في العجلة السلامة؟

08/02/2017 - 09:43 AM

The Byke

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

في سنة 1845، كان يحتاج الرئيس الأميركي الى 6 أشهر لايصال قراره من واشنطن الى كاليفورنيا. فهل يحتاج اليوم الى أكثر من كسر الثانية؟ في الماضي، كان هنالك نقصا في الابداع والتصور ليس فقط في العدد وانما في العمق أيضا. في الماضي، كان من السهل على القوي اقفال الفرص أمام الشركات الصغيرة خاصة الفردية. أصبح اليوم هذا الشيء مستحيلا بفضل التكنولوجيا وسهولة التمويل وانفتاح المجتمعات على الجديد المسهل للحياة. بين سنتي 1956 و 1981، كانت 24 شركة كمعدل تخرج سنويا من مؤشر Fortune 500.

التكنولوجيا الجديدة والسريعة.

ارتفع الرقم الى 40 بين سنتي 1982 و 2006 نتيجة عدم تأقلم الشركات مع التكنولوجيا الجديدة والسريعة. المطلوب التجدد الدائم حيث يرتفع مستوى القلق كما الانتاجية التي لا ترحم. كيف نفسر اذا صعود شركات ك Uber و Airbnb وغيرها؟ تحدث هذه الشركات ثورة في الأسواق لأنها تراعي مطالب المستهلكين وتقدم لهم الخدمات بوتيرة أسرع وأفضل وأرخص. نحن في "ثورة مستمرة" حقيقية داخل المجتمعات وداخل كل شركة ومنزل.

تغيرت عجلة الحياة، ولم يعد هنالك خيار فيما يخص السرعة. كنا نقول في العجلة الندامة، فهل هذا يصلح اليوم في عالم التكنولوجيا والسرعة والانتاجية. من يأخذ وقته كثيرا قبل اتخاذ القرار، يخسر السباق. ربما يجب أن نعكس المثل ونحدثه لنقول "في العجلة السلامة وفي التأني الندامة". المطلوب العجلة المدروسة مع تخفيف الأخطاء والخسائر الى أقل الممكن. أصبحت السرعة عموما تعني النجاح والتقدم، كما التباطؤ يعني الفشل والخسارة. للبعض في مجتمعاتنا، أصبح الرابط بين الانسان والحاسوب أكبر بل أقوى وأعمق بكثير من الرابط فيما بين البشر. فقدنا في مجتمعاتنا ثقافة الصبر حتى على حساب نوعية الحياة ولذتها. لم تتغير الاقتصادات وحدها، بل تغير الانسان معها.

السرعة والانتاجية بل التنافسية

الثقافة تغيرت منذ عقود باتجاه السرعة والانتاجية بل التنافسية. تغيرت الثقافة ومعها نمط العيش باتجاه السرعة. لا مجال للراحة وانتظار الفرج اذ لا شيء يأتي مجانا. قيل ل"دونالد ترامب" منذ سنوات "هل تؤمن بالحظ؟". أجاب "أؤمن بأن الحظوظ ترتفع عندما نعمل أكثر". هل كان للحظ أي دور في انتخابه رئيسا؟ ربما تلاقي الظروف والأوضاع منحه فرصة لخدمة بلاده على طريقته ومن أعلى مستوى ممكن. في كل حال، لا يمكن للثقافة أن تكون جامدة اذ أن الانسان يتغير والشعوب كذلك تبعا لتطور الأداب والعلوم وبقية التأثيرات الأخرى.

هل تعمل كل المجتمعات بسرعة؟ هل هنالك فارق بين الدول؟ يقول "روبرت كولفيل" في قرائته للموضوع أن الدول الصناعية تعمل بسرعة أكبر حيث أصبحت الانتاجية جزأ من الحياة العادية، بينما تعمل الدول الناشئة وخاصة النامية بسرعة أقل بكثير. هنالك وقائع تشير الى أن المناخ مهم حيث في الحارة تعمل المجتمعات بسرعة أكبر.

هل للسرعة دور في النجاح؟ هل هي المسبب أم النتيجة؟ هل هنالك حلقة فاضلة تربطهما بعضا ببعض؟ كلما كانت الفردية مهمة وهي من خصائص المجتمعات التي تعتمد النظام الرأسمالي كلما كانت السرعة مهمة. في دولنا العربية، ليس للسرعة في العمل والانتاجية أهمية كبرى اذ ما زالت الاتكالية والراحة احدى أهم مزايا مجتمعاتنا مما يؤخرنا اقتصاديا وتنمويا. السرعة غير معتمدة الا في قيادة السيارات للأسف، مما يفسر العدد الكبير لضحايا السير في أكثرية دولنا العربية بالاضافة الى ضعف احترامنا لقوانين السير المعتمدة.

هل من واجب الدول النامية والناشئة تسريع عملها في القطاعين العام والخاص؟ هل تسريع العمل سهل؟ هل يمكن فرض السرعة على المجتمع؟ في الواقع أتت السرعة من المجتمعات الغربية أي عمليا من الولايات المتحدة وأوروبا. يمكننا القول أن السرعة فرضت علينا من المجتمعات المتطورة كجزء من الثقافة المستوردة بكل جوانبها العلمية والأدبية والاجتماعية. لم نرث من المجتمع الغربي فقط الثقافة الاستهلاكية والنشاط المرتكز على الفردية، بل ورثنا أيضا ثقافة السرعة علما اننا لم نطبقها جيدا حتى اليوم.

النمو وعدم اعطاء النتائج الجيدة السريعة

لا شك أن الحياة أصبحت أفضل اليوم مما كانت عليه منذ عقود. لعبت التكنولوجيا دورا كبيرا في تسريع العمل لأن النتائج الجيدة مهمة والكسل والتباطؤ ممنوعان. هذا ما يفسر تأخر بعض الدول في النمو وعدم اعطاء النتائج الجيدة السريعة. لا ضرورة لأن تكون النتائج مميزة ومتقنة وكاملة أو لا تكون، بل نتائج جيدة تكفي في معظم الأحيان. في سنة 1990، 49% من الأوروبيين شعروا أن ضغط الحياة كبير ويرتفع. في سنة 2000، ارتفعت النسبة الى 60% مما يشير الى الضغط النفسي الذي يتعرض له الانسان لغاية تأدية عمله بسرعة وبمستوى جيد. قسم كبير من العاملين اليوم يشكو من وجع الظهر الناتج عن الجلوس كما عن الضغط النفسي الكبير المرافق لتحديات العمل والرغبة في النجاح بل التفوق.

لا شك اذا، أن الحياة أصبحت أسرع وهنالك وقائع مهمة مرتبطة بالواقع الجديد:

أولا: لهذا التغيير فوائد كبيرة أهمها الانتاجية الأعلى وسرعة تحقيق وتنفيذ النتائج. لهذا التغيير تكلفة مهمة مرتبطة بطبيعة الحياة ولذتها. من النتائج السلبية ظهور سلع وخدمات لا تتمتع بالنوعية المطلوبة، بل مضرة أحيانا في الغذاء مثلا. كما أن الحاجة لليد العاملة تخف مما يمكن أن يؤثر سلبا على البطالة. منها أيضا ظهور فنانين ومنتجين وخبراء وسياسيين وغيرهم لا يتمتعون بالصدقية الشعبية. التركيز على السرعة مضر، لكن مقارنة الفوائد بالتكلفة تبقى شخصية. في رأينا الفوائد أكبر بكثير مع ضرورة معالجة الجوانب السلبية كحسن توزع النتائج الجيدة وعدم زيادة الظلم والفجوة ضمن المجتمع.

ثانيا: السباق بين السرعة والتباطؤ يصبح سباقا بين الكبير والصغير، اذ الأسرع يكبر أكثر وبسرعة أكبر. فالأسرع يلغي الأبطئ. كما أن هذا السباق يرفع مخاطر الجودة والنوعية، وتظهر هذه المشكلة في أمور خطيرة كالصحة والطب. هذا يعني أن الخسائر الاجتماعية تظهر بشكل أسرع وأحيانا تكون أخطر ومكلفة أكثر في عصر السرعة. فالسرعة مطلوبة في كل شيء ربما، لكن الأسرع ليس دائما الأفضل. الأهم أن تكون السرعة تحت اشراف الانسان والمجتمع ولا تسيره فيصبح عبدا لها.

ثالثا: اذا قارنا الشركات الجديدة اليوم بالماضي، نرى أن الأولى أصغر وتعمل بوتيرة أسرع وتتخصص عموما بالتكنولوجيا وتكبر بسرعة والأمثلة كبيرة وعديدة في العالم. ثقافة التجدد مهمة جدا ولا يمكن أن تكون بطيئة، بل ما يميزها هي السرعة. فالسرعة في التفكير والتنفيذ والتعديل والتغيير هي المطلوبة. فالتكنولوجيا وطريقة العمل كما أذواق المستهلكين تتغير كلها بسرعة، ولا بد من التأقلم معها في سبيل النجاح. التكنولوجيا الجديدة أسرع وتكلفتها أقل، فمن يجرؤ على تجاهلها؟ جوائز النجاح أصبحت كبيرة جدا وتكلفة الخسارة أصبحت ضئيلة جدا مقارنة بالماضي.

في عالمنا المتغير والمتجدد، لا بد من تنفيذ طرق جديدة في الادارة والقيادة مبنية على مهنية مرتفعة ورؤية كافية وحديثة تدخل التكنولوجيا وترفع الانتاجية. فالسرعة تغير المجتمعات وطرق العمل والحياة حتى في الاستهلاك. في عالمنا العربي، لم نعتمد السرعة بعد مما يفسر تأخرنا في السباق ليس مع الغرب فقط بل مع أسيا وأميركا اللاتينية وحتى مع بعض الدول الأفريقية. كيفما نظرنا في المجتمعات، نرى أن الأمور تتغير ومن لا يفهمها ويتأقلم معها وربما يساهم في تعديلها، يخسر. فالسرعة وليس التسرع تبقى أهم مزايا مجتمعاتنا الحالية ولن تتغير الأمور في المستقبل القريب.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment