أميركا تناقض نفسها؟

05/06/2017 - 12:31 PM

Cedars Wine

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

ما نشهده في الولايات المتحدة اليوم هو مختلف تماما عن ما تعلمناه منها خلال عقود عديدة مضت. أميركا التي نعرفها هي أميركا الانفتاح والاعلام والفرص والنجاح والعلوم والأداب وحسن الاستقبال والحريات بكل جوانبها ومعانيها. لا نقصد أن أميركا هي بلد مثالي، انما حكما بلد مميز في ثقافته وتاريخه ومبادئه ودستوره. أتى اليوم الرئيس ترامب لينقض العديد من هذه المبادئ ويحاول نقض مبادئ أخرى لم تسمح الظروف له بعد بتنفيذها. يظهر في نفس الوقت انه يتراجع عن قسم آخر من وعوده بشأن التجارة الدولية مثلا. لا شك أن التاريخ سيصف ترامب بالرئيس المختلف مهما كانت نتائج حكمه في السنوات القادمة. هل يفشل أو ينجح وما هي مقاييس النجاح أو الفشل؟ هل نجاحه هو نجاح لأميركا وهل فشله هو فشل لأميركا؟ هنالك من يعتقد أن خلاص أميركا يكمن في فشل ترامب وعدم تحقيقه ما وعد به، وهنالك أيضا وطبعا من يعتقد العكس تماما.

اعادة العظمة الى أميركا

يقول ترامب انه يريد اعادة العظمة الى أميركا. ماذا تعني العظمة وما هي مواصفاتها؟ في رأينا أن أميركا كانت وما زالت الدولة الأهم والأعظم في العالم. فعن أي حقبة من الزمن يتكلم حتى نقارن الوضع الحالي بالماضي؟ في الواقع، أميركا اليوم هي أغنى من أي وقت مضى، لكن المشكلة تكمن في سؤ توزع الدخل والثروة بين المواطنين. فالدخل الحقيقي للنصف الأفقر من الشعب ارتفع 21% فقط بين سنتي 1980 و 2014 مقارنة ب 194% لل 1% الأغنى. لذا يشعر الفقراء أن أوضاعهم لم تتحسن بما فيه الكفاية خاصة مقارنة بالأغنياء، فانتخبوا ترامب انتقاما أو لتحسين أوضاعهم. نسبة البطالة الأميركية هي في حدود 4,7% وتحسد عليها، علما أن الاقتصاد يخلق أكثر من 200 ألف فرصة عمل شهريا.

ثقة المستهلكين قوية وأسعار الأسهم مرتفعة ويجب التنويه بسرعة معالجة مشكلة "الركود الكبير" والانتقال منها الى النمو الايجابي المحترم. لكن السياسات "الترامبية" المخفضة للضرائب على الشركات من 35% الى 15% لن تحسن أوضاع الفقراء كما أن سياساته الصحية ستخرج العديد منهم من الرعاية الصحية "الأوبامية" الى المجهول القاسي.

المطلوب من ترامب سريعا رفع معدلات النمو التي وحدها تحسن أوضاع الجميع وترفع مستوى المعيشة خاصة للعمال. كيف يمكن تحقيق هذا الهدف المهم في أي دولة وليس في أميركا فقط؟

زيادة انتاجية العامل أو ساعة العمل

المطلوب سياسات متعددة متجانسة تسمح بالوصول الى الهدف.

أولا: العمل أكثر أي رفع ساعات العمل بالاضافة الى زيادة انتاجية العامل أو ساعة العمل. يمكن تحقيق هذا الهدف عبر الاستثمار أكثر في التدريب والتعليم والتجديد والابتكار. تحتاج أميركا الى عمالة من الخارج كي تحقق هاذين الهدفين، أي عمالة رخيصة ومنتجة كما أدمغة تأتي اليها وتساهم في رفع الانتاجية وزيادة البحبوحة الاقتصادية. تكمن المشكلة أن ترامب هو ضد الهجرة عموما والتي كانت احدى أهم مصادر النجاح الأميركي عبر العقود والقرون الماضية. لن يستطيع الرئيس الأميركي تأمين ما تحتاج اليه الشركات من عمالة وأدمغة من الداخل فقط وهذا معروف حتى في مراكز البحوث الخاصة والرسمية. فالتضييق على التأشيرات لن يصب في مصلحة الاقتصاد الأميركي. يكمن الخوف أيضا من أن العديد من الذين أيدوا ترامب سيخسروا وظائفهم اذا ضاقت الأوضاع الداخلية والخارجية أمام الشركات الأميركية.

ثانيا: هنالك تقدم تكنولوجي عام وواضح لا يمكن مواجهته بالانغلاق الاقتصادي والتجاري. مثلا، هنالك الشاحنات التي تسوق نفسها مما يعني عمليا ادخال السائقين الى جيش العاطلين عن العمل. كيف يمكن معالجة أوضاع 1,7 مليون سائق شاحنة معدل دخلهم الفردي السنوي 42500$؟ لا نرى او نسمع مشروع معالجة لهؤلاء الأشخاص. هل نعالج أوضاعهم ببناء الجدار بين أميركا والمكسيك أو بالغاء أو اعادة المفاوضات بشأن الاتفاق التجاري بين الدول الأميركية الشمالية الثلاث؟ هل نعالج هذه الأوضاع بالغاء اتفاقيات تجارية مع أسيا وأوروبا وادارة الظهر لموضوع التغير المناخي؟

ثالثا: لا يمكن حل الموضوع التجاري عبر التهديد والغاء الاتفاقيات، بل عبر تحسين وتطوير الانتاج الداخلي وتصديره الى الخارج. يحتاج التصدير الى ابقاء الاتفاقيات وتطويرها وليس الى الغائها والى انشاء جدار حقيقي أو معنوي أو نفسي مع الخارج. في سنة 2015، استوردت أميركا ب 482$ مليار دولار من الصين وصدرت اليها ب 116$ مليار دولار. هل تعتبر الصين مذنبة خاصة عندما يكون المستثمرون في الصين غربيون وأميركيون ويساهم الاستيراد في ابقاء التضخم منخفضا في الغرب وفي أميركا تحديدا؟.

الصحة – اولاً وآخراً

من المواضيع الأساسية التي تواجه ترامب اليوم أيضا هي الصحة والتي تشير الاحصائيات الى أن أمراض القلب هي المسبب الرئيسي للموت خاصة المبكر في الولايات المتحدة. هل نقض النظام الحالي دون بديل يساهم في معالجة أمراض القلب والسمانة المسببة لها كما غيرها من الأسباب؟ لم نسمع اهتماما بهذه الأمور الخطيرة التي تتطلب المعالجة الطبية والصحية كما التوعية المباشرة والعلمية. بالرغم من الانفاق الكبير على الصحة، يبقى العمر المرتقب الأميركي منخفضا نسبيا أي 77 سنة مقارنة ب 79 في كل من سويسرا والسويد و 81 سنة في اليابان. هذا بالرغم من أن الولايات المتحدة تنفق 13% من الناتج على الصحة مقارنة ب 11% في سويسرا، 10% في ألمانيا و 9% في فرنسا. ما نسمعه ونعرفه عن مشروع ترامب الصحي لا يعالج مشكلتي الانفاق والنتائج، بل ربما يزيدهما حدة خاصة للطبقات الوسطى وما دون. المطلوب ليس فقط تخفيض التكلفة، بل بناء نظام جديد متكامل وقائي وعلاجي ربما على الطريقة الكندية أو الكوبية حتى لا نقول الأوروبية.

من أهداف الرئيس ترامب الغاء الدين العام خلال 8 سنوات، أي خلال عهديه الحالي واللاحق. هل يمكن له تحقيق هذا الهدف الكبير عبر برنامجه المعلن أي تخفيف الضرائب على الشركات، رفع الانفاق على الدفاع وزيادة الاستثمارات في البنية التحتية. في الواقع نسبة الضريبة على أرباح الشركات الأميركية هي الأعلى بين الدول الصناعية أي 35% (يريد ترامب تخفيضها الى 15%) مقارنة ب 20% في بريطانيا، 16% في ألمانيا، 15% في كندا و 13% في ايرلندا. كما أن الولايات المتحدة تفرض ضريبة 35% على الأرباح المحققة في الخارج (يريد ترامب تخفيضها الى 10%) عندما تدخل الأراضي الأميركية، لذا أبقت الشركات في الخارج مجموع أرباح يبلغ 2,5$ تريليون كان يمكن استثمارها في الاقتصاد. تخفيض الضرائب يمكن أن يكون مفيدا، لكن النتائج المرجوة تأخذ الوقت الطويل كما تشير اليه التجارب الدولية المماثلة. لا بد من أخذ النصائح من المؤسسات الدولية والاستفادة من تجاربها.

تخفيف العجز المالي

أخيرا، هل يمكن أن تؤدي هذه البرامج سوية الى تخفيف العجز المالي وتحقيق فائض سريع لتسديد الدين العام. ينجح ترامب اذا تحقق نمو قوي سريع أي 5% سنويا على الأقل بدأ من 2017، وهذا تفاؤلي نظرا للعلاقات الخارجية المتشنجة مع المكسيك وأوروبا وأسيا. ينجح ترامب اذا تدفقت الاستثمارات الى أميركا وهذا ما يهدف اليه تخفيض النسب الضرائبية على الشركات. لكن الاستثمارات لن تتدفق قبل معالجة العديد من الاجراءات والقوانين التي يحتاج تعديلها أو الغائها الى تعاون مجلسي النواب والشيوخ وهذا ليس مؤكدا كما شهد عليه التصويت على تعيين القاضي التاسع في مجلس القضاء الأعلى وكما يشهد عليه التصويت على الاصلاح الصحي الذي ربما يخلق مشكلة بين المجلسين التشريعيين. في الواقع، يهم النواب والشيوخ اعادة انتخابهم من قبل الشعب ولا يمكنهم المغامرة باصلاحات أو تغييرات ضبابية تسبب لهم الفشل الشعبي.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment