رزق الله على أيام زمان

06/23/2017 - 12:24 PM

 

بقلم: محمد زريق

عندما كتب جبران خليل جبران " لكم لبنانكم ولي لبناني " لم يكن يعلم أن اللبنان الذي كان يعيش في ظله والذي انتقده هو أفضل من لبناننا الحالي.. أفضل بكثير. وربما الأجيال القادمة ستتحسر على لبنان اليوم، لأن للماضي نكهة خاصة معتقة، مجبولة بالحنين والبساطة والمحبة والألفة والمودة.

لبنان الذي نحلم به ليس بحلم، ففي الزمن الجميل سمّي لبنان "سويسرا الشرق" وكانت أعين العالم مصوبة تجاهه. لكم لبنانكم ولي لبناني، لبناني ليس بحلم إنما طفلة جميلة جداً دفنت وهي حيَّة.

لبناني ثقافة وحضارة وتراث. كم كان سعيداً مدرج قلعة بعلبك عندما كانت تقف "صباح" على عتبته وتصدح "الأوف" لتهز عواميد القلعة، وكم كانت خاشعة قلوب الناس عندما كان يرتل "وديع الصافي" بصوته الملائكي، وكم كان لبنان فخوراً بنفسه عندما يكتب قلم "سعيد عقل" ويمجد بلبنان وبالقومية اللبنانية. أين هم اليوم؟! رحلوا

لبناني بساطة وطيبة وألفة. كم كانت جميلة أيام "الحصاد والبيدر" عندما كان الجار قبل الدار، و"المونة" الشتوية على أعتاب فصل الخريف، وتقديس العائلة والجمّعة الدائمة، والدموع التي كانت تذرف عند وداع المسافر. أين أنتَ أيها القلب اللبناني الطيب والرقيق؟ّ! للأسف، رحلَ وبغير رجعة.

لبناني إيمان وقديسين وطهارة. كم كان جميلاً لبنان التعايش والعيش المشترك، لم يعلم أجدادنا ما معنى كلمة طائفية فقد كانت طاولة الطعام تجمع المسلم والمسيحي، والأعياد كانت للجميع، لم يكن القلب اللبناني البسيط مهتماً إلا بالفرح والمحبة، لبنان الذي خرَّجَ قديسين وشهداء ومناضلين أصبح اليوم مركزاً للطائفيين وأصحاب القلوب السوداء.

لبناني طبيعته خضراء ومياهه بيضاء. كم كانت جميلة وخلابة طبيعة لبنان وكم كانت نقية مياهه، لقد قضى اللبناني الحديث على الشجر وكسّر الجبال ورمى النفايات عشوائياً ولوث المياه بتطوره وحداثته، كم كنتَ جميلاً وطبيعياً أيها الماضي.

لبناني جريدة ورقية صباحية مع فنجان قهوة، وجمعة أولاد متحلقة حول تلفاز الضيعة "الأبيض والأسود"، وراديو قديم العهد يشدو بصوت "أم كلثوم"، وسهرة بسيطة تجمع أهل الضيعة على ضوء القنديل الذي لا يطفئ نوره إلا مع طلوع الفجر.

لبناني بحر مليء بالأسرار والحكايات، فتحه المغترب اللبناني وراح بعيداً. كم كان الإغتراب صعباً "فالراحل مفقود والعائد مولود"، المغترب اللبناني الذي لم تستطع مباهج ومفاتن المهجر أن تغريه أو ان تنتزع منه قلبه اللبناني، فاللبناني الذي راح حمل قلبه وعاداته وتقاليده ولغته معه. ولكن أين لبنان اليوم في قلب المغترب؟

لبناني محمد إلى جانب شربل على نفس الطاولة في المدرسة، والشاب الذي أحبَّ صديقته التي هي من دين مختلف وتزوجا، ورجل الدين المسيحي إلى جانب رجل الدين المسلم في السراء والضراء.

هذا هو لبناني الذي يشّرف التاريخ، أما لبنانكم الحالي فمكانه مزبلة التاريخ.

ضعوا أسلحتكم جانباً، أتركوا زعمائكم بحالهم ولا تمشوا ورائهم كالقطيع، أعيدوا القلب اللبناني الجميل فهذا القلب ليس قلبنا، أحيوا شعلة الإيمان اللبناني من جديد.. وحافظوا على لبنان.. حافظوا على لبنان.. حافظوا على لبنان..

لبناني ترك لبنان ورحل إلى بلاد الإغتراب. فأصبحتُ أرى لبنان جميل خارج الحدود، مغترب لبناني أحبَّ لبنان بصدق وإخلاص، لم يفرق بين مسلم ومسيحي، ولا ينتمي إلا إلى لبنان.

إليكم يا أخوتي في الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وكندا والمكسيك وأوروبا وأفريقيا أقول: "أنتم ثروة لبنان التي لا تنضب وثورته القادمة، أنتم الذين تزينون العالم بالأرز وترفعون إسم لبنان عالياً.. لبنان لن يكون بخير إلا بكم ومعكم، لا تتركوا هذا البلد كي لا نفقد كل شيء".

 ناشط اجتماعي ومترجم، حائز على ماجستير في العلاقات الدولية وليسانس في الترجمة، ناقد سياسي ومهتم في شؤون السياسة الدولية في منطقة الشرق الأوسط.

 

 

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment