أنا بطّلت أفهم

10/23/2015 - 09:09 AM

 د. حاتم عيد خـوري

دُعيت لتقديم محاضرة لمجموعةٍ من السواح الاجانب. تمحورت المحاضرة حول موضوع "العرب في اسرائيل" وأثارت عددا من الاستفسارات ذات الطابع الشخصي، منها سؤال أحدهم : " تُعرّفُ نفسَـك بـأنك مواطن اسرائيلي وبأنك في ذات الوقت ايضا، عربي فلسطيني. فكيف يتناغم هذا مع ذاك، سيما في ظِلّ الصراع الدموي القائم بين الاسرائيليين والفلسطينيين؟". أجبتُه قائلا: "انا فعلا مواطن اسرائيلي لان لديّ الجنسية الاسرائيلية واحملُ جواز السفر الاسرائيلي ولا احمل غيره". ثم تابعت حديثي مستشهدا، في هذا السياق، بالقصة الواقعية التالية:

سمير شابٌ عربي من حيفا يعمل موظفا في فرع محليّ لشركة اجنبية واسعة الانتشار في العالم. اعلنت الشركةُ عن عقد مؤتمر لها في احدى امارات الخليج العربي التي تعتبر نفسها دولة معادية لاسرائيل. قدّم سمير طلبا للمشاركة في المؤتمر، غير أنّ طلبه رُفض لانه يحمل (كما قيل له) جواز سفر اسرائيلي. وعليه، كان سمير واثقا بان احدا من زملائه الخمسة في الفرع، وكلهم يهود اسرائيليون، لن يشارك في المؤتمر. لكنه ما لبث أن عرفَ أنّ جميعهم سيشاركون، لأن كلَّ واحد منهم كان يحمل بالاضافة للجواز الاسرئيلي، جوازَ سفرٍ آخر، منها الانكليزي والامريكي والروماني والبولوني والفرنسي وغيرها...ضحك سمير، ربما على سخرية القدر،  قائلا لزملائه: " يبدو لي باني انا الاسرائيلي الصافي الصحيح الوحيد بينكم".

غير ان هذا الامر، اي كوني مواطنا اسرائيليا، لا يتعارض بأي حالٍ من الاحوال (من وجهة نظري طبعا) مع كوني فلسطينيا. ذلك لاني ولدتُ قبل إقامة دولة اسرائيل بعشر سنوات. أنا لم اولد في الفضاء الخارجي، ولا في عرض المحيط، ولا في فراغ. انا ولدِتُ على بقعة ارض اسمها فلسطين واوراقي الثبوتيه الاولى تحمل عنوان "حكومة فلسطين"، إذن انا فلسطيني بحكم مسقط رأسي فضلا عن كوني ابنا لابوين فلسطينيين ولاجدادٍ واجدادِ اجدادٍ فلسطينيين.

لاحظتُ انَّ احدَ المستمعين كان يتململ في مقعده، ثم ما لبث ان وقف ليسألني: "اذن ما هو الفرق بينكم وبين الفلسطينيين في الضفة الغربية (يهودا والسامرة حسب تعبيره) وقطاع غزة؟".

اجبتُه ببساطةٍ متناهية: "هم يناضلون بالوسائل المتاحة لهم، للتخلّص من نير الاحتلال الاسرائيلي في سبيل إقامة دولتهم المستقلة الى جانب دولة اسرائيل،  بينما نحن نناضل في اطار المساحة القانونية المتاحة لنا، للحصول على حقوقنا الكاملة كمواطنين يريدون ان يكونوا  جزءًا لا يتجزأ  من دولة اسرائيل".

انتهى وقتُ المحاضرة، وإذْ  بأحدهم، وقد قدّم نفسه باسم مارتن على ما اذكر، يقفُ ليعبّر عن شكره لي. حديثه تجاوز كلماتِ الشكر. بدا لي الرجل مُلمّا باوضاع الشرق الاوسط، حيث ادهشني عندما قال لي: "مركباتُ هويتكم معقدة، فانتم عربٌ ووضع العالم العربي في الحضيض، وانتم فلسطينيون والفلسطينيون تحت الاحتلال ومنقسمون على انفسهم وانتم اسرائيليون  واسرائيل يعرّفُها رئيسُ حكومتها بانها دولة الشعب اليهودي. وبالتالي انا احييكم على صمودكم".

حديث مارتن هذا الذي بدا وكأنه يرثي لحالنا، جعلني أبتسم لاني تذكرتُ ما حدث لي شخصيا في مطلع فترة إقامتي مع اسرتي في بريطانيا، كطالبٍ للدكتوراة في جامعة لندن. ذهبْنا صباح يوم أحد الى الكنيسة المجاورة لبيتنا، لحضور القداس وللتعرف على الناس في حيّ ويمبلدون (لندن) حيث كنا نقيم.  يبدو لي ان حضورنا كأسْرة (ثلاثة اولاد اعمارهم 12، 10، 4 سنوات) لفت انتباهَ الخوري (والاصح القِـسّ لأن الحديث هو عن كنيسةٍ انجليكانية).عندما انتهت خدمةُ القداس، سارع القس، كالعادة هناك، الى باب الكنيسة الرئيسي ليحيي المصلّين وليودعهم. عندما تقدمنا نحوه كان من الطبيعي ان يسألنا: "من اين انتم؟". اجبتُه "نحن من اسرائيل". قال على الفور "رائع جدا، عائلة يهودية من اسرائيل". فقلت له: "نعم نحن من اسرائيل، لكننا لسنا يهودا. نحن عرب فلسطينيون". قال: "يعني انكم من الضفة الغربية المحتلّة. أليسَ كذلك؟".  اجبتُه: " كلا، نحن من اسرائيل ذاتها اي ليس من المناطق الفلسطينية المحتلة". بدَت علاماتُ التعجّب على وجه القِسّ، ثم ما لبث ان قال لي: "حسنا، اذن انتم عرب مسلمون، أليس كذلك؟". قلت له: " كلا، نحن عرب مسيحيون". اخذ القـسُ يردّد باستغرابٍ شديد : "عرب فلسطينيون مسيحيون من اسرائيل!!، عرب فلسطينيون....". ثم ما لبث ان تمالك نفسـه قائلا: "إذن انتم مســيحيون شـرقيـون اي ارثوذكـس". قلتُ له : "لا، نحن كاثوليـك". هذه المرة بدأ القِسّ يفغر فاه قائلا : " ماذا تقول؟ كاثـولـيــك!!  يعني هل انتم Roman Catholic ( أي لاتين بتعابيرنا المحلية) ؟ ". اجبتُه ببرود مفتعل: "لا، نحن روم كاثوليك " وبالانكليزية التي كنا نتحدث بها طبعا "No, We are Greek Catholic ". فسألني على الفور: "But are you Greek? "(يعني هل انتم من اليونان؟). قلت له بابتسامة عريضة: "نحن عرب فلسطينيون". فرَكَ القسُّ وجهَه بكفِّي يديه قائلا لي وهو يضحك "إسمح لي، أنا بطّلت افهم".

Hatimkhoury1@gmail.com

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment