خيارات انسانية صعبة

06/15/2017 - 15:23 PM

Cedars Wine

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

أحدث تقدم الطب والعناية الصحية ثورة كبيرة ليس فقط في تمديد العمر المرتقب وانما في تحقيق نوعية حياة أفضل حتى في أفقر الدول. كانت جدوى الاستثمارات في الطب والصحة مرتفعة جدا بسبب التقدم التكنولوجي وتطور العلوم كما بسبب ارتفاع الطلب على هذه الخدمات الأساسية في حياة الانسان. هنالك تعارض واقعي بين نوعية الحياة والعمر المرتقب، بحيث تضيع الأهداف الطبية أحيانا بين هذين الموضوعين المهمين. هل نضحي بنوعية العيش مقابل تمديد العمر عبر الفحوص الطبية والمخبرية؟ أو ربما نضحي ببعض السنوات كي يعيش الانسان كل حياته بنوعية عالية؟ فطب الشيخوخة Geriatrics الذي يأخذ أهمية كبرى في عالمنا اليوم يهدف الى جعل المسنين يعيشون ما تبقى من عمر بأفضل نوعية ممكنة. فالهدف ليس طول العمر وانما نوعية السنوات التي يعيشها المسن. تكمن المشكلة اليوم في أن المتخصصين في "طب الشيخوخة" ما زالوا قليلين جدا ربما لأنه يتطلب تكريسا مهنيا فريدا أو لأن العائد المالي أقل من المهن الطبية الأخرى كالجراحة التجميلية.

تحسين العناية للمسنين

في الولايات المتحدة مثلا، ارتفعت نسبة المسنين من السكان من 2% في سنة 1790 الى 14% اليوم مما يعطي لطب الشيخوخة أهمية كبرى تساهم في نفس الوقت في تحسين العناية للمسنين وفي تخفيف الفاتورة الصحية الباهظة الى حدود جديدة دنيا. في نفس الوقت هنالك فقط 300 متخرج سنوي في طب الشيخوخة في الولايات المتحدة أي أقل من عدد المتقاعدين في هذا التخصص وأدنى مما هو مطلوب مع ارتفاع العمر المرتقب وأهمية توفير العناية الجيدة للمسنين. هذا الوضع يسري أيضا على معظم الدول والتي يجب عليها توجيه كليات الطب كي تشجع التلامذة على التخصص في هذا القطاع المهم لكل المجتمعات.

يقول "أتول غاواندي" في كتابه عن الشيخوخة والذي وضعته صحيفة "النيويورك تايمز" في طليعة المبيعات، أنه حتى سنة 1945 في الولايات المتحدة كانت أكثرية الوفيات تحصل في المنزل أي تحت رقابة العائلة واهتمامها. أما اليوم، فالوفيات المنزلية لا تتعدى 17% من المجموع، أي أن أكثرية الوفيات تحصل في المستشفيات ومراكز الرعاية أو في الأماكن المخصصة لاستقبال المسنين وأصحاب الحاجات الخاصة. هذا ينقل الاهتمام بالمسنين من المنزل وأفراد العائلة الى مراكز العناية والأطباء والممرضين كما المتخصصين في هذا العلم الذي يزداد أهمية في عالمنا المرتكز على العمل الكثير للشباب والنساء لأسباب معيشية ومهنية طبيعية.

الطب الكلاسيكي العادي

لا شك أن الطب الكلاسيكي العادي لم يتأقلم بعد مع واقع الشيخوخة كما يجب. فالطب يركز على تطويل حياة الانسان لتأجيل الوفاة مهما كلف الأمر حتى من عزاب وأوجاع وتكلفة باهظة. فالموت ليس سقوط وفشل وانما نهاية عادية للحياة على الأرض، وبالتالي النظر اليه بهذا الشكل يغير طبيعة العناية بالمسن في آخر أيام حياته. كل الديانات تؤكد على حق الانسان في العيش النوعي في كل حياته وخاصة في السنوات الأخيرة، ولا تعطي الحق للطب بالقيام بالتجارب الموجعة والمكلفة لمد العمر حتى لو كانت النيات حسنة وهي ربما كذلك في أكثرية الأوقات.

من هنا يساهم الطب أحيانا وعمليا في تعذيب الانسان في آخر أيامه من دون قصد، عوض مساعدته على العيش بنوعية وسلام وهدؤ خلال ما تبقى له من وقت. هكذا يترك المسن ضحية للتجارب الطبية والمخبرية والتكنولوجية كما للغرباء، فيدفع الثمن المادي كما المعنوي والنوعي.

التقاليد والعادات والتاريخ

في الحقيقة طبيعة بل دور الشيخوخة تغيرا. في الماضي كان للمسن دورا كبيرا أي حامياً للتقاليد والعادات والتاريخ وبالتالي وجوده في المنزل "بركة". كان هنالك احتراما كبيرا للمسن من قبل أفراد المنزل بل من قبل المجتمع ككل، يقفون عندما يدخل الى مكان ما ويتكلمون معه باحترام ومحبة ويصغون الى نصائحه. كانت كلمته مسموعة حتى عندما كان يسأل المرء عن سنه، يبالغ به لفرض بعض الاحترام. أما اليوم فالعكس صحيح، أي يحاول المرء تصغير سنه لأن احترام المسنين أصبح مفقودا في عالمنا والمسن أصبح في العديد من الأحيان عبأ على المنزل وأفراده ليس فقط ماليا بل انسانيا اي يقيد الحريات الاجتماعية.

في الماضي، كان يكمل الانسان حياته مع أفراد عائلته الذين يهتمون به حتى آخر أيامه. أما اليوم، فطبيعة الحياة وعمل الجميع فرضا على المسن أن يعيش بمفرده مع الممرض أو في مراكز العناية المتخصصة وليس مع العائلة التي يعمل كل أفرادها لتأمين الدخل الكافي للأسرة. مساحة المنزل تدنت بسبب التكلفة والصيانة وبالتالي لم يعد ممكنا استقبال العدد نفسه. تغيرت الحياة دون شك، علما أن لكل تغيير ايجابياته وسلبياته ولا بد للانسان من أن يتأقلم معه الى أفضل الحدود الممكنة.

تغير دور المسن في المجتمعات أيضا بسبب التطور التكنولوجي. عندما نريد معلومة ما، كان المجتمع يسأل المسن بسبب خبرته وحكمته ومعرفته. أما اليوم عندما نريد معلومة، نلجأ الى الحاسوب والأنترنت أي الى الذين يتقنون التقنيات الجديدة وهم في أكثريتهم من الشباب والشابات. لا شك أن امتداد العمر المرتقب غير طبيعة العلاقات في المجتمع وخاصة بين الشاب والمسن ربما الى غير رجعة. في الماضي، كان الأهل يشرفون على حياة الأولاد دون حدود زمنية ويساهمون في تأمين الاستقرار والنصائح والحماية الاقتصادية ضمن الامكانيات المتاحة، وبالتالي يبقى عامل الارتباط قويا حتى آخر الحياة. أما اليوم، فيخرج الشاب من المنزل بعد سن الرشد ليعيش مستقلا في غرفة أو شقة ويواجه مخاطر الحياة وتحدياتها بمفرده.

في الماضي، كانت تنتقل الأصول من الأهل الى الأولاد في آخر العمر أو بعد الوفاة بعد القيام بحصر الأرث وثم توزيعه عليهم. أما اليوم، فيجري نقل الأصول أو بعضها خلال الحياة ربما تهربا من ضرائب الأرث الباهظة أو ربما بسبب الحاجة المادية التي تواجه الأولاد في بداية حياتهم المهنية المستقلة. بسبب امتداد العمر أيضا، تنتقل المادة في العديد من الأحيان من الأولاد الى الأهل اهتماما بهم في الرعاية والتطبيب والعناية الكاملة المكلفة.

غيرت العولمة كليا طبيعة العلاقات بين الأجيال وجعلت المادة تدخل أكثر في هذه العلاقات، ربما على حساب المحبة البريئة. فالعولمة وتحديات العمل فرضا على الأولاد، ذكورا ونساء، التركيز الكامل على التحديات للنجاح في سوق العمل المعقدة والتنافسية. سوق العمل اليوم لا ترحم خاصة وأن المنافسة أصبحت دولية وليس محلية فقط كما في الماضي. من ناحية أخرى، التغييرات الحاصلة منذ زمن ربما لا تزعج الشباب والمسنين لأنها أعطت حرية أكبر للفريقين في زمن أصبح خلاله تقييد الحريات مكلفا ماديا ونوعيا. بالرغم من هذا التغيير الكبير، لن تكون هنالك عودة الى الماضي لأن الحاضر لا يزعج وان يكن مكلفا أكثر. هنالك اليوم تعلق كبير بالاستقلالية والحرية لم يكونا موجودان في السابق، وهذا التعلق واضح عند المسنين والشباب من رجال ونساء.

للمسن الحق في العيش

أخيرا لا يمكن معالجة كل مشاكل المسن، انما يمكن جعل تلك الفترة تمر بنوعية أفضل. فللمسن الحق في العيش بنوعية حتى لو كانت المدة قصيرة. النوعية أهم من عدد السنوات، وهذا ما يتفق عليه المجتمع علما أن الطب والعلوم المخبرية والرعايات الاجتماعية والتكنولوجيا ربما لا يناسبها ذلك. فالمسن لا يخاف من الموت بل من نوعية الحياة التي يعيشها قبلا، أي خسارة السمع والنظر وحرية التنقل وغيرها والتي تؤثر جذريا على الرغبة في العيش. دور الطب الحديث يجب أن يركز على نوعية الحياة وتجنب العذاب قبل الموت، وليس على محاولة اطالة العيش مهما كان الثمن ومهما كانت التكلفة والنوعية. محاولة اطالة العيش يؤدي أحيانا الى تقصيره، لأن المسن لا يتحمل في العديد من الأحيان كل التجارب المخبرية والطبية التي تعطى له. الهدف هو تأمين الحياة الجيدة النوعية حتى الموت.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment