عموماارتفعت أسعارها فخلقت فقاعات انفجرت مرارا فيما بعدكما أن احتساب الفوائد على القروض لتخفيض التكليف الضرائبي شجع على الاقتراض الاضافيارتفعت أسعار العقارات مما جعلها أعلى من قدرة الطبقات الوسطى على شرائهالذا خلقت سياسات الفوائد المنخفضة مشكلتان أولهما ارتفاع حجم الاقتراض والديون الى حدود خطرة كما ارتفاع أسعار العقارات مما خلق مشكلة سكنية واجتماعية كبيرة.

تحاول المصارف المركزية رفع الفوائد مجددا خوفا من التضخم ولأن الأسباب التي وضعت من أجلها غابتهنالك مخاطر كبيرة يمكن أن تنتج عن رفع الفوائد خاصة اذا تم بسرعة:

أولا:  ارتفاع الفوائد يجعل من امكانية تسديد القروض الكبيرة الحالية أمرا صعبا مكلفا بل مستحيلا للعديد من الشركات والأفراد.  لذا من الممكن أن تتجدد عندها الأزمات المصرفية التي حصلت في سنة 2008.  من الممكن أيضا أن تحدث مجددا أزمات مالية واقتصادية كبيرة، العالم بغنى عنها.  في كل حال لم تتعاف المصارف كليا بعد وبشكل خاص المصارف الايطالية والاسبانية.  في ايطاليا مثلا أنفقت الحكومة 17 مليار يورو لانقاذ مصرفين كبيرين بالرغم من أن أصولهما لا تبلغ أكثر من 2% من مجموع الأصول المصرفية الايطالية.  السبب هو حماية النظام عبر المصرفين.  لا شك أن تحسن الأوضاع الاقتصادية في ايطاليا سيساهم في معالجة الموضوع المصرفي بشكل أفضل.  كذلك الأمر في اسبانيا عبر حماية مصرفين، علما أن الديون المتعثرة أو الغير قابلة للتحصيل هي أقل بكثير مما هو عليه في ايطاليا.

ثانيا:  منذ الركود الكبير حصلت عمليات دمج مصرفية كبيرة أي أن سقوط أي من المصارف يحدث أزمة كبيرة في الأسواق ليس في دول معينة وانما عالميا.  هنا تكمن التكلفة المرتفعة لأي سقوط تفوق ما حصل سابقا، علما أن من يسدد الفاتورة يبقى دافع الضرائب الذي يعاني معيشيا ولا قدرة له على تحمل الأعباء الايضافية المفروضة عليه.

ثالثا:  من استفاد من السياسات النقدية السابقة هي شركات المال والتكنولوجيا، وبالتالي ستكون أول المتضررين من تغيير هذه السياسات.  حققت هذه الشركات ارتفاعا مدهشا في أجور موظفيها وأرتفعت انتاجيتها، علما أنها غير معروفة بتوظيفها الكبير وبالتالي تؤثر قليلا على البطالة.  لذا تحول الاقتصاد العالمي الى فريقين أولهما غني ومنتج واستفاد من النمو لكنه وفر فرص عمل قليلة، وثانيهما الأكثرية التي لم تدخل اليها التكنولوجيا الرقمية الحديثة فبقيت جامدة ولم تنمو بالنسب المتوقعة.  تبقى التكنولوجيا أساس النمو والغنى في عالمنا اليوم، وهذا ما تشير اليه القيمة السوقية للشركات الأكبر عالميا حيث تشكل شركات التكنولوجيا 70% منها.  تبلغ مثلا القيمة السوقية لشركة "أبل" الف مليار دولار وهذا ما لم تصل اليه أي شركة حتى اليوم.  استمرار "أبل" في التفوق يفرض عليها الاستمرار في التجديد وخلق السلع الجديدة التي تستجيب الى مطالب المستهلكين.  تفوقها يفرض عليها الاستثمار في البحث والتطوير وهذا ما تقوم به حيث أنفقت 8,6 مليار دولار منذ أول السنة على هذا الهدف.

رابعا:  تغيير السياسة النقدية سيؤثر سلبا على شركات التكنولوجيا التي استفادت من الفوائد المنخفضة وستتضرر من رفعها.  نذكر جميعا ما حدث سنة 2000 مع شركات الاتصالات والأنترنت التي سبب سقوطها أضرارا وخسائر في كل الأسواق الاقتصادية والمالية.

بعد 8 سنوات من الازدهار المتواصل للأسواق وهي الفترة الثانية الأطول في التاريخ أي بعد نمو التسعينات، لا أحد يعرف كيف سينتهي الربيع الحالي.  تبقى الأزمات مختلفة في خصائصها، الا أن هنالك أمورا يجب مراقبتها.  بالاضافة الى مستوى الفوائد والتجدد التكنولوجي، هنالك القوانين حيث هنالك رغبة عالمية في فرض تحجيم الشركات الكبيرة كما حصل مع AT&T ومايكوسوفت وغيرهما دعما للمنافسة وتجنبا لوقوع خسائر كبرى في حال تأزمت الأسواق.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment