مسيرة التنمية والحروب

07/08/2017 - 10:00 AM

Bt adv

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

معظم الحروب في هذا الزمن هي أهلية أو داخلية وتمتد لسنوات أو عقود. هنالك حروب انتهت كما هو الحال في شمال ايرلندا وكولومبيا، ربما لأن الفائدة منها داخليا وخارجيا زالت لكن هنالك حروب أخرى مستمرة. فالناس لم تعد تحتمل بعضها البعض كما في السابق ولا تسمع لبعضها البعض، ولا بد من انتصار فريق داخلي على آخر بطريقة أو أخرى. هذا الجو يفسر صعود اليمين المتطرف في أعرق الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة. نسمع في الغرب خطاب سياسي غاب عن سمعنا لعقود عديدة مضت. الجو السياسي الحالي في الغرب لا يطمئن بل يدعو الى الحذر والخوف والقلق وكان له تأثير كبير في انتخاب "دونالد ترامب".

السلطة في الكونغو وزيمبابوي وغامبيا

ما يحدث اليوم من مشاكل لانتقال السلطة في الكونغو وزيمبابوي وغامبيا وغيرها مقلق ويؤخر عملية التنمية في كل القارة الأفريقية. هنالك عدوى تحصل وتنتقل من دولة الى أخرى ولسنا بعيدين عنها عربيا. الفساد يزدهر في الدول الناشئة والنامية والأمثلة كثيرة أهمها في البرازيل وكوريا الجنوبية. غياب الديموقراطية يؤدي الى حروب اذ عوض أن ينتصر فريق على آخر في صناديق الاقتراع، يلجاؤن الى الشارع المدمر للفوز على حساب الشعب والاقتصاد والحياة نفسها. بعض الحكام في الدول النامية لا يتحملون وجود معارضة بل يرغبون في القضاء عليها. الحكم في نظرهم استمرارية على حساب الشعب عبر من يختاره الحاكم بطريقة أو أخرى. فالحل يكون دائما بانفجار الأوضاع كما رأينا مع الربيع العربي وفي معظم دول أفريقيا وبعض المناطق الأخرى. ما زال الخيار الديموقراطي في العديد من الدول النامية الخيار الثاني وليس الأول.

أين هي الديموقراطية والشفافية؟

الحرب السورية مدمرة ولا يستطيع الانسان مشاهدة ما يحصل في الداخل حتى من خلال التلفزيون. هل كان مستحيلا ايجاد الحل السياسي قبل أن تقع الحرب؟ هل كان هنالك تقصير من قبل الجميع في الداخل والخارج؟ هل تستأهل السياسة في أي بلد تدمير الاقتصاد والانسان للوصول الى السلطة أو للحفاظ عليها؟ مشكلة هذه الحروب أن المواطن البريء هو الخاسر الأكبر، والخارج مهما تعاطف حقيقة أو تمثيلا لا يهمه الا نفسه ولن يهتم بنا أكثر من اهتمامنا بأنفسنا. في لبنان، عانينا الكثير من الحروب الأمنية وما زلنا نعاني من الحروب السياسية لأن الديموقراطية الحقيقية ما زالت مفقودة. أخذنا سنوات لاقرار قانون جديد لسنا متأكدين من أنه أفضل من السابق. مددنا 3 مرات للمجلس النيابي المنتخب في سنة 2009 وهنالك من يقول اليوم أن التمديد الرابع حاصل حتما في منتصف 2018. أين هي الديموقراطية والشفافية؟ في كل حال علمتنا تجربة لبنان أن الخلاف على أي موضوع مهما تفاقم لا يجب أن يصل الى العنف والعبرة في تصرفاتنا الحالية والمستقبلية.

للحروب الأهلية أسبابها وتختلف من دولة الى أخرى لكنها تؤدي جميعها الى زيادة الكراهية بين الفرقاء المتحاربين. فالأسباب العرقية والدينية هي أقل مما يعتقده البعض. الأسباب الاقتصادية هي أهم كما تشير اليه الدراسات الحديثة. البحبوحة الاقتصادية تؤخر أو ربما تمنع الحروب واذا حصلت لا تكون مدمرة وطويلة كما في الدول الأخرى. من الأسباب الأخرى الظلم وضعف المؤسسات العامة ووجود الفساد في الأجهزة الرسمية من أمنية الى قضائية وسياسية واعلامية. المواطن العادي وخاصة النساء والأطفال هم الضحايا الأول، اذ يخسرون منازلهم وأعمالهم بالاضافة الى خسارة الحياة والاعاقة والأمل بالمستقبل. الهجرة عبر البواخر الصغيرة مؤلمة ولا يمكن تبريرها، لكن تفسر عبر اليأس وفقدان الأمل بالمستقبل وعدم الرغبة في اعادة التجارب السيئة غير المضبوطة. من يعوض على هؤلاء الأبرياء المظلومين؟

الحروب بين الدول عالميا أصبحت ولحسن الحظ قليلة. العلاقات بين الدول حتى لو تفاقمت في السياسة تبقى ضمنها أو عبر أروقة الأمم المتحدة أو في المجالس الاقليمية أو غيرها. مهما تفاقمت العلاقات بين أميركا وروسيا أو بين أميركا والصين لا يمكن لعاقل أن يتوقع حدوث حرب كما حصل في الحربين العالميتين الماضيتين. الدول أحسنت طريقة التعاطي فيما بينها وهنالك سقف لن يتعداه أحد لأن لا مصلحة في ذلك. الدول المتقدمة فهمت أن المشاكل لا تحل الا بالمفاوضات أكانت داخلية أو خارجية. لا تحل المشاكل ربما الا عبر حروب سياسية واقتصادية ومالية وتجارية وليس عسكرية. في الدول النامية وفيما بينها، ومنها دولنا العربية لم نفهم ذلك بعد والحل يكون عمليا "قاتل أو مقتول" وهذا في غاية الجهل بل الظلم تجاه الشعوب وحياتها ومصالحها ومستقبلها.

العلاقة بين الحروب والتنمية

لا شك أن الحروب تؤخر التنمية وضعف التنمية يفسح المجال لحصول أو استمرار الحروب. العلاقة بين الحروب والتنمية هي حلقة مفرغة تدمر الاقتصاد والحياة وتهجر المواطن كما يحصل اليوم في سوريا وغيرها أي العراق واليمن والسودان وفي بعض دول أفريقيا الصحراوية. فنتائج الحروب الداخلية مخيفة وتنعكس على الصحة ومستوى المعيشة والاعاقة والحياة، وكلما طالت كلما زادت تكلفة الاعمار والانقاذ. هنالك مستفيدون في الخارج من الحروب الداخلية وهم مصانع وتجار الأسلحة. فلمن تصنع هذه الشركات أسلحتها الحديثة المدمرة؟ كيف تحقق أرباحها ومن هم عملائها في كل الدول.

انتاج الأسلحة ضخم وتجارتها مزدهرة، ولا بد من محاولة زيادة الطلب من وقت لآخر طالما أن هنالك من يرغب في تسديد التكلفة. فلمن ولماذا تصدر الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا الأسلحة المتنوعة بمليارات الدولارات سنويا؟ من دون حروب، تخف هذه التجارة ويخف الانفاق على الدفاع وترتفع نسب البطالة. طبعا لا نبرئ قوى الداخل التي تبقى المسؤولة الأولى عن حدوث واستمرار الحروب العنيفة. طالما أن الطلب موجود، سيلبي العرض الحاجة ويدعمها. وفي العكس أيضا، وجود العرض يخلق الطلب تماما كما قال "جان باتيست ساي" منذ قرون عبر قانون يحمل اسمه. هذه الأسلحة كي تصرف، يجب أن تخلق الطلب المناسب كما قال "جون كينيث غالبريث" منذ عقود وهذا ما يحصل في المجتمعات الفقيرة المفككة المقسمة والراغبة في ذلك.

الحروب لا تمول نفسها فقط

هنالك مستفيدون في الداخل من الحرب، أي الذين يستفيدون من عمليات التهريب في غياب أجهزة الرقابة والأجهزة الأمنية. في لبنان خلال الحرب، اغتنى العديد من التجار من استيراد السلع والممنوعات بكميات كبيرة في غياب الجمارك والرقابة والسلطات الأمنية. كما أن الحروب لا تمول نفسها فقط، بل هنالك من يمولها لأهداف اقتصادية وسياسية واجتماعية. لا تبقى الحروب الداخلية عموما كذلك بل يتدخل الخارج في معظمها كما نرى جليا في الحرب السورية. من الخطأ تجاهل تأثير الحروب الداخلية على الدول الأخرى المجاورة والبعيدة. تأثير الحرب السورية على لبنان كبير جدا ليس فقط في السياسة والأمن وانما خاصة في الاقتصاد. تأثير الحرب السورية على لبنان كبير في النقل والسياحة والاستثمارات والتجارة والزيارات بالاضافة الى أعداد المهجرين واللاجئين الضخمة مما يساهم في تعثر النهوض الاقتصادي اللبناني. المهم بعد الحروب ليس فقط انقاذ الاقتصاد وانما أيضا انقاذ الانسان والنفس والعقل، وهذا في غاية الصعوبة ونعرف عنه جيدا في لبنان.

عندما تنتهي الحرب السورية يبدأ اعمار السياسة والمجتمع والاقتصاد كما اعمار الانسان. نتائج الحروب الداخلية تمتد الى سنوات لكن لا بد من وجود حل يرضي الفرقاء لمنع تجدد النزاعات العنيفة. المرحلة السلمية اللاحقة صعبة لكن على الأقل لا تحمل الموت والعنف بل الأمل والاعمار والحياة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment