شروط العودة الى النمو القوي

10/02/2017 - 01:28 AM

Ibcap

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

من مسببات النمو الأساسية ارتفاع الاستثمارات في القطاعات المنتجة بحيث تتعزز الانتاجية وثم التنافسية وتتطور كل المناطق والمدن. لا يكفي الاستثمار وحده للنمو، اذ من الضروري أن تتطور القوانين والمؤسسات العامة بما فيها القضاء لتواكب ما يجري عالميا. العالم يتحرك بقوة وسرعة في كل الاتجاهات، بعضها ايجابي وغيرها سلبي. كي تتطور الانتاجية، لا بد من الاستثمار في رأس المال الانساني كما في البنية التحتية. رأس المال الانساني يعني التعليم والتدريب كما الصحة والغذاء وغيرها. البنية التحتية تفترض ليس فقط صيانة ممتازة ودورية، وانما استثمارات جديدة في الاتصالات والنقل والمطارات والكهرباء وغيرها. ينقص الدول النامية والناشئة جميع هذه الأمور من حيث الكمية وخاصة النوعية. السبب ليس فقط المال وانما الاهمال وانتشار الفساد طبعا.

أسس النمو؟

لم يطور معظم الدول الغربية أسس النمو لديه بدأ من التعليم الابتدائي الى المطارات، وها هي تتأخر اليوم في نموها العام وفي ارتفاع انتاجيتها. بين سنتي 1950 و 1973، ارتفع الناتج المحلي الفردي الحقيقي سنويا 2,5% في الولايات المتحدة و 4% في أوروبا ال 15. في السنوات العشر الأخيرة، انحدرت هذه النسب الى 1% في كل من المجموعتين أي انخفاض كبير يؤثر على المادة كما على المعنويات وثم الخيارات السياسية التي شهدنا فيها تطرفا لم نعتاد عليه منذ عقود. في مستوى الانتاجية، أي نمو الناتج الحقيقي لكل ساعة عمل، ارتفع في فترة 1950 – 1973 سنويا بمعدل 2,6% في الولايات المتحدة و 4,9% في أوروبا الـ 15. مؤخرا انخفضت هذه الأرقام تباعا الى 1,4% و 0,8% مما يشير الى سوء السياسات التي اعتمدت على مدى عقود. لا يمكن للانحدار المتدرج والمتواصل أن يحصل تلقائيا، بل نتيجة اهمال كبير يتكلم عنه الرئيس "ترامب" دوريا. في أحدى خطبه، قال ترامب أن من يزور المطارات في الدول الخليجية العربية يلاحظ بوضوح حجم التأخر والاهمال الذين لحقا بالمطارات الأميركية حتى الكبرى منها. يطالب بأميركا أولا ليس في السياسة فقط وانما خاصة في البنية التحتية وتطويرها وفي التعليم والانتاج التي تؤثر جميعها على النمو الاقتصادي العام.

ما هي الأوضاع الاستثمارية في الدول النامية والناشئة؟ ما هو الواقع وما هو المطلوب للتطور؟

الحاجات كبيرة لكن الامكانيات دائما محدودة

أولا: انحدر نمو الاستثمارات فيها منذ سنة 2010 من 10,2% حتى 3,4% في سنة 2015. أثر حتما على النمو ومستوى المعيشة كما على الاستقرار فيها. المطلوب ليس فقط زيادة قيمة الاستثمارات انما فعاليتها بحيث تؤثر على الانسان والمادة. المطلوب أن تذهب الاستثمارات الى القطاعات التي تستوعب اليد العاملة، وليس الى المضاربات العقارية والمالية.

ثانيا: يجب معالجة محتوى الموازنات خاصة الانفاق المالي بحيث ترتفع الفعالية أي ينفق على التطور وليس على الهدر والفساد. هنالك ضروروة لمراجعة هيكلية الانفاق العام كما التركيبة الضرائبية. من غير الممكن النجاح في الموضوع المالي العام من دون ضرب الفساد ومعاقبة الفاسدين وهنالك تقصير في هذه الدول بينها لبنان من هذه الناحية.

ثالثا: تسهيل وصول الاستثمارات الخاصة. هنالك مؤشر مهم حول سهولة الأعمال يضعه البنك الدولي سنويا ويشير الى النواقص التي تختلف من دولة الى أخرى. هنالك ورش عمل يجب أن تتم في كل الدول النامية والناشئة للوصول الى شاطئ الآمان. مما يشكو القطاع الخاص عموما؟ من الاجراءات الادارية والثقل الضرائبي وانتشار الفساد والضبابية وسوء المعاملة وعدم فعالية البنية التحتية وغيرها. هذه أمور تزعج قطاع الأعمال ومعالجتها ممكنة اذا توافرت النيات والمصالح والوعي.

رابعا: هنالك ضرورة لتطوير المناخ الاستثماري في الدول النامية والناشئة. المواضيع الأمنية ضرورية وتشكل الغطاء للعمل لكنها غير كافية. هنالك منافسة قوية وكبيرة بين الدول لجذب الاستثمارات. اصلاح المؤسسات وتطوير القوانين وحسن معاملة المستثمرين وتشجيع المبدعين والمخترعين أساسي للتطور والتقدم. من ضمنها تدخل أيضا سياسات الانفتاح التجاري والمالي وحسن استقبال المهاجرين الشرعيين خاصة أصحاب الكفاءات. احترام الانسان وحقوق العامل يدخل ضمن العوامل الجاذبة للاستثمارات.

خامسا: تطوير المناطق داخل الدول أساسي، أي تنمية الريف والقطاع الزراعي. يجب تسهيل الاتصالات والنقل وكافة ركائز البنية التحتية بالاضافة الى البنية الداعمة للانسان من تعليم وصحة وغيرها. يجهل أحيانا البعض أن المواضيع والحاجات تتكامل ولن تنجح الدول اذا لم تعالج هذه الأمور مجتمعة ولو أخذت وقتا أطول.

من القطاعات الأساسية المؤثرة ايجابا على النمو والتنمية هو النقل حيث انخفضت التكلفة عالميا بشكل كبير نتيجة تطور التكنولوجيا واصلاح البنية التحتية. فقط 3% من الناتج المحلي الأميركي يعود الى النقل بسبب تدني التكلفة وارتفاع السرعة والفعالية. يؤثر النقل على التجارة ليس فقط في الحجم وانما في الاتجاه. لم يقتل النقل المسافات كما قال البعض انما صغرها الى حدود كبيرة. عدل النقل نوعية السلع التي يتم تبادلها بحيث ارتفت تجارة أقسام السلع ضمن مجموعات جغرافية قريبة تتكون فيها السلعة النهائية. هنالك سلسلة أقسام أي مجموعة منتجة في دول مختلفة تتجمع في موقع ما. تطور النقل وانحدار التكلفة غيرا الجغرافيا الاقتصادية العالمية وقربا المناطق والقارات.

حجم الاستثمارات؟

ان حجم الاستثمارات في النقل كبير جدا وربما هو من أكبر الاستثمارات في البنية التحتية. هنالك صعوبة تكمن في تقييم الفوائد من استثمارات النقل، مثلا الوقت الذي نوفر بسبب استعمالنا لوسائل النقل الحديثة كما للبنية التحتية الجديدة. الوقت الضائع في الانتقال من مكان الى آخر بالاضافة الى المخاطر والتكلفة كلها خسائر كبيرة اذا تم تقييمها خلال سنة مثلا. التحسن في قطاع النقل يؤثر بشكل كبير على نوعية الحياة والعمر المرتقب.

التأثير على البيئة كبير وبالتالي تطوير النقل هو استثمار في بيئة وصحة الانسان والأجيال القادمة. مشكلة الاستثمارات في النقل أنها تكلف الكثير ولا تظهر فوائدها الا بعد سنوات، أي لا يستفيد منها سياسيا من يقررها بل الاجيال المقبلة وسياسيو المستقبل. السياسيون عموما يفضلون أن يستفيدوا من أعمالهم، أي هنالك للأسف قصر نظر عند العديد من المسؤولين.

مصادر وطرق التمويل؟

سياسات النقل معقدة أيضا ليس فقط في استثماراتها وانما في طرق وتكلفة صيانتها واستعمالها. أين هي حصة المواطن المباشرة وحصة البلديات وثم السلطة المركزية؟ يحصل دائما خلاف حول الجهات المسؤولة ومصادر وطرق التمويل. يجب وضع صناديق مالية لتطوير البنية التحتية، وهذا ما تهمله الحكومات لأن الفوائد تأتي عموما عندما يذهب المسؤولون الحاليون. هنالك أيضا علاقة دورية قوية بين النقل والنمو، أي هل يسبب النقل النمو أم أن النمو يفسح المجال لمزيد من الاستثمارات في النقل؟ هذه العلاقة الفاضلة مهمة لكن يصعب خرقها أحيانا لمعرفة كيفية تحفيزها وفي أي مكان داخلها. تشير الدراسات الدولية، أهمها في الصين والبرازيل والعديد من الدول الأفريقية، الى وجود علاقة ايجابية قوية بين الاستثمار في النقل والدخل الفردي خاصة في المناطق النامية حيث تظهر الفوائد بقوة ووضوح. لا وجود لأي مبرر منطقي يعيق الاستثمار في كل جوانب قطاع النقل وهذا ما تفهمه الدول الخليجية جيدا وتقوم به حتى في هذه الظروف الانتقالية الدقيقة.

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment