"ترامبي" في أوروبا؟

08/18/2017 - 08:27 AM

Bt adv

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

فاز "دونالد ترامب" في رئاسة الولايات المتحدة. تقييم الاداء عموما لا يصب في مصلحته وهنالك تحرك لنائب الرئيس للترشح في انتخابات الرئاسة المقبلة علما أن الرئيس ترامب لم يعلن حتى اليوم أنه لن يحاول التجديد لنفسه في 2020. نائب الرئيس يعيش في ظل السلطة الرئاسية ويجب أن يظهر الولاء الدائم للرئيس، وكما يقول الأميركيون "دوره يبدأ عندما يتوقف قلب الرئيس عن النبض". انشاء لجنة باسم نائب الرئيس لجني التبرعات لا يعني بالضرورة ترشحه للرئاسة، انما يشير الى أن الجمهوريين بدأوا منذ اليوم التفكير برئاسة 2020. فالجمهوريون كما الديموقراطيون يعيشون في ظروف صعبة نتيجة الأزمة الكورية والسياسات الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام أهمها في الصحة والهجرة الى آخر الأمور منها العلاقات مع روسيا والصين والمكسيك وفنيزويلا وغيرها.

فوز ترامب من جديد

المدهش المقلق أنه اذا أجريت الانتخابات الرئاسية اليوم بالقانون نفسه، سيفوز ترامب من جديد. هذا يعني أن من انتخبه في المرة السابقة ما زال يؤيده على عكس ما نشهد في دول أخرى كفرنسا حيث تهتز الأرض اليوم تحت ماكرون حقا أو باطلا، الا أن الحقيقة واضحة. قاعدة ترامب الشعبية لم تهتز بعد بالرغم مما يجري في أميركا ودوليا، والأسباب عديدة أهمها عدم رضى الأميركيين عن اداء الحكومات في السنوات العشرين الماضية وبالتالي ما زالت فترة السماح للرئيس ترامب مستمرة وربما تمدد له. مؤيدو ترامب همهم اقتصادي بالرغم من أن البطالة في أميركا وصلت الى ما دون 5% وهذا يعبر ممتاز ليس فقط مقارنة بأوروبا بل حتى مقارنة بالماضي الأميركي الطويل.

استبدال ترامب في سنة 2020

مما يشكو الأميركيون؟ وبالتالي كيف يمكن اصلاح الأمور ليس فقط لاستبدال ترامب في سنة 2020 وانما لتحسين الاوضاع في الداخل وربما تغيير أفكار ودوافع من انتخبه؟ تعاني أميركا من ضعف كبير في الانتاجية أي في نمو البحبوحة والغنى. التغيير الديموغرافي واضح وهو أن الهيكلية السكانية تشيخ كما هنالك انخفاض في عدد القوى العاملة. تسبب هذه الأمور مجتمعة تدني في انتاجية الاقتصاد النابعة من عدد العاملين ومشاركة القوى الشابة في الانتاج. تعاني أميركا من فوارق كبيرة في الدخل حصلت نتيجة السياسات الاقتصادية الممارسة على مدى 3 عقود والتي عززت وضع الأغنياء وأضرت بالفقراء. من هذه السياسات، الفوائد المنخفضة التي خلقت مضاربات وبالتالي فقاعات في أسواق الأسهم والعقارات ما زال يعاني الاقتصاد منها. تدنت حصة العمال في الدخل الوطني 4 نقاط مئوية بين سنتي 2016 و 2000، كما تدنت حصة الطبقات الوسطى الى أدنى مستوى لها منذ 30 سنة أو أكثر. ينتج عن كل ما سبق انخفاض نسب النمو مقارنة بما يجب أن تكون عليه، وهذا أزعج الأميركيين فانتخبوا ترامب رئيسا.

هل الأوضاع مشابهة في أوروبا وبالتالي هل يمكن توقع في فترة قريبة ما انتخاب شبيه بالرئيس ترامب في احدى الدول الرئيسية؟ الشبه ليس فقط في الخطاب لكن أيضا في السياسات والمواقف واللهجة وبالتالي في الاداء؟ تشير الأرقام الى أن فجوة الدخل هي أدنى بكثير في أوروبا مما هي عليه في الولايات المتحدة كما أن معاملة الفقراء والطبقات الوسطى هي أفضل بكثير في أوروبا خاصة في ميداني الصحة والضمانات الاجتماعية. أوضاع الفقراء في أميركا تعيسة ولا يمكن مقارنتها بأوروبا حيث للفقير كرامة أكبر واهتمام رسمي واضح وحقوق مضمونة. ان الانقسام السياسي في أميركا أكبر وأوسع، ومهما بلغ الصراع السياسي في أوروبا فيبقى في هوامش أضيق وأقل مما يمنع حدوث مواجهات كالتي تجري علنا أو في السر في الولايات المتحدة.

السياسات الاقتصادية الأوروبية

ان عموم السياسات الاقتصادية الأوروبية منطقية أكثر كفي التجارة الدولية والضرائب والاجراءات والقوانين. هم الرئيس ترامب اليوم هو مراجعة الاتفاقيات التجارية لأن في اعتقاده أن أميركا تخسر منها دون أن تكون هنالك دلائل واضحة على ذلك. همه تخفيض الضرائب على الميسورين وتخفيف القيود على الأسواق المالية والتي وضعت بعد "الركود الكبير" لتجنب تكرار مثل تلك الكوارث. هذا ليس موجودا في أوروبا بالاضافة الى أن الدول الأوروبية تتعافى تدريجيا من مشاكلها الكبيرة وتتحسن تنافسيتها لكن نسب النمو ما زالت منخفضة والبطالة مرتفعة نسبيا بالاضافة الى ارتفاع نسبة الدين العام من الناتج في العديد من الدول. تحتاج أوروبا الى العديد من الصلاحات كي تخف الفوارق بين الدول وتتعزز المؤسسات المشتركة ليس فقط في الصلاحيات وانما في الموازنات أيضا. هذا صحيح، لكن أوضاعها الحالية بالرغم مما سبق لا يمكن أن تؤدي الى انتخاب شبيه بالرئيس الأميركي.

احتياجات اميركية

ما الذي تحتاج اليه أميركا اليوم ليس فقط لتقارب الوضع الأوروبي، وانما لتحسن ظروف الطبقات الوسطى الأميركية كما سكان الريف والمناطق وكافة الأعراق والأجناس داخلها؟

أولا: في المالية العامة حيث لا بد من تخفيف عجز الموازنة وبالتالي الدين العام وهذا يتطلب جهودا كبرى في تخفيف الانفاق والهدر. من الصعب أن يتحقق ذلك في ظروف المواجهة العسكرية الحالية مع كوريا الشمالية والسياسية مع بقية العالم. من الصعب أن يتحقق في ظل وعود الرئيس بالانفاق على البنية التحتية التي شاخت وهذا ضروري، الا أن التمويل يجب أن يأتي من خارج الموازنة وهنالك طرق عدة معروفة يشارك فيها القطاع الخاص في التمويل والايرادات. ضمن الاطار المالي، الشعب موعود بنظام ضرائبي جديد وباصلاحات عميقة ليس في النسب فقط وانما أيضا في الهيكلية الضرائبية علما أن الخوف يبقى من أن يتم ذلك على حساب الفقراء.

ثانيا: لا بد من الاستمرار في رفع الفوائد اذ أن السياسة النقدية المعتمدة منذ ولاية "ألان غرينسبان" لم تعط الا فقاعات كبيرة في الأسواق ولا بد من تغييرها. الا أن قرار استبدال "جانيت يللين" حاكمة المصرف المركزي بغيرها لا يبشر بالخير ويشير الى أن توجه الادارة الأميركية اليوم ما زال لمصلحة الأغنياء وكبار الشركات والمستثمرين ولا تقبل به يللين.

ثالثا: في التجارة الدولية حيث يخطئ الرئيس أن ما تربحه الدول الأخرى تخسره أميركا. تشير الوقائع منذ الحرب العالمية الثانية الى أن الجميع يربح من التجارة وان يكن بنسب وطرق وأشكال مختلفة تبعا لأوضاع كل دولة. في الاحصائيات ارتفعت التجارة العالمية سنويا ب 3% بين سنتي 2012 و 2015 مقارنة بـ 7% بين 1987 و 2007. من أسباب الانخفاض مؤخرا أن فرص التصدير خفت لأن كل الدول ترغب به، كما أن العرض تعثر لأن الانتاجية عموما لم تنمو بنسب الماضي البعيد. المطلوب تجارة أكثر وليس أقل. المطلوب حمايات أقل وليس أكثر. التخفيف من التجارة يضر بالطبقات الوسطى والفقيرة وليس العكس.

رابعا: مراجعة سياسة الهجرة الأميركية كما يقترحها ترامب تضر بأميركا وهي مبنية على واقع اليوم ولا تنظر الى المستقبل من ناحيتي الانتاجية والازدهار والنمو. من مصلحة أميركا الاستمرار في جذب الأدمغة الذين صنعوا أميركا العظمى وطوروا التكنولوجيا والصناعات. نقل النظام الأسترالي المبني على النقاط يناقض التاريخ الأميركي، علما أن الوضعين الأميركي والأسترالي غير متشابهين على الاطلاق لا في الهيكلية ولا في الانتاج والتنوع والأهداف.

خامسا: النظر أكثر الى الحاجات الاجتماعية وأهمها الصحة حيث رفض "أوباما كير" دون مشروع بديل يؤدي الخدمات نفسها بتكلفة أقل لن يقبله المجلسين التشريعين، وهذا ما ظهر بوضوح منذ أسابيع. هنالك سياسات تساعد العمال على التطور والتدريب ويمكن تمويل بعضها من الموازنة مما يساهم في رفع الانتاجية على المدى البعيد. باختصار سياسات ترامب قصيرة النظر ولا تخدم المستقبل، أي أميركا النوعية والانتاجية والنموذج.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment