أوروبا مع ماكرون

05/16/2017 - 11:47 AM

Bt

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

قبل انتخاب ماكرون رئيسا كانت الوحدة الأوروبية عمليا وواقعيا في خطر وجودي واقتصادي وثقافي وحضاري. فرنسا هي قلب أوروبا ولا يمكن لمجموعة أن تستمر من دون نبض قلبها. ماكرون هو أصغر رئيس في تاريخ الجمهورية الخامسة التي أسسها الجنرال ديغول في منتصف القرن الماضي. بعد البريكسيت وانتخاب ترامب، أصبح كل شيء ممكن بما فيه قتل المشروع الأوروبي الذي بناه كبار المسؤولين من فرنسيين وألمان وايطاليين وغيرهم. كان بناء أوروبا لحماية السلم والسلام في القارة القديمة. نجحت "الوحدة الأوروبية" في تثبيت الاستقرار وحسن العلاقات بين الدول التي تحاربت خلال عقود بل قرون. يرتبط مستقبل العالم اليوم بشخصين لم ينتخبا سابقا أي الأميركي والفرنسي مما يفسر بعض التخبط الذي يتعرض له ترامب آخره طرد مدير عام الاستخبارات "كومي".

انتخاب ماكرون أنقذ أوروبا واليورو

لم يكن فوز ماكرون مفاجئا بعد الانتخابات النمساوية والهولندية، الا أن الخطر بقي موجودا خاصة قبل المبارزة التلفزيونية التي أظهر خلالها ماكرون تفوقه في المعلومات والجدية والتركيز والموضوعية والوضوح على منافسته اليمينية المتطرفة. انتخاب ماكرون أنقذ أوروبا واليورو وأبقى الأمل موجودا في تصحيح الخلل وابقاء القارة موجودة اقتصاديا كمنافسة للولايات المتحدة وروسيا والصين. كان الخيار واضحا بين المرشحين للدورة الثانية أي بين العولمة والانعزال، بين الانفتاح والانغلاق، بين المستقبل والماضي، بين الانفتاح والعنصرية. اختار الفرنسيون البرنامج "الماكروني" المرتكز على مبادئ أربعة هي أهمية الانسان بالنسبة للمجموعة، التفاؤل في الحاضر وخاصة المستقبل، القيام بالسياسات الصحيحة حتى لو حملت بعض المخاطر المدروسة وأخيرا تعادل الفرص أمام الانسان كي ينجح من ينتج ويجهد. لم يقتصر الزلزال "الماكروني" على ضرب وحدة حزب الجبهة الوطنية، بل أدخل الخلل الى قلب أحزاب اليمين واليسار التي تواجه التفتت. فرنسا تغيرت ولا بد للأحزاب السياسية من أن تعكس هذا التغيير في العقلية والأهداف والمصالح والرؤية والا زالت.

كيف كان الوضع الاقتصادي الأوروبي كما الفرنسي قبل انتخاب ماكرون رئيسا للجمهورية؟ في احصائيات صندوق النقد، نمت منطقة اليورو بنسبة 2% في سنة 2015 و 1,7% السنة الماضية. لا شك أنها نسب ضعيفة لكنها هل تبرر رفض قسم كبير من المواطنين للمشروع الأوروبي الذي استغرق بناؤه عشرات السنوات وعمليا منذ سنة 1956؟ هنالك خوف نفسي في أوروبا من المهاجرين والمهجرين، من التطرف الديني ومن العولمة غير مبني على وقائع ثابتة انما يتغذى من سؤ الاداء الاقتصادي وخصوصا من البطالة. حل مشكلة المهاجرين لا يكون عبر دول الاستقبال، انما في دول المصدر حيث هنالك مشاكل كبرى في سوريا وليبيا وغيرها تحتاج الى انهائها والا استمرت الهجرة بأي ثمن. يختار المهاجر العادي البريء عبر القوارب الصغيرة بين الموت والموت، وبالتالي سيستمر في المخاطرة الى أن تصبح الأوضاع مستقرة في بلاده. هنالك تقصير دولي في حل هذه المشاكل خاصة في منطقتنا العربية.

استياء من محاولته اخفاء الحقائق

هنالك استياء شعبي من الفساد السياسي والمالي ليس أقله ما عرف عن توظيف "فرنسوا فيللون" لزوجته وأولاده في المجلس النيابي ولسنوات عدة. هنالك استياء من محاولته اخفاء الحقائق في هذا الشأن بل تحوير بعض الوقائع البديهية انعكست عليه في الانتخابات. هنالك استياء من النتائج الاقتصادية السلبية التي أوصلت الى "الركود الكبير" في سنة 2008 ولم تتغير بشكل كلي حتى اليوم. هنالك استياء من النتائج المحققة في العديد من الدول منها اليونان التي ما زالت تعاني من بطالة قدرها 23,5% ومن نمو بطيء لا يتعدى 1,5% بالرغم من كل الاصلاحات والمساعدات والقروض. هل تكمن المشكلة في المرض أم في الحلول؟ هنالك أوضاع صعبة لا ينكرها أحد، انما هل الحل يكمن في التطرف والرجوع الى سياسات الماضي المدمرة؟ هنالك قلق أيضا بالنسبة لاسبانيا التي ربما تعود قريبا الى مستوى 2008 الاقتصادي، أي أضاعت 10 سنوات من التقدم لكن ميزان الحساب الجاري أصبح فائضا علما أن الدين العام تضاعف مرتين والبطالة هي ضعفي معدل منطقة اليورو. اذا نتائج غير مرضية أقلها للطبقات الشعبية غير الميسورة التي زادت معاناتها في السنوات الماضية.

في فرنسا كانت نسب النمو أدنى بقليل من النسب الأوروبية أي 1,3% و 1,2% في السنتين الماضيتين. هنالك عجز في الميزان الخارجي لا يتعدى 0,5% من الناتج علما أن التضخم ضعيف أي أقل من 0,5% سنويا من ناحية أسعار الاستهلاك والفضل يعود الى سياسات المصرف الأوروبي المحافظة ورئيسه "ماريو دراغي". تتقارب نسب الادخار والاستثمار المحليين من الناتج أي في حدود 22% مما يعني أن الاقتراض الخارجي في فرنسا غير ضروري. هنالك عجز في الموازنة في حدود 4% من الناتج أي أعلى من المسموح به أوروبيا وهو 3%. تقارب نسبة الدين العام من الناتج ال 100% وهي مرتفعة لدولة متقدمة كفرنسا. مشكلة فرنسا الأساسية هي البطالة المرتفعة والتي منعت عمليا الرئيس هولاند من الترشح للانتخابات، وهو ما لم يحدث من قبل. جميع الرؤساء السابقين في الجمهورية الخامسة حاولوا التجديد منهم من رسب كجيسكار ديستان ومنهم من نجح كجاك شيراك.

تخفيف الضرائب على الشركات

المهم أن ينتصر حزب الرئيس في الانتخابات النيابية المقبلة حتى يحقق برنامجه المرتكز على تخفيف الضرائب على الشركات من 33,5% الى 25%، تخفيف عدد موظفي الدولة 120 ألف شخص، ابقاء عجز الموازنة في حدود 3% من الناتج كما نصت عليه اتفاقية "ماستريخت" وتحرير أسواق العمل من ناحية حرية التوظيف والطرد مما يساهم في تخفيف نسبة البطالة التي ما زالت مرتفعة أي في حدود 10% (25% للشباب) مقارنة ب 3,9% في ألمانيا و 4,5% في بريطانيا. يريد الاستثمار في البنية التحتية والبيئة في حدود 50 مليار يورو وتعميم التدريب للعاطلين عن العمل. يريد ماكرون تقوية العلاقات المالية بين دول الوحدة النقدية، اذ أن نقد مشترك لا يكفي بل يجب ايجاد موازنات كبيرة مشتركة.

يريد ماكرون تعميق الوحدة الأوروبية بحيث تعطي أفضل النتائج للمواطن وتضعف المتطرفين والعنصريين. يريد اقتراح انشاء وزارة مالية أوروبية تسهل نقل الأموال والاعانات بين الدول أي من الغني الى الفقير، لكن من المرجح أن يصطدم عندها بألمانيا التي لا يظهر أنها ترغب في اتخاذ هذا الطريق. يريد انسجاما سياسيا أقوى داخل الوحدة النقدية أي رئيس فعلي مركزي لأوروبا ووزير خارجية حقيقي وليس واجهة لمجموعة غير متجانسة من الدول. يقول ماكرون عمليا للألمان، أما أوروبا واحدة قوية ووحدة عملية، أو ستكتسح الأحزاب المتطرفة كل الدول الأوروبية بعد سنوات قليلة.

حقوق العمال اولا وآخراً

أخيرا يريد ماكرون الحفاظ على الضمانات والتعويضات والحقوق للعمال، أي عمليا يريد نسخ المشروع الاسكندنافي المتطور في فرنسا. لا يمكن تصحيح الأوضاع الاقتصادية في أي دولة اذا لم تعالج حقوق العمال. يقول "كلاوس شواب" منظم مؤتمر "دافوس" الشهير أنه لا يمكن لأوروبا أن تسير بنفس السرعة، ولا بد من خلق أوروبا معدلة تسمح للدول الضعيفة بأن يكون لها مسيرة مختلفة. يقول الفيلسوف "برنار هنري ليفي" أن الديموقراطية في العالم تعتمد على نجاح ماكرون في مهمته الصعبة. اذا فشل ماكرون اقتصاديا، سينتصر اليمين المتطرف بالتأكيد بعد 5 سنوات أي أن العهد الجديد هو الفرصة الأخيرة للعقيدة الأوروبية المنفذة جزئيا بحيث تعطي النتائج المطلوبة من نواحي النمو وتوزع الدخل والبطالة. تحديات ماكرون كبيرة ولا يحسد عليها لكن المؤشرات ايجابية ولمصلحته.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment