ماكرون والنتائج المتوقعة

06/04/2017 - 11:42 AM

Bt adv

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

أهمية الانتخابات الفرنسية أنها كانت اقتراعا للوحدة الأوروبية ولمنطقة اليورو تحديدا بعد سنوات من الأزمات. لم تكن الانتخابات عادية خاصة في دورتها الثانية، اذ كانت البرامج متناقضة بل معاكسة بين أوروبا والانعزال الوطني. خسارة ماكرون كانت ستقضي على الوحدة وتؤخر التطور. لماذا التفكير في هذا الخيار في وقت تنعم خلاله القارة الأوروبية ببحبوحة فريدة ومتواصلة؟ نما الناتج في منطقة اليورو 0,5% في الفصل الأول من هذه السنة أي نسبة سنوية مقدرة بـ 2% مقارنة بـ 0,7% للولايات المتحدة. تحول ميزان الحساب الجاري في منطقة اليورو من سلبي 1,2% من الناتج في سنة 2008 الى ايجابي 3,4% في سنة 2016. ارتفاع مبيع السيارات خلال أذار الماضي في منطقة اليورو جعل منها السوق الثانية للسيارات في العالم بعد الصين وقبل أميركا. المشكلة الأساسية في منطقة اليورو تبقى البطالة أي 9,5% مقارنة ب 4,5% في الولايات المتحدة. لا شك أن السياسة النقدية تبقى مختلفة حيث رفع المصرف المركزي الأميركي الفائدة الأساسية بينما يبقي الأوروبي على سياساته التحفيذية.

التجربة اليونانية

تبقى النقطة السوداء الأساسية في تجربة اليورو. أقلقت كل أوروبا من ناحية التكلفة والاستمرارية والمدى الذي يمكن أن تصل اليه الخسائر والمساعدات. هنالك اتفاق جديد بين المجموعة الأوروبية واليونان على تنفيذ سياسات تقشفية جديدة، لكن احتمال النجاح يبقى ضئيلا. لا يمكن معالجة مشكلة اليورو من دون النظر الى أوضاع الدول الداخلية وخاصة الدول الثلاث الأساسية. في ألمانيا نمت الانتاجية بنسبة أعلى من الأجور، بينما تعادلت في فرنسا وكانت النتيجة عكسية في ايطاليا. هذا الفارق يرفع الشرخ بين الدول وبالتالي ينعكس سلبا على التجانس المطلوب داخل الوحدة النقدية. المطلوب اصلاحات أهمها تعزيز السلطات المالية المشتركة كما وضح ماكرون مرارا خلال حملته الانتخابية. هل تقبل ألمانيا؟.

في كل حال، كانت الدورة الانتخابية الفرنسية الأولى منافسة بين مشاريع ضبابية معظمها منتقد لأوروبا وواحدة فقط معها وتريد تعميقها، وهي مشروع ماكرون الشجاع والبناء. فضل الفرنسيون بوضوح مشروع ماكرون في الدورة الأولى وضربوا بشكل حازم مشروع لوبن الانعزالي في الدورة الثانية. الأمل يعود من جديد الى الوحدة الأوروبية وبدأت النتائج الأولية تظهر. ما يدهش العالم هو كيف يمكن لشخص كان مجهولا منذ 3 سنوات ولا قاعدة شعبية له قبل سنة أن يصبح رئيسا لدولة تعشعش فيها التقاليد والممارسة والأعراق كفرنسا؟ كيف يمكن لشاب في 39 سنة من العمر أن يصل الى الرئاسة في مجتمع محافظ كالفرنسي؟

لا شك أن مجموعة من العوامل ساعدته بل كانت حاسمة للفوز.

أولا: العائلة حيث ترعرع في منزل من أبوين طبيبين أي من مستوى تعليمي مرتفع مما يسهل ويعجل الكثير. الأشقاء أطباء والعلم في كل حال مهم جدا في المنزل والنقاش الداخلي في كل الأمور. لا شك أن الزواج من بريجيت بالرغم من فارق العمر كان له تأثير ايجابي في السياسة اذ أنها كانت معلمته في الأداب واللغة والفلسفة وبالتالي ما خسره في أمور أخرى عوضه في العلم. عندما عينه الرئيس هولاند وزيرا، ربما لم يكن يتوقع أكثر من حسن تأديته للوظيفة، الا أن الطموح أطاح بالتمنيات والتوقعات. جميع رفاقه في المدرسة والجامعة وصفوه بالايجابيات الكبيرة من نواحي الجدية والانتاجية والرغبة الأكيدة في الوصول والنجاح. حتى أن راعيه "جاك أتالي" قال أن ينتظره رئيسا منذ زمن لكن ليس قبل سنة 2027. فاجأ الجميع وربما نفسه أيضا.

ثانيا: رغب الفرنسيون في نفض أوضاعهم بل أقله في التجديد لمجتمعهم واقتصادهم ومؤسساتهم. المجتمع الفرنسي قديم وعريق ولا بد من بعض التغيير. رغبوا في تنفيذ هذا التجديد عبر ماكرون واليوم مع حكومته الجديدة المشكلة من أفراد مميزين لعلنا نأخذ جزئا قليلا من طريقة الاختيار وننفذها في عالمنا العربي. مواصفات أكثرية الوزراء فريدة ومرتكزة على الكفاءة والنجاح والعلم والخبرة، وهذا ما يدعو للعجب وثم التقدير. شهدنا منذ أشهر قليلة القواعد التي بنى عليها ترامب ادارته والتي لا تحسد عليها أميركا وبدأت النتائج السلبية تظهر.

ثالثا: أراد الفرنسيون فرض التغيير ليس عبر سياسي موجود في المجلس النيابي أو في الادارة، وهنالك العديد من الشباب والشابات الأكفياء وانما عبر شخص جديد من خارج الطبقة السياسية خلق بل اخترع لتنفيذ المهمة. تعب الفرنسيون مؤخرا من انتشار أخبار الفساد المالي مع فيللون ولوبن وغيرهما ويريدون المعالجة التي لا يمكن أن تتم الا من خارج الموجود المستهلك. لا بد من التنويه بالكلمة الجميلة التي ألقاها "لوران فابيوس" رئيس المجلس الدستوري مستشهدا بالأديب والكاتب "شاتوبريان" عندما قال لماكرون أنك الشخص المناسب لهذا الوقت الصعب. ماكرون الشخص المستعجل فاز بالسباق.

كيف كانت النتائج الأولية لفوز ماكرون؟ أهمها تحسن سعر صرف اليورو تجاه الدولار ليس فقط بفضل الرئيس الجديد وانما أيضا بفضل ترامب حيث بدأت النتائج السياسية تسيء الى هيبة الولايات المتحدة. للمرة الأولى بدأنا نسمع سياسيين أميركيين حتى جمهوريين يقولون أنهم ربما لم يختاروا الكفاءة لأهم منصب في العالم. لا شك أن الولايات المتحدة ستمر بظروف سياسية صعبة تنعكس سلبا على الدولار حيث بدأت الصحافة والسياسة تذكرنا بمرحلة ووترغيت التي ما زالت تهز المجتمع الأميركي. مرحلة سوداء سابقة ربما تتجدد اليوم مع ترامب والأشهر المقبلة ستوضح. لا شك أن الأسواق الحقيقية والمالية الأوروبية بدأت تشهد نهوضا مع ماكرون ولا بد من الانتظار قبل أن تبدأ الاستثمارات الجديدة بالظهور. زيارة ماكرون لألمانيا في اليوم الثاني لفوزه مؤشر كبير للمرحلة المقبلة التي نتوقعها ايجابية.

انتخاب ماكرون هو لمصلحة الدول العربية التي تنتظر بعض التوازن فيما يخص السياسات الغربية. وجوده في مجموعة الدول السبعة لا بد وأن يخفف من حماسة ترامب لاسرائيل ويعطينا بعض الأمل في حلول ما في فلسطين وسوريا واليمن وليبيا وغيرها. المهم ليس فقط تطوير العلاقات العربية الفرنسية في السياسة وانما في الاقتصاد والتبادل التجاري والمالي والاستثماري. هنالك تكامل بين الميزات التفاضلية العربية والفرنسية لا بد من تطويرها وتقويتها حتى يستفيد الطرفان منها. المطلوب أن تكون هنالك ارادة واضحة في هذا الاتجاه وتكثيف اللقاءات لايجاد الآليات الواضحة لهذه العلاقة التي يجب تطويرها.

مستقبل أوروبا

عندما يقلق الأوروبيون أو الفرنسيون تحديدا بالنسبة لمستقبل أوروبا، علما أن الأرقام جيدة، فهل هذا يعني انه ليس هنالك تجارب ناجحة بين الدول؟ هل كل دول أوروبا "يونان" عانت وتعاني؟ العكس الصحيح والأمثلة عديدة على النجاح أهمها اليوم هي البرتغال التي مرت بأوقات صعبة وها هي تستعيد أنفاسها وتتقدم. فالنمو يعود من جديد من 0,9% في سنة 2014 الى 1,6% هذه السنة. البطالة تنحدر من 14% في سنة 2014 الى 9,8% هذه السنة. يخف عجز الموازنة من الناتج من 7,2% في سنة 2014 الى 2% هذه السنة أي أدنى من المسموح به أوروبيا وهو 3%. أما الوضع التجاري، فتحول من عاجز الى فائض اليوم حوالي 0,4% نتيجة السياسات التي أتخذت وجهود القطاع الخاص.

أهم سياسة قامت بها الحكومات البرتغالية المتعاقبة هو رفض الوقوع في فخ التقشف التي مازالت تعاني اليونان منه. الحكومات البرتغالية شجاعة واتخذت الخطوات الكبيرة حتى ضد رأي بعض السلطات الأوروبية وحولت نفسها من تجربة صعبة الى مضرب مثل في النجاح. من أهم القطاعات التي تنعش البرتغال اليوم هي السياحة التي تجذب الملايين بفضل الجمال الطبيعي والطقس والنظافة البيئية وحسن الضيافة والاستقبال وجودة الخدمات المقدمة.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment