العراق والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط

09/10/2017 - 12:02 PM

Bt adv

 

الدكتور مهند العزاوي*

اصبح من الصعب النظر الى لوحة الشرق الأوسط بذات المدخلات نظرا للتحولات والتغيرات الجيوسياسية والاحداث الدراماتيكية الفاعلة والمتفاعلة في محاوره الجيوسياسية المتصدعة، لاسيما الحروب المتعددة بطابعها المركب فضلا عن الخلافات السياسية التي افضت الى تحولات ومحاور جديدة تختلف كليا عن المدخلات والمعايير السابقة، مما يجعلنا ان نفكر وبجدية في الواقع السياسي والحربي الحالي المتدهور وما سينتج عنه من وقائع سياسية جديدة مختلفة كليا عما كانت عليه بالسابق، في ظل صراع الارادات للدول الكبرى واتفاق وتناحر الفاعلين الاقليمين، وتنوع الأدوات الحربية والاتفاقات التكتيكة المتصارعة في مسرح الحرب.

صراع الارادات

يشكل العالم العربي المحور الأساسي لعجلة الصراع بين الدول المتمركزة لاسيما الولايات المتحدة الامريكية التي تحاول العودة بعد الانعطاف المكلفة في عهد أوباما فضلا عن سياسة الوصول الخشن لروسيا الاتحادية والتأثير المباشر في مسرح سوريا الذي يعد مسرح مهم رباعي الابعاد يتسق بالمحاكاة الجيوستراتيجية لكل من تركيا وايران وإسرائيل ومصر بعد ان كان العراق العنصر الرابع في المحافظة على توازن المنطقة, وقد خرج منها بالفعل بعد التمدد الإقليمي والتدخل الدولي الذكي وفق سياسة تقاطع المصالح وتنافر الأهداف وأيضا اصبح من الصعب تجاهل دور بريطانيا ذات الإرث التاريخي في المنطقة، والاتحاد الأوربي الذي يعد المتوسط ومابعده مجاله الحيوي، كل هذه القوى تعمل وفق سياسة المصالح المنفردة لكل دولة بعد انتهاء صلاحية النظام الدولي وبروز عالم متعدد الأقطاب، ومتنوع في تحالف الاضداد بعد ان غادر تحالفات التوافقات السابقة، وهنا يبرز دور الكبار بشكل مباشر فضلا عن الفاعلين الإقليميين الذين يمسكون بزمام التأثير المباشر من خلال القوة الخشنة والناعمة وعمليات الحركة التي تغيير التراكم السياسي والتاريخي لهذه المناطق بغية رسم مسارات نفوذ فاعلة تتخطى الجغرافية السياسية والعسكرية السابقة لتصل الى التوسع الواقعي الذي يحول الدول الإقليمية الى امبراطوريات حاكمة على حساب الجغرافيا السياسية العربية .

تداعيات ملئ الفراغ

المجال الحيوي أول من فكر بهذه الطريقة ( التمدد في الجوار السياسي ) هي ألمانيا زمن حكم النازية إبّان قوتها لتأمين النمو لاقتصادها يلزمها التوسع في أراضي الدول المجاورة لها لتأمين المواد الأولية اللازمة لاقتصادها لبناء الأمة الألمانية, وضمن هذه النظرية لا يوجد حدود لهذه الأطماع بل حدودها يتناسب طردياً مع نموها الاقتصادي والعسكري، بهذه العقلية دخلت ألمانيا في حربها العالمية الأولى والثانية مع أغلب دول العالم وتسببت بدمار العالم وبخسائر بشريةٍ لا تعد ولا تحصى وتوقف الاقتصاد ودمرت المصانع وسرح العمال وانتشرت المجاعات والأوبئة والأمراض، ونستطيع القول بأن العمل بنظرية المجال الحيوي دمرت العالم وأعادته إلى الخلف مئات السنوات, وهنا نجسد ما يحصل في الإقليم العربي والتمدد الإقليمي ويكاد يكون مشابه تماما لما فعله الالمان حينذاك، فان التمدد الإقليمي المصرح والمدعوم دوليا في المشرق العربي قد غير من الحدود السياسية واوقف النمو الاقتصادي لكل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، وقد سبب هذ التمدد الاستنزاف الواقعي للديموغرافية العربية ومجتمعاتها المسالمة خصوصا في العراق وسوريا ، وقد جرى عسكرة المجتمعات بشكل طائفي وعشائري سياسي ومسلح لتحقيق مشروع التمدد وفق رايات ومسميات مزيفة، وبات من الواضح لم يعد هناك صناعة ولا زراعة ولا تنمية مجتمعية في هذه الدول، لان هذه المجتمعات أصبحت وقود لحرب التمدد الإقليمي الذي سينتهي يوما ما بنتائج مروعة، لاسيما ان العنصر الأساسي في سياسات الدفاع والردع هو (القوة ) وان القوة اليوم أصبحت ذات أوجه متعددة لا تخضع للدولة الوطنية وامنها القومي وفق معايير العولمة وخصة الحرب، ولعل الملفت للنظر التجانس والتوائم بين الدول الكبرى والفاعلين الإقليميين، وكما يبدوا ان إدارة الصراع يقع على الكبار وتنفيذ الارادات على الفاعلين، لم يأبه العالم بالظواهر والأزمات والكوارث الناتجة من هذا التغيير بالأدوات الخشنة والقوة الناعمة ان ضحيته شعوب دول المسرح الحربي كالعراق وسوريا الي تعاني وستعاني من أزمات ارتدادية مجتمعية وثقافية وإنسانية متعددة 

ان من أسس الصراع حيازة القوة الوطنية وتحقيق الردع المتبادل، وان التنوع في الموارد الحربية المتعددة الجنسيات العاملة في مسرحي العراق وسوريا يجعل الدول فاقدة لهذا المبدأ وترتهن للأذرع المسلحة ، نعم انها معادلة معقدة وستنتج عنها اثار ارتدادية لاحقا خصوصا ان التغول في دول ذات ثقافات وعقائد مختلفة لا تستجيب للتغير القسري بالقوة كما يحصل الان، ولايمكن للبرامج السطحية التي تنفذها المؤسسات الدولية والمنظمات العاملة لشرائح محدودة في مناخ الحرب المركبة ان تأتي بالنفع لاسيما الاختلاف المحوري في عناصر البيئة ومرتكزات المناخ السياسي الهش والمتصدع وبات من الواضح ان سياسة ملئ الفراغ قد افضت الى واقع جديد مثقل بالتداعيات .

العراق ما بعد داعش

يتوقع البعض ان الصراع الحالي سيفضي الى تقسيم العراق الى دويلات بما يشابه تقسيم يوغسلافيا، نظرا للتداعيات الحالية وإعلان إقليم كردستان الانفصال عبر الاستفتاء المزمع اجرائه في 25 أيلول هذا العام وشكل الانقسام الذي رسخته سياسة الأحزاب في المجتمع، وبالرغم من ان التصريحات تشير الى رغبة الفاعلين الدوليين والاقليميين الى بقاء العراق موحد، الا ان الواقع السياسي يشير لغير ذلك فان العراق يعاني من أزمات وظواهر مركبة ومتعددة قد تقود لهذه الفكرة، وفي مناخ الحرب على الإرهاب لا تبرز هذه التداعيات نظرا لأسبقية التهديد وأولوية المعالجة، ويمكن لو طبق مذهب الحوكمة الاستراتيجي على اليات إعادة نهضة العراق يمكن ان يستعيد العراق ما فقده خلال أعوام وينهي ظاهرة الإرهاب والفساد والتحول الى التنمية والبناء، لان الفساد العامل الرئيس والازمة المحورية التي تهدد العراق وأصبحت خطيرة للغاية ومنظوماتها العاملة كبيرة تنخر مؤسسات الدولة وتستنزف المال العام والثروات لصالح الفاسدين على حساب الشعب والدولة.

يتطلب في العراق ما بعد داعش إعادة النظر بشكل جدي في دور وشكل النظام السياسي والتشريعات والاليات المعتمدة في رسم السياسات والاستراتيجيات، فضلا عن إعادة هيبة الدولة وقواتها المسلحة وحصر السلاح بيد الدولة للقضاء على الظواهر المسلحة والإرهاب، ولابد من التحول الى إعادة الاعمار والتنمية والنهضة من جديد، ولايمكن تحميل العراق فاتورة الحروب المشتعلة بالجوار، ليس مستحيلا نهضة ووحدة العراق في ظل التحديات المركبة والارتدادات المتوقعة ان جرى التحول الى بناء الدولة وحشد الموارد الوطنية بعيدا عن الفساد والافساد المنظم الذي استنزف العراق رأسماله الاجتماعي .

*رئيس مركز صقر للدراسات والبحوث الاستراتيجية

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment