عملية نقل الجسد بالكامل إلى رأس إنسان أخر بنظرة قانونية

08/13/2017 - 12:28 PM

The Byke

 

الجزء الأول / تصويب المفاهيم

 

فهيم عبدالاله الشايع

منذُ أكثر من ثلاثة أعوام بدأ الحديث عن عملية نقل رأس من جسم إنسان إلى جسد متوفٍ، وقد حدد جراح الأعصاب سرجيو كنافيرو- إيطالي الجنسية- في نهاية عام 2017 كموعدٍ لإجرائها، إذ سيجري عملية جراحية تتمثل بفصل رأس فاليري سبيريدونوف – 31 عامًا روسي الجنسية – المصاب بمرض في النخاع الشكوي، سبب شللًا كاملًا في جميع عضلات جسمه، وفي الجهة المقابلة سيكون صاحب الجسد متبرعًا بجسده بعد تنفيذ حكم الإعدام فيه بموافقته وموافقة ذويه بعد موته، ليلحق برأس المذكور في أعلاه، والحديث يدور عن بلدين يُمكن أن تجرى في أحدهما هذه العملية، إما الولايات المتحدة أو روسيا.

أمام ما تقدم من معطيات يُمكننا إسقاطها على القواعد القانونية لتصحيح بعض ما يُطرق هنا وهناك بخصوص هذا الشأن، في البدء أود أن أوضح أن جسم الإنسان في حياته، وكذلك جسده بعد موته محمي بمبدأ قانوني " معصومية جسم الإنسان" إذ تكادُ تتفقُ عليه أغلب قوانين بلدان العالم، فلا يجوز أي تدخل على جسم الإنسان سواء بموافقته أو بغيرها، وقد أجيز استثناءً العمل الطبي لمحاولة علاج الإنسان، ومن خلال هذا المنظور وللتقدم الطبي الذي نشهده يوماً بعد يومٍ، قد أجاز المشرعون نقل الأعضاء البشرية لكن ضمن شروط ومحددات، ومن هنا نشأ مصطلح الواهب أو المعطي أو المتبرع، الذي قد وافق في حياته على أن يتبرع بعضو أو أكثر بعد موته، ويجوز التبرع ببعض الأعضاء المحددة أثناء الحياة، كما يوجد بلدان عَدّ مشرعوها أن الموافقة على التبرع هي الأصل وتسجيل موقف الرفض هو الاستثناء، إذ بمجرد حصول الوفاة يُمكن أن يستعان بأعضاء جسد المتوفى.

في المقابل كان هناك المتلقي أو المتبرع له الذي يستقبل هذا العضو، وإسقاطًا على هذه العملية يكون المتبرع هو المدان المحكوم بالإعدام والمتبرع له فاليري سبيريدونوف.

كما يلاحظ المتتبع لقوانين زراعة الأعضاء البشرية أنها تناقش ماهية العضو البشري وضوابط التبرع به وشروط المتبرع والمتبرع له، لكن هذه المناقشة تأتي ضمن مفهوم التبرع بعضو واحد، كعمليات نقل الكلى وغيرها، إلا أننا نجد في هذه العملية أن المتبرع يتبرع بجميع أعضائه دفعة واحد – باستثناء رأسه- والمتبرع له يشارك كرأس فقط، وهذا من وجهة نظر الكاتب ما جعل الأوساط المختلفة تتناقلها على أنها عملية نقل رأس، إلا أنها في الحقيقة القانونية والعلمية هي نقل جسد، إذ لو قدر لهذه العملية النجاح فسنكون أمام شخصية قانونية تعود لـ فاليري سبيريدونوف.

وفي إطلالة سريعة على قانون الولايات المتحدة الأمريكية الخاص بشأن نقل الأعضاء البشرية نجده متوافقًا مع القانون الروسي – في الشأن نفسه - إذ يجب أن تكون عملية نقل العضو البشري مهمة لإنقاذ حياة المنقول اليه، وهذا ما نجده متوفرًا في هذه العملية، وأنه يمثل الأساس القانوني لإجراء هذه العملية وغيرها، والتسأول الذي يحاول الفقه الإجابة عنه منذُ أكثر من قرن تقريبًا، يُكمن في الأساس القانوني للمنقول منه ؟ فإذا كان للمنقول إليه يمثل إنقاذ حياته فما الأساس القانوني المعتمد بالنسبة للمنقول منه؟ ومن خلال ما تقدمه - في بعض الاحيان- جثث المتوفين من أعضاء تسهم في إنقاذ حياة الاخرين، وصعوبة الاستعاضة عن الأعضاء البشرية التالفة كل هذا يجعل من نقل الأعضاء البشرية من جسد المتوفى سببًا مقنعًا للاستمرار في ذلك.

وقد يأخذنا السؤال في هذه العملية عن مكان إقامتها، إذ يرتب الجواب آثارًا قانونية مهمة منها القانون الواجب التطبيق، عند حصول العملية وبعد انتهائها، ويرى الكاتب بعيدًا عن إمكانية إجراء العملية أو تأجيلها، فإنها ستتم في بلد المنقول منه – صاحب الجسد-، إذ تشير بعض المصادر إلى أنه مدان عن جريمة ما بعقوبة الإعدام، ومن المنطقي أن ينفذ حكم الإعدام داخل الاختصاص المكاني للبلد الذي تنتمي إليه المحكمة التي أصدرت هذا الحكم، لكن كل هذا ليس بمشكلة قانونية سواء تم في الولايات المتحدة أم في روسيا، ما يُشكل علينا قانونًا هو الحقيقة العلمية التي تقتضي في هذه العملية أن يتم قطع الحبل الشوكي للطرفين – جسم المتبرع له وجسد المتبرع منه – في لحظة واحدة، كما تخبرنا التقنية الطبية من ناحية علمية نظرية، وجوب أن يتم هذا بعد وفاة المتبرع فورًا، وبناءً على هذا يجب أن يكون تنفيذ حكم الإعدام في صالة العمليات التي ستجرى فيها عملية نقل الجسد، وهذا قانونًا يحتاج إلى تشريع خاص، لأنه في العموم تنفذ أحكام الإعدام في السجون وفي غرفٍ مخصصة لذلك بحضور القاضي المختص وممثلين عن الإدعاء العام وعن الصحة وعن إدارة السجون.

وما يؤكد حديثنا من الزامية وجود تشريع خاص ينظم وقائع هذه العملية خصوصًا بما يتعلق بتنفيذ حكم الإعدام، هو السياسة التشريعية التي يتعامل بها البلدان – الولايات المتحدة وروسيا- من حيث تنفيذ حكم الإعدام والطريقة التي تنفذ بها، ففي أمريكا (19) ولاية لا يوجد بين طيات مواد قوانينها عقوبة الإعدام، أما الولايات الباقية فهي توقفت عن تنفيذ هذه العقوبة، وتحدثنا بعض المصادر عن أخر حكم نفذ لعقوبة الإعدام كان في عام 2014، وبنظرة سريعة على الأحكام المنفذة في السنوات العشر الأخيرة – أي من 2004 إلى 2014-، إذ نفذ 673 من أصل 683 حكم إعدام بطريقة الحقن المميتة، والبقية نفذت عن طريق إطلاق الرصاص، كما نجد أن أخر عقوبة نفذت في روسيا كانت عام 1999 عن طريق إطلاق الرصاص، لذا يجد الكاتب أن جدية الحديث عن قيام عملية مثل هذا النوع بالمعلومات المذكورة في أعلاه، تستوجب صدور تشريع خاص ينظمها وإلا كان الطبيب الجراح والفريق الذي برفقته تحت طائلة المسؤولية القانونية، لكن عن ماذا سيكون مسؤولًا؟ في المقال القادم سنعرض طبيعة هذه المسؤولية وأبعادها القانونية.

* محقق قضائي من العراق

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment