هل تتكرر الأزمات المصرفية؟

09/19/2017 - 12:38 PM

Bt

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا ننته من أزمة مصرفية حتى نبدأ بأخرى. أكثرية المصارف العالمية تعاني بطريقة أو أخرى منذ أزمة الركود الكبير في سنة 2008. منذ أشهر تشتد الأزمة المصرفية الايطالية، ويظهر أن حلا عمليا بدأ تطبيقه بموافقة المفوضية الأوروبية يفصل الأصول الجيدة لمصرفين كبيرين عن مجموع الأصول ليعالج الخلل في الباقي. هنالك أموال ستدفع من الخزينة لتسديد الخسائر، الا أن حسن ادارة الأصول الجيدة كفيل بتحقيق بعض الأرباح التي تصبح ايرادات عامة. هذا حل أفضل الممكن، وقد اعتمد سابقا في دول عدة منها الولايات المتحدة منذ الثمانينات مع فشل مؤسسات التوفير والقروض. لم تكن التجارب ناجحة انما كانت خيارات مقبولة حددت الخسائر وأعطت الدروس التي للأسف لا يؤخذ بها دائما.

الأنظمة المصرفية في الدول الرأسمالية

تجربة مصرفية سلبية نموذجية لافتة كانت الايسلاندية التي هزت العالم بالرغم من حجم الدولة المتواضع. هي مثال لما حصل وما يمكن أن يحصل في الأنظمة المصرفية في الدول الرأسمالية. هي نموذجية لأن الايسلانديين محافظين في تصرفاتهم، فالثقافة الموجودة والموروثة ليست ثقافة مخاطر. يرغب الايسلانديون في العيش المريح وتحقيق السعادة لهم ولأسرهم دون المخاطرة بالأوضاع. يرغبون في اقتناء منزل قبل سن الأربعين، وهذا مقبول بل راشد ومنطقي.

هنالك تاريخ يشير الى استفادة الايسلانديين من التضخم للمخاطرة. في السبعينات ونتيجة ارتفاع أسعار النفط ولأن الاقتصاد يستورد معظم حاجياته، تحقق التضخم المرتفع أي 43% في سنة 1974 و 59% في سنة 1980. كان الشعار المعتمد: "لماذا لا تقترض وتشتري منزل، وتجعل التضخم يسدد القرض؟". شعار "ذكي" يعتمد على التوقعات التضخمية والمخاطرة المالية. كانت النتيجة محاولة الجميع انفاق ما عندهم بأقصى سرعة ممكنة وتجميع القروض، وهذا ما يحصل في مجتمع تضخمي تخرق ثقافته عدوى المخاطرة والتسرع. الانفاق، بل التبذير، يحرران وهذا ما شعر به الايسلانديون. ثقافة الشعب تغيرت سلبا طبعا، وبسرعة لافتة. هذا التغير الثقافي سبب الأزمات وسرعها وعمقها، الا أن الوقائع اليوم تشير الى عودة الأمور الى سابق عهدها.

تحرير القطاع المصرفي الأميركي

بدأ "ترامب" اليوم تحرير القطاع المصرفي الأميركي بعد التضييق عليه منذ أزمة 2008، مما يشير الى امكانية تكرار هذه الأزمات. دروس الأزمة الايسلاندية لم يؤخذ بها كما قال الكاتب "روجر بويز" عن الموضوع لا قبل أزمة 2008 ولا بعدها. في الحقيقة كان الحكم الايسلاندي ضعيفا وبالتالي تفلتت الأمور من يده مما دفع الجميع وخاصة وأولا المصارف الى اعتماد السياسات الخاطئة المتهورة المرتكزة على الجشع وغياب الكفاءة. ليس صحيحا أن مشاكل الدول الصغيرة هي صغيرة ومشاكل الكبيرة كبيرة. في الحقيقة ايسلاندا دولة صغيرة اقتصاديا وكبيرة في مشاكلها العميقة ودروسها الغنية. الانفتاح الاقتصادي والمالي الايسلاندي، وهذا طبيعي لدولة صغيرة، جعلها ترتبط بقوة بما يحصل على الساحة العالمية. لذا استوردت ايسلاندا كل المشاكل الأميركية دون أي رادع أو حواجز، فتعمقت مشاكلها وتعقدت في غياب القيادات الواعية.

ايسلاندا دولة فريدة ليس فقط في جغرافيتها وفي خصائص سكانها وانما خاصة في أنها الدولة الوحيدة التي تضع دليل الهاتف عبر أبجدية الأسم الأول وليس العائلة. تعتبر ايسلاندا دولة غنية تعتمد على التصدير كما على مصادر ثلاث للثروة. تنتج السمك وتصدر معظمه خاصة الى الولايات المتحدة وكندا، تعتمد على مصادر مائية وحرارية كافية لانتاج الطاقة وبالتالي انتاج معدن الألمينيوم وتصديره وثالثا وبسبب وجود قاعدة أميركية لديها تستفيد هي من المساعدات والخدمات الانمائية التي تؤمنها. في سنة 1991،

ادخال استونيا ولاتفيا وليتوانيا الى هذه المجموعة

تولى "ديفيد أودسون" رئاسة الوزراء وحاول تطوير المصادر الثلاث المذكورة وبالتالي اتكل على القطاع المصرفي لتأمين التمويل للتطور. بدأ الاقراض المتهور في دولة حاولت استعمال المال لتقوية استقلالها وتوسيع نفوذها بدل التركيز على قطاعات أخرى كالصناعة. هذا ليس هو حال ايسلاندا فقط بل يمكن ادخال استونيا ولاتفيا وليتوانيا الى هذه المجموعة الطموحة والمتأثرة جدا بالخارج وخاصة بالصراع القوي بين الولايات المتحدة وروسيا.

قام "ديفيد أودسون" بخصخصة المصارف دون أن تضع الدولة قيود أو قوانين تضبط العمل وتراقب توسع القروض. هنالك مصارف ثلاث ضخمة في دولة من 300 ألف شخص بينهم الثلثين يعتاشون من الأجور، مما يعني ان الاقراض الخارجي هو في غاية الحيوية للاستمرار وتحقيق الأرباح والنمو. كيف تم الاقراض المصرفي؟

أولا: قامت المصارف بالاقتراض من اليابان حيث الفوائد منخفضة للاقراض في ايسلاندا حيث الفوائد مرتفعة. وصل الفارق الى أكثر من 12 نقطة مئوية أي أرباح ضخمة دون أي جهد أو عناء وهذا ليس مقبولا في الاقتصاد. تعتمد الأرباح على بقاء سعر الصرف ثابتا بين الين والكرونا وهذا ما لم يحصل بسبب الأوضاع الاقتصادية الداخلية وبالتالي وقعت الخسائر الكبرى.

ثانيا: قامت المصارف الايسلاندية باقراض المواطنين لشراء المنازل. أقرضتهم 100% من سعر العقار بفوائد منخفضة متكلة على زيادة الأسعار من جراء زيادة الطلب وهذا ما حصل أي فقاعة انفجرت وأخذت معها كل شيء.

ثالثا: حصل الاقراض لشراء الأدوات المالية من أسهم وسندات. ارتفع معدل أسعار الأسهم حوالي 9 مرات خلال سنة بدأ من 2003. قبل سنة 2006، أصبحت الأسر الايسلاندية أغنى بـ 3 مرات على الاٌقل مما كانت عليه في سنة 2003.

رابعا: كان هنالك تضارب مصالح واضح بين مسؤولي المصارف والمراقبين الرسميين التابعين للمصرف المركزي. كان الترابط واضحا وظاهرا في المصالح والاعلام والاعلان، وهذه أبسط مسببات الأزمات المالية. من نتائجها شراء المصارف الوطنية لمصارف أجنبية عبر الاقتراض دون أي دراسة جدية وبالتواطؤ بين الجهات المعنية أي زيادة المخاطر وسرقة مصالح وحقوق أصحاب الأسهم والسندات. قام المراقبون الرسميون بطمأنة الرأي العام أي غشهم، مما يدل على وجود جرائم لم يحاسب عليها المسؤولون وبالتالي تكررت في دول أخرى.

خامسا: قام المصرف المركزي برفع الفوائد على الكرونا لضرب التضخم والحفاظ على سعر النقد الوطني. ارتفعت الفوائد من 5,3% في سنة 2003 الى 15,25% في سنة 2007 أي ارتفعت تكلفة الاقتراض على الشركات والاستثمارات. لذا قامت المصارف المخصخصة باعطاء منح للموظفين الذين ينجحون في زيادة الاقراض حتى لو حصل بالنقد الأجنبي. نتج ارتفاع في البورصة وفي الأسعار وبالتالي أزمة. فقد المصرف المركزي السيطرة على السوق.

لماذا وقعت الكارثة بالرغم من التنبيه المتكرر للمخاطر المصرفية الكبيرة؟ أسواء الأمور هو تجاهل المسؤولين للواقع وبالتالي انكارهم أن الأزمة واقعة حتما مما عمقها عندما بدأت. الاقتصادي "ستيغليتز" نبه مرارا الى المخاطر التي تتعرض لها الاقتصادات الصغيرة المنفتحة عندما تحصل أزمات عالمية. تحقق التضخم وبالتالي أصبح الاقتراض بالنقد الوطني مطلوبا كثيرا. انخفض النقد وأصبحت قيمة القروض الحقيقية متدنية جدا. قامت المصارف بربط القروض الجديدة بمؤشر التضخم لحماية نفسها مما عقد الأمور ورفع المخاطر وزاد احتمال وقوع الأزمة في ظل الرغبة المرتفعة للاقتراض لتحقيق الغنى المادي الكبير والسريع. كل الأصول التي حققتها المصارف أصبحت في خطر وبالتالي تحولت معها ايسلاندا الى دولة فاشلة.

كيف يمكن وصف الوضع الايسلاني اليوم؟ عودة النمو الى حدود 4% والبطالة الى 4% مع تضخم في حدود 2%. الموازنة متوازنة وميزان الحساب الجاري فائض مع ارتفاع الاحتياطي النقدي الى 5 مليارات دولار. هل يمكن التأكد أن الأمور لن تعود مجددا الى الوراء؟ نأمل ذلك.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment