الفاتيكان يحمِّل زعماء المسيحيين في لبنان مسؤولية الفراغ الرئاسي

10/27/2015 - 13:17 PM

 

كتبت ميشلين أبي سلوم*

الذين يتواصلون مع الدوائر الفاتيكانية بدأوا يشعرون بأن البابا فرنسيس بات على حافة اليأس من الزعماء المسيحيين في لبنان، والموارنة تحديداً. فبعض هؤلاء يُظهِر نقصاً حاداً في الشعور بالمسؤولية في ظرف تاريخي يمرّ به مسيحيو لبنان والشرق. وعلى رغم التحذيرات التي وجهها إليهم الكرسي الرسولي، فإن شيئاً لم يتغيَّر.

ويقول المواكبون للوساطات الجارية، على الصعيد المسيحي، في الأيام الأخيرة إن هناك حلحلة ظهرت لدى ثلاثة من المرشحين الأقطاب للرئاسة: الدكتور سمير جعجع أبلغ الوسطاء أنه يدعم مرشح التوافق، وكذلك الرئيس امين الجميل، وحتى النائب سليمان فرنجيه يبدو مستعداً للقبول بتوافقي، إذا لمس ابتعاد الحظّ عنه هذه المرّة. لكن العقدة المستمرة تبقى عند العماد ميشال عون.

عون ونظرية الرئيس القوي

ويروي بعض الذين ذهبوا إلى العماد عون في الرابية، قبل أيام، أنهم نقلوا إليه مجدداً رغبة بكركي والفاتيكان في ضرورة أن يتخلّى عن صفة المرشح، في غياب الفرصة لبلوغ موقع الرئاسة، وأن يتحوَّل إلى موقع الناخب القوي، فهذا أضمن للمسيحيين الذين يخسرون تدريجاً موقع الرئاسة بسبب التصارع الماروني عليه.

وكان ردّ الجنرال حازماً: لقد أوقعوني في الفخّ في الدوحة عام 2008، ورضخت لخيار الرئيس التوافقي بعدما مارسوا عليَّ الضغوط وأقنعوني بعدم عرقلة التسوية. واليوم، يكرِّرون المحاولة. لكنني هذه المرّة لن أتراجع أياً كانت الظروف. وفي رأي عون أن الأفضل للفاتيكان وبكركي، إذا كانا حريصين على استمرار المسيحيين في لبنان، أن يدعما المرشح المسيحي القوي الذي يعيد التوازن إلى التركيبة اللبنانية، وليس الانجرار إلى خيار الرئيس المسيحي الضعيف، الذي يصبح دمية في أيدي الآخرين. وفي النقاش مع عون، سأله البعض: ولكن، إذا لم يتأمَّن التوافق الوطني حول المرشح المسيحي القوي تمثيلياً، أي أحد المرشحين الأقطاب الأربعة، ألن يكون الفراغ الرئاسي، الذي لا سقف زمنياً له، أشدّ خطراً على وضع المسيحيين من الرئيس التوافقي؟

فأجاب: لا. الفراغ أفضل من الرئيس الضعيف. وفي أي حال، إذا توافرت النية الحقيقية عند القوى المسيحية جميعاً لانتخاب واحدٍ منّا، نحن الأقطاب الأربعة الأكثر تمثيلاً للمسيحيين، فإن وصوله إلى بعبدا سيكون مضموناً. وعندئذٍ، توجَّه ضيوف الجنرال إليه بالسؤال: هل مِن أحد المرشحين الأربعة مستعد للانسحاب لمصلحة الآخر؟ وتالياً، هل أنتَ مستعدٌّ للانسحاب لمصلحة أي منهم؟ هنا صمت الجنرال ثم قال: الأكثر تمثيلاً له الأولوية. وعلى الآخرين أن ينسحبوا له. وأنا الأكثر تمثيلاً!

وهكذا، خرج العديد من سعاة الخير من دارة العماد عون في الرابية وهم يفكِّرون بقصة البيضة والدجاجة. أيهما أولاً؟ فهي مثالية لوصف الوضع المسيحي.

البطريرك الماروني صامت

لذلك، يصمت البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في هذه الأيام. وربما تكون هذه المرحلة هي الأطول صمتاً له في الملف الرئاسي. فقد أحرق كل الأوراق واستنفد كل المساعي والوساطات والضغوط، ولكن من دون نتيجة. وقبل فترة وجّه رسالة إلى عون يدعوه فيها إلى تسهيل انتخاب رئيس للجمهورية. وفي مساعيه للتقريب بين المتصارعين الموارنة، وصل البطريرك إلى ما وصل إليه سلفه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير.

في الأشهر الأخيرة، حاول البطريرك الراعي أن يلعب ورقة فرنسا والفاتيكان لإنقاذ الملف الرئاسي من الجمود القاتل، مستفيداً من دينامية خلقها الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة. ولكن فشل الرهان على فرنسا بسبب اهتزاز موقعها في لعبة المفاوضات حول النووي، وبقي الرهان على زيارة البابا الأخيرة لواشنطن.

ويبدو بعض المتابعين للملف، في بيروت، متفائلين في إمكان تجاوز المأزق الرئاسي في غضون الشهرين المقبلين. لكن آخرين يعتقدون أن القوى الإقليمية لم تتخذ قرارها بالإفراج عن الانتخابات الرئاسية.

اللقاء مع أوباما

وتقول المصادر الكنسية المتابعة: عندما عاد البابا من الولايات المتحدة، وجّه الفاتيكان تحذيراً إلى القادة المسيحيين بأن إنقاذ الرئاسة والوضع المسيحي عموماً هو في أيديهم تحديداً، قبل البحث عنه في أماكن أخرى. وهذا يعني، وفق المصادر، أن البابا لم يلمس في واشنطن إشارة حاسمة أو وعداً بإنهاء الفراغ الرئاسي، وأن الزعماء المسيحيين هم المسؤولون أولاً، بمنازعاتهم، عن استمرار الأزمة.

وهناك اقتناع في الفاتيكان، بناء على التقارير والإيضاحات التي تلقاها من سفيره المونسنيور غابريال كاتشيا والدوائر الكنسية اللبنانية، بأن اتفاق المسيحيين في ما بينهم يسهِّل كثيراً إنجاز الانتخابات الرئاسية. فالمسيحيون ما زالوا يمتلكون القدرة على إيصال المرشح الذي يريدونه، ولن يقوم أحد باعتراضهم. ولكن القوى الإقليمية تستفيد حالياً من التناقضات المسيحية لتحقيق مصالحها.

ويستنتج بعض المتابعين أن واشنطن أبلغت الفاتيكان بأنها متحمسة ليستعيد لبنان موقع رئاسة الجمهورية، لكن دورها في هذا المجال ليس حاسماً. والمأزق يكمن في المواقف الإقليمية، وتحديداً في موقف طهران التي تقود المحور السياسي الذي ينتمي إليه العماد عون. وستتواصل واشنطن مع طهران في هذا الملف، لكن للزعماء المسيحيين دوراً أولوياً في تامين انتخاب رئيس.

ويتجنب الفاتيكان أن يكرر المحاولات الفاشلة التي بذلها الفرنسيون مع طهران. فمن الناحية المعنوية، ليس مسموحاً أن يقود الفاتيكان وساطة فاشلة. وفي أي حال، يدرك الكرسي الرسولي أن رصيده في طهران لم يتزعزع بتأثير أي عامل سياسي. وعلى العكس، هناك مسار جيِّد للعلاقة بين الطرفين في السنوات الأخيرة.

ولذلك، يفكر الفاتيكان في إرسال موفد إلى طهران للبحث في الملف الرئاسي. وربما تشمل زيارته السعودية أيضاً. لكنه لن يفعل ذلك إذا لم يجد الظروف مناسبة لإنجاح المبادرة في العواصم الإقليمية، كما في بيروت. وسيكون ذلك وارداً بعد ظهور النتائج التي أسفرت عنها زيارة البابا الأميركية.

ولكن، سواء نجحت الوساطات الإقليمية أم فشلت، فالكرسي الرسولي يشعر بالأسى لكون الواقع المسيحي في لبنان محكوماً بالانقسامات، وبدلاً من أن يضطلع المسيحيون بدور إيجابي في الصراع المذهبي، يكفل لهم استمرارهم، هم يتصرفون بشكل يعرضهم ليكونوا فرق عملة بين المتنازعين.

وباتت الدوائر الفاتيكانية على اقتناع بأن حلَّ مشكلة المسيحيين في لبنان هو في أيديهم أولاً، وقبل أي كان، وأن عليهم أن يتخلوا عن الأنانيات الصغيرة ويقوموا بإنقاذ أنفسهم قبل الذهاب إلى الآخرين وطلب الوساطات والتدخلات.

وفي الخلاصة، تقول المصادر، بلغ الفاتيكان حدود اليأس من الزعماء المسيحيين في لبنان. لكنه لم ييأس من قضية المسيحيين في لبنان والشرق، لأن اليأس ليس صفة مسيحية في المطلق. ولذلك، لن يسحب البابا فرنسيس يده من الملف المسيحي في لبنان، وهو ماضٍ في حراكه مع القوى المعنية دولياً وإقليمياً للوصول إلى تسوية لملف الرئاسة.

التقرير الأسود

سادت تساؤلات في الأوساط الكنسية اللبنانية في ضوء ما نقلته وكالة الأنباء المركزية عن مصادر سياسية مطلعة، ومفادها أن احد كبار الكرادلة في الفاتيكان المطلّع على الملف اللبناني الكاردينال دومينيك مومبرتي زار بيروت مؤخراًً واجتمع مع البطريرك الراعي والقادة الموارنة وقيادات لبنانية، ورفع على الأثر تقريراً الى البابا فرنسيس بنتائج اجتماعاته واتصالاته في بيروت، أطلقت عليه تسمية التقرير الاسود نسبة لما تضمن من أجواء سوداوية عن أوضاع المسيحيين في لبنان والمنطقة والشغور الرئاسي على مدى اكثر من عام ونصف العام.

ويتضمن التقرير إشارة واضحة الى تغييب دور بكركي وإضعافها على مستوى القرار الوطني المسيحي امام تقدم واضح للقادة الموارنة الذين يتخطونها بسبب غياب الموقف والرؤية والحزم وانحلال العصب المسيحي لدى الزعماء الموزّعي الولاء بين المكونين الطائفيين السني والشيعي وبين المحاور الاقليمية، مما افقد المسيحيين دورهم الفاعل وحضورهم المميز على المستوى الوطني العام.

ويشير التقرير الى ظهور بارز للتطرف الديني والمذهبي في المنطقة واضطهاد المسيحيين لكونهم من الاقليات وتنامي ظاهرة الاعتداء على الكنائس وتحطيم الرموز الدينية وخطف مطارنة وكهنة ورهبان وراهبات، مما شجع المسيحيين على الهجرة. وأضاء التقرير وفق ما تقول المصادر على تداعيات شغور المركز الأعلى للمسيحيين في المنطقة، رئاسة الجمهورية اللبنانية، على اوضاع المسيحيين في لبنان والمحيط.

وبعد أن يصف التقريرالوضع بدقته وتفاصيله لجهة ما يتعرض له المسيحيون وتناقص أعدادهم بما يهدد بفقدان المنطقة ميزة تنوعها في حال غياب مكون الأقليات، وابقائها ضمن دائرة المواجهات، يقدم جملة مقترحات وخطوات عملية للحد من تغييب دور ووجود مسيحيي الشرق، تبدأ بتدعيم وضع الكنيسة المارونية لجهة استعادة دورها وتأثيرها على الشارع المسيحي والقادة السياسيين من خلال تفعيل هذا الدور والعمل السريع على انتخاب رئيس ماروني من نبض الشارع يتمتع بالعصب المسيحي والنظافة والكفاءة، رؤيوي من خارج الاصطفافات السياسية ونادي القادة الاربعة، رئيس مقبول من الجميع قادر على اعادة تثبيت الحضور المسيحي في لبنان وانعكاسه على سائر دول المنطقة، وإزالة حال الاحباط التي تولدت في جانب منها نتيجة العجز عن انتخاب رئيس للبنان.

في معزل عن دقة التفاصيل في التقارير، فإن المؤكد هو وجود نقمة فاتيكانية متنامية إزاء الزعماء المسيحيين في لبنان، وربما يلعب الفاتيكان اليوم آخر أوراقه في ملف الرئاسة. وبعد ذلك، لن يكون أمامه سوى الصمت الذي تلوذ به بكركي.

فهل يحافظ الفاتيكان على صبره في الملف اللبناني، أو يدفعه زعماء الموارنة، وعون خصوصاً، إلى القنوط؟ وهل يبقّ البحصة ذات يوم ويسمي الأشياء بأسمائها أو يكتفي بالتحفُّظ الكهنوتي الشهير؟

* صحافية لبنانية

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment