لا تلحق بأحلامك، لا تركب البحر!

10/18/2015 - 14:08 PM

 

 

بقلم فاديا فهد

«إني أغرق... لا أريد أن أموت. ليس غرقاً. ليس هنا. ليس الآن». هذا ما راود أحمد وهو يواجه الأمواج العاتية في عرض البحر. تغمره المياه المالحة من كلّ صوب وتشدّه الى القعر. وتقذفه موجة، فيطفو فوق سطح الماء، كورقة لا قوّة لها. يستجمع قواه ليتخلّص بثوان من حذائه وبنطلونه الجينز الذي يحدّ حركته ويمنعه من السباحة، وهو بالكاد يجيدها. يوشك أن ينجح في مهمته هذه. تجتاحه موجة أخرى، وتقذفه بعنف الى القعر من جديد. يغلبه خوفه. يستجمع نفسه ليقاوم الخوف والموج معاً. يعاود المحاولة. «لا أريد أن أموت. لا أريد أن أموت». حوله، جثث تطفو فوق سطح المياه. يزداد خوفه. ومع الخوف، تزداد عزيمته على المقاومة.

 عندما كان أحمد على متن العبّارة التي تقلّه الى جزيرة كريسماس الأسترالية، أدرك ان المركب الذي ضربته موجة عملاقة، راح يغرق. كان يدعو في سرّه كي لا يحدث ذلك. لكنه حدث.

أحمد استطاع أن يروي تجربته ومعركته مع الموج، فهو واحد من الناجين القلائل من حادثة عبّارة الموت في المحيط الهادئ في ١٣ سبتمبر ٢٠١٣... ابتلعه الموت، ثم لفظه. حالفه الحظ مرتين، مرة لأنه لم يمت في تلك الحادثة المشؤومة، ومرة أخرى لأنه لم يصطحب زوجته وأطفاله الثلاثة في رحلة الأحلام التي انقلبت كابوساً.

باب التبّانة، طرابلس، «غيتو» البؤس والفقر والعوز الذي حاول ان يهرب منه أحمد، ولم يفلح فعاد إليه منكسراً. «أخاطر بكلّ شيء كي أخرج من هنا وأومّن لعائلتي حياة كريمة، يقول أحمد. حتى لو كان عليّ ان أواجه الموت مرة أخرى، في البحر الاندونيسي».

معظم اللبنانيين الذين كانوا على متن تلك العبّارة المشؤومة، من شمال لبنان. من طرابلس وباب التبانة والزهرية وعكار وقبعيت. هنا الحرمان يرزح تحت وطأة البطالة والفقر.. هنا الانتظار في الصفوف الطويلة للحصول على حصّة من الإعانات الإجتماعية... عائلات لبنانية تعيش القهر نفسه. تسكن الأحياء نفسها. تربطها صلة قربى، أو تجمعها صداقات. عائلات تنام وتقوم على الحلم الأسترالي، حيث الحياة الكريمة، ومستقبل الأولاد. الحصول على تأشيرة الى أستراليا شبه مستحيل.ولم يبقَ أمام هؤلاء الا مافيات السفر غير الشرعي تسرق أموالهم وأحلامهم... وتتركهم للمجهول.

«حظوظ النجاة من الموت في عبّارة في المحيط أكبر من حظوظ نجاتك من موت بطيء في باب التبانة»، يقول أحمد. «أنظري من حولك. هل تعرفين أحداً يحبّ العيش في مكان كهذا؟».

قصّة أحمد ومأساته، هي تحيّة الى أرواح مئات اللبنانيين والسوريين والمغاربة والتونسيين والليبيين، الذين يركبون البحر يومياً طامعين في حياة كريمة في وطن بديل، فيموتون في الأزرق الواسع، بلا هوية ولا حتى شاهد يشهد على أسمائهم... وأحلامهم. أطفال ونساء ورجال لم تحضنهم أوطانهم بحنان، ولم تقدّم لهم أبسط مكوّنات العيش الكريم: لقمة العيش والأمن. راحوا يبحثون عن حياة أفضل، فوقعوا فريسة مافايات البشر وغضب البحار.

والسؤال: كيف ينام الزعيم أو الحاكم أو الوزير أو النائب العربي على مخدّته الوثيرة بضمير مرتاح هانئ، بينما ينام شعبه في قعر البحار وبطون أسماك القرش؟.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment