الطريق إلى عنَّايا - الكتاب الجديد للروائي سليم عنتوري

06/17/2017 - 12:31 PM

Bicycle Club

 

الأب الدكتور سميح رعد

فرنسا - لا يُدهشني الصحافيّ الكاتب سليم عنتوري بغزارة انتاجه الروائيّ في هاتيْن السنتيْن الأخيرتيْن. بعد ترجماته في السياسة والأدب والفكر، ها هو كنبعٍ فيّاضٍ تتدفّق علينا رواياته، الواحدة بعد الأخرى، والأخيرة إلى الأعالي الأعالي، الى دير مار مارون في عنايا.

      تحملك روايته الجديدة "الطريق إلى عنَّايا" على الإعتقاد، حتّى قبل البدء بقراءتها، أنَّك ستُمضي وقتًا ممتعًا مع نصٍّ مشبعٍ بالإيحاءات الدينيَّة. لكنّ روايته أبعد من الفكر الدينيّ. إنَّها نافذة على علم الإجتماع، على علم السياسة، على علم العسكر، إنَّها صرخة نبويَّة لأبعد من مستقبل المسيحيّين في لبنان، إنَّها صرخةٌ لمستقبل لبنان ككلٍّ، في فسيفسائه، بتعددّيته... لهويته ورسالته.

      فعنَّايا التي يدور فيها قسمٌ من أحداث الرواية، مقصدٌ دينيُّ بلغ العالميّة منذ أواسط القرن الماضي، بقداسة الراهب اللبنانيّ الأب شربل مخلوف. لكنّ سرعان ما ترتسم في ذهن القارىء الثنائيّةُ المحبَّبة التي ارتكز عليها البناءُ الروائيّ، والقائمة على الإنتماء إلى هويّةِ وطنٍ وهويّةِ مجموعةٍ دينيّة: إنّها الهويّة المارونيّة والهويّة اللبنانيّة.

      من الصعوبة بمكان، فصلُ الدينيّ عن السياسيّ في "الطريق إلى عنَّايا" التي تُجرى وقائعُها في مستهلّ ثمانينيَّات القرن الماضي، وتنتهي بالاصطدام العسكريّ بين الجيش اللبنانيّ وقوةٍ عسكريّةٍ مسيحيّةٍ، انتهى بالمدّ العسكريّ السوريّ على كامل الأراضي اللبنانيّة، بالتزامن مع اتفاق سياسي سُمِّي "اتفاق الطائف". كأن الروائيّ يريد القول إنّ التآكل المسيحيّ، العسكريّ والسياسيّ، هو الذي أتاح ولادة هذا الإتفاق.

      لكن سليم عنتوري الذي يدخل في التفاصيل اليوميّة للسلوك السياسيّ المسيحيّ، حتّى البسيط منه، يرمي من خلال صفحات روايته، إلى الكشف عن خللٍ في المنطق والتدبير السياسيّ المسيحيّ. فإذا كان هذا المنطق عاجزًا عن تقبُّل الإختلاف المسيحيّ في الرأي، فكيف سيتقبَّل التمايز السياسيّ على المستوى الوطنيّ، مع اللبنانيّ الآخر؟

   سليم عنتوري يترجم الفكر اللاهوتي في السياسة، هذا الفكر الذي رسم مسار المسيحيّين بعد الحرب الأهليّة، والذي تُرجم بجملةٍ شهيرةٍ معناها أن المسيحيّين قَتَلوا وقُتِلوا وتقاتلوا، وبذلك فقدَوا المعنى الأصيل لوجودهم في هذا اللبنان الذي كانوا العصب الأصيل في إبداعه مع سائر اللبنانيّين، ليكون هوّيّة ورسالة للعالم الذي بدأ يتخبّط بمشكلات الهويّة التي تحدّث عنها المفكّر اللبنانيّ الفرنسيّ أمين معلوف في كتاباته لاسيما منها "الهويّات القاتلة" أو  "التائهون" .

   تبدأ رواية "الطريق إلى عنَّايا" من غروب أحد الأيَّام في بلدة عنّايا ببلاد جبيل، مطلع العقد الثامن من القرن الماضي، وتنتهي في مرفأ مدينة جونية، صبيحة آخر معركةٍ عسكريَّةٍ أتاحت دخول الاتفاق السياسيّ الموقّع آنذاك، مطلع العقد التاسع، حيّز التطبيق. وما بين هذين التاريخيْن، تدور قصّة حبٍّ تترافق من حيث لا يدري أبطالُها مع مخاضٍ سياسيٍّ، حمل سعيد القنوبيني، الشخصيّة الأساسيّة في الرواية، على تبنّي خطابٍ دينيّ ملطّف ومقبول من جميع الأطراف، ليُخفي من جهةٍ، فشلًا ذريعًا في قصّة حبٍ مع رفيقته في الجامعة، وليكشف من جهةٍ أخرى، عن تعلّق بقوّةٍ ساميةٍ لا علاقة لها بأهل الأرض، لعلَّها تُعيد إليه أملًا ضائعًا، وتُعيد إلى المناخ الأشمل، توازنًا بدَّدته السياسة الضيِّقة التي لا يتجاوز مداها حدود الأنف!

      بلباقةٍ يُشْهَدُ لها في سياق هذا النصّ الروائيّ، يُجاهرُ شخوصُ الرواية بانتمائهم المسيحيّ، بسلوكيّةٍ تدفع غيرَ المسيحيّ إلى تلمُّس أطايبِ هذا الإيمان. وقد بلغ النصُّ ذروته في مستشفى سيّدة المعونات في جبيل، حينما طلبت أمُّ سعيد بتضرُّع من القديس شربل، أن يشفي ابنها المريض، بقولها له: "أريده منك!" وسرعان ما التفتت إلى ابنها وبشرّته بأن القدّيس شربل استجاب دعاءها. وحين سألها كيف عرفتِ؟ أجابت أنّ الأغصان في الخارج تتحرَّك، وعطر الزهور يفوح، والنسيم العليل يُنعش النفس... وختمت رجاءها بالقول: "قمْ يا ابني لقد شُفيت! "

      هذه الإجابة، تحمل من حيث لا ندري، أمنيّة ضمنيَّة مشتهاة ومنتظرة، لعلّ فعل القيامة التي حصلت قبل ألفي عام، يتكرَّر. هذا هو المقصود، كما أعتقد، من مجمل الرواية. فسعيد القنّوبيني، من حيث أراد الكاتب أم لم يُرد، يُجسِّد في شخصه وسلوكه وغرامه، نهاية عهدٍ وبداية عهد آخر. النهاية كانت بزواج الصبيّة التي كان يعشقها، أمَّا البداية فأخذت ملامحها تتبلور لدى وصول السفينة إلى مرفأ جونية (لن أدخل في تفاصيل هذا المشهد الجميل، بل سأترك للقارىء شوق قراءته والتلذُّذ به)، واتصال سعيد بصديقه الراهب للإطلاع منه على ما حصل، وقوله لحبيبته المستعادَة، ما معناه، بالتأكيد إننا سنصعد إلى عنَّايا حتى لو لم يقل لنا صديقي الراهب تعالوا... ألستِ المنذورة؟ حول هذا السؤال تتمحور كلُّ تفاصيل الرواية، من الحرف الأول وحتى الحرف الأخير، لأن شخصيتْيها الرئيسيتيْن، سعيد وجنى لا تمثِّلان شخصيْهما فقط، بل يمثِّل كلٌّ منهما، سلوكًا وضميرًا جماعيَّا وآمالًا تتّصل بشريحةٍ كبيرةٍ من الناس، وتلامس بعضًا من حاضرهم، ولا تنتهي بغدهم، بل تتجاوز الغد إلى ما بعد الغد... إلى الديمومة.

      رواية سليم طانوس عنتوري، الصادرة عن دار نلسن، 2017، دعوة صريحة للوجدان اللبنانيّ إلى التعامل بمزيدٍ من رحابة الصدر مع اللبنانيّ الآخر، حفاظًا، كما قال أحد شخوص الرواية، على كلّ مكوّنات الوطن، لاسيّما أنّ المسيحيّين "حفنة" كما وصفهم.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment