ماذا بقي من الكمالية في تركيا؟

08/21/2017 - 12:14 PM

Bicycle Club

 

الرئبس التركي رجب طيب اردوغان

 

بقلم: محمد زريق *

ما الذي حلَّ بتركيا "السطنة العثمانية" و"جمهورية أتاتورك"؟

تركيا هي ليست دولة عابرة أو لها تأثير ظرفي، فتركيا هي واحدة من أعظم الدول في العالم والتي تعد من أقدم الدول حضارةً وثقافةً، وتعتبر قوة إقليمية لها تأثير مباشر على دول الجوار وعلى السياسة الدولية.

قام السلاجقة بحكمها من ثم المغول إلى أن استلمت السلالة العثمانية الحكم وتم تأسيس الإمبراطورية العثمانية وفي العام 1923 تم إعلان قيام الجمهورية التركية. إن الدولة التركية الحديثة هي جديدة النشأة، فمنذ حوالي المئة عام لم يكن هناك وجود لشيء يسمى الدولة التركية. والدولة التركية الحديثة هي مقرونة برجل اسمه "مصطفى كمال" الملقب بأتاتورك أي "أبو الأتراك".

أتاتورك رجل تركيا القادم من المدرسة العسكرية قام بتغيير جذري للنظام التركي في المجالات السياسية والقانونية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية. وقد دخلت تركيا مرحلة سميت "بالكمالية" نسبة لمصطفى كمال مع توليه الحكم والبدء بالإصلاحات. حاول أتاتورك من خلال سياسته التي اتبعها نقل البلاد من الفلك الشرقي إلى الفلك الغربي والتماهي معه، وقد ظهر ذلك بوضوح من خلال تغيير الحرف التركي من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني وتغيير النظام من نظام ديني إلى علمنة الجمهورية التركية. إضافة إلى إعلان قيام الجمهورية التركية، قام أتاتورك بإلغاء منصب سلطان الدولة العثمانية وجعل أنقرة عاصمة للدولة التركية وإلغاء منصب الخليفة في الدولة العثمانية وجعل يومي السبت والأحد عطلة نهاية الأسبوع كما هو الحال في الدول الغربية وقد قام بإغلاق المدارس الدينية وأعطى المرأة الحق في المشاركة السياسية من خلال التصويت والترشح للإنتخابات وألغى التقويم الهجري ووضع مكانه التوقيت والتقويم الميلادي تماشياً مع النظام الغربي وفرض تغيير أغطية الرأس واللباس (أي عدم السماح باللباس التقليدي والديني وجعله أكثر انفتاحاً)، كما أغلق الأديرة الدينية والنزل الدراويش وأدخل قانون عقوبات جديد على غرار قانون العقوبات الإيطالي وقانون مدني جديد على غرار القانون المدني السويسري وأدرج مبدأ العلمانية في الدستور.

كل ذلك جعل من تركيا دولة حديثة ومواكبة للعصر حالها حال أي دولة غربية. ومع بدء القرن الواحد والعشرين بدأنا نشهد تراخي في تطبيق العلمانية التركية وخصوصاً بعد وصول "رجب طيب أردوغان" إلى الحكم وتثبيته لقواعد جديدة أكثر تحفظاً من تلك التي أرساها أتاتورك. فتركيا التي تنقسم حول نفسها في الكثير من القضايا، يتفق أبناؤها سواء كانوا علمانيين أو إسلاميين على أنهم جميعاً "كماليون"، فالجميع يريد تركيا عضواً في الإتحاد الأوروبي، تركيا دولة عصرية حديثة، متسامحة ومنفتحة على ماضيها وحاضرها، أمة متعلمة فالتعليم شيء مهم جداً لدى الأتراك، لكنهم يختلفون على كيفية تحقيق ذلك.

إن استراتيجية "صفر مشاكل" التي قام بتطبيقها رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو قد نجحت إلى حد ما ولكن مع تغيّر الظروق وتشنج الوضع الداخلي والاقليمي تحول الوضع في تركيا من "صفر مشاكل" إلى "مشاكل متلاحقة وساحة متفجرة". تركيا الأردوغانية التي تريد ضرب الأكراد وتقليم أظفارهم ونزع كل أشكال القوة منهم دون الإعتراف بالوطن القومي الكردي، هي تركيا نفسها التي تتخبط داخياً بعد محاولة الإنقلاب الخطيرة والمدروسة ضد نظام حكم أردوغان والتي تشير الخيوط إلى أن لفتح الله كولن دور وراء تلك المحاولة، ناهيك عن العمليات الإرهابية المتتالية التي تتعرض لها تركيا من وقت لآخر.

لم يقف أردوغان عاجراً أمام كل محاولات التحطيم هذه، إنما رفع النبرة عالياً وأراد أن يعلن نفسه سلطاناً عثمانياً جديداً بنكهة الحداثة، بعد عملية الاستفتاء على توسيع صلاحيات الرئيس. وبالفعل، أصبح أردوغان السلطان العثماني الجديد والرئيس المطلق الصلاحية وأنظاره شاخصة نحو قيادة الأمة الاسلامية. ولكن، هل يمكن لمثل هكذا نظام حكم أن يعيش في عصر الديموقراطية والانفتاح؟ وهل أردوغان قادر على استيعاب كل أطياف الشعب التركي والتسامح مع الماضي الأسود؟

تركيا مصطفى كمال بالتأكيد تختلف كلياً عن تركيا أردوغان الحالية، أردوغان اليوم يحاول إعادة النفحة الإسلامية إليها وجعلها نقطة وصل بين الشرق والغرب، علماً أن لتركيا علاقات طيبة وجيدة مع العرب لعدة أسباب منها الديني والسياسي والثقافي، كذلك تحاول الإبقاء على علاقات جيدة ومتينة مع الغرب فهي عضو في حلف شمال الأطلسي وتسعى للإنضمام إلى الإتحاد الأوروبي.

ولكن العلمانية التي أرساها أتاتورك أصبحت اليوم علمانية كاذبة، وبدأت المؤسسات الدينية تتغلغل داخل تركيا من جديد، وبعدما وحَّد أتاتورك تركيا باتت اليوم مطالبة من قبل الأرمن والأكراد واليونان.

كل ذلك يشير إلى أن تركيا كانت تعيش فترة من الكمالية الحقيقية أما اليوم فالكمالية هي زائفة أو ناقصة.

*  ناشط اجتماعي ومترجم، حائز على ماجستير في العلاقات الدولية وليسانس في الترجمة، ناقد سياسي ومهتم في شؤون السياسة الدولية في منطقة الشرق الأوسط.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment