النظام الصحي واقتصاد السوق

04/25/2017 - 13:40 PM

Bt

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هل يمكن اعتماد نظام السوق في القطاع الصحي؟ يطرح الموضوع اليوم مع محاولة الغاء النظام الصحي الأميركي المعروف ب"أوباما كير" الذي يعترض عليه الرئيس ترامب بسبب تكلفته العالية ويريد استبداله بنظام آخر يدخل عامل السوق الى القطاع كي ينتج عنه السعر المتوازن الأفضل. يريد "ترامب" الغاء نظام أوباما في وقت لا تتضح له البدائل المناسبة. يريد أن يسمح للمواطن الأميركي باختيار عنايته الصحية وشركات التأمين، أي ادخال المنافسة الى القطاع مما يحسن نظريا من الخدمة ويخفض التكلفة. محاولات "ترامب" حتى اليوم باءت بالفشل لغياب البديل المناسب ولعدم رغبة مجلسي الشيوخ والنواب ترك ملايين الأميركيين دون أي غطاء صحي.

الكفاءة العلمية لاختيار الأنسب

السؤال الرئيسي هو هل يملك المواطن المعلومات الكافية لاختيار مقدم الخدمة الصحية له؟ ليس مؤكدا اذ أن المواطن العادي لا يتمتع بالكفاءة العلمية لاختيار الأنسب. نظام السوق ينشر كل المعلومات للجميع لاختيار الأفضل، وهذا ليس متوافرا عموما في الصحة. هنا تكمن جدوى تدخل القطاع العام لتغطية النواقص الموجودة في المعلومات والعلم والنوعية.

من الضروري أن نبدأ بتحديد معنى الرعاية الصحية. هل هي معالجة الأمراض وتجنب الوقوع في المرض أي العناية، أم أن الموضوع أكبر؟ تعرف منظمة الصحة العالمية الصحة الجيدة بالوضع المقبول من النواحي البدنية والعقلية والنفسية والروحية والثقافية كما الاجتماعية، وليس فقط غياب المرض أو وعدم جود اعاقة. فالصحة الجيدة هي نظام متكامل مترابط ينتج عنه انسان جيد صحيا وعقليا ومنتجا. فالصحة الجيدة هي نظام عام في المجتمع وليس موضوع فرد أو انسان.

فالصحة اذا مرتبطة بأوضاع المجتمع وتؤدي الى مناخات سعيدة ومريحة ينتج عنها أعمال فاضلة وجيدة للجميع. تتأثر الصحة بأمور كثيرة مترابطة منها التغير المناخي وتوافر الغذاء في الكمية والنوعية وتواجد المستشفيات ومراكز المعالجة الجيدة وغيرها. المجتمع الصحي هو مجتمع نظيف يحترم البيئة ويعالج النفايات ويمنع انتشار وانتقال الأمراض.

اختلاف كبير في المعلومات والعلم

كتب الاقتصادي الكبير "كينيث أررو" الحائز على جائزة نوبل للاقتصاد لسنة 1972 دراسة تقول بأن اسواق الصحة مختلفة جدا عن الأسواق الأخرى. ان الحاجة الى الصحة غير معروفة أو مفاجئة أي مختلفة عن حاجة الانسان الى الطعام أو الثياب أو النزهة أو غيرها من الحاجات العادية. أما علاقة المواطن بالطبيب فهي فريدة من نوعها وترتكز على الثقة والاهتمام والعلاقة الجيدة المتجانسة. هنالك اختلاف كبير في المعلومات والعلم بين طالب الخدمة ومقدمها مما يمنع الوصول الى النتيجة الفضلى كما يحصل في العديد من السلع والخدمات الأخرى. هذا يعني انه ليس من الممكن لطالب الخدمة الصحية اتخاذ القرار المناسب خاصة وانه يجهل التكلفة النهائية التي يمكن أن تكون أضعاف ما توقع.

بالرغم من أن المعلومات بسبب الأنترنت أصبحت متوافرة أكثر للمواطن ويمكنه بالتالي تجنب العديد من الأخطاء، الا أن المفاجاءات تبقى ممكنة بل تحصل كثيرا. عامل الثقة يبقى الأهم ليس فقط تجاه الطبيب وانما مع شركات الأدوية والسلع الصحية التي لا يمكن للمواطن وحتى للطبيب أحيانا معرفة محتواها وتقييم نتائجها. يترك المواطن عمليا حياته وصحته في يد شركات تجارية تبغي الربح وتنتج هذه السلع التي يمكن أن لا تعطي النتائج المنتظرة بل عكسها أحيانا. شهدنا العديد من الدعاوى القضائية في هذه المواضيع. لا بد من القول أن الشركات أو المستشفيات التي لا تحترم مصلحة المواطن ولا تقدم له الخدمات الفضلى تخسر في السوق، وبالتالي لا مصلحة لها في الاساءة لجني الأرباح. في المجتمع، الناس تعرف عموما الطبيب الأفضل والمستشفى الأفضل وبالتالي تبقى السمعة في غاية الأهمية.

خصائص الانفاق على الصحة

ما هي خصائص الانفاق على الصحة ولماذا تميز الصحة دائما عن غيرها من الخدمات؟ الانفاق الصحي مبني على الثقة شرط أن تكون في محلها. اذا غابت الثقة انهارت العلاقة بين المواطن والطبيب أو بين المواطن ومقدم الخدمات من مستشفى أو مستوصف أو عيادة أو غيرها.

أولا: عندما يأخذ الانسان قرارا بشأن الصحة، لا يملك عندها كل المعلومات عن أوضاعه. فربما تحصل مفاجاءات وتكون التكلفة أعلى. كما تؤخذ هذه القرارات عموما من دون بحث عن النوعية والتكلفة. أي لا يقوم الانسان بالتفتيش عن الخدمات الصحية الأدنى تكلفة والأعلى نوعية قبل أن يقوم بها كما يفعل بالنسبة للخدمات والسلع الأخرى.

ثانيا: عندما يسدد المواطن او الجهة المعينة التكلفة، ليس بالسهولة مقارنة السعر بما قدم له. هل كانت كل الفحوص الطبية ضرورية؟ هل تمت استشارة الأطباء المتخصصين أو كانت هنالك افضليات مبنية على الصداقات أو المعرفة الشخصية؟ هل تم تقديم أفضل الخدمات بأقصى السرعة الممكنة؟ من هي الجهات التي يمكن أن تبت بالموضوع؟ تكمن المشكلة أيضا في أن التكلفة مرتبطة بالعلاجات والأدوية التي استعملت وليس بالنتائج. من الممكن أن تكون التكلفة مرتفعة ويموت المريض أو يخرج بصحة أسواء أو لا تعالج مشكلته الا جزئيا.

خصائص الانفاق على الصحة؟

ليس هنالك نظامان صحيان متشابهان في النوعية والخصائص والشروط وخصوصا في التمويل. هنالك ركائز أساسية يجب معالجتها أو الاتفاق عليها عند بناء نظام صحي وطني مرتكز على تعاون ومشاركة القطاعين العام والخاص:

أولا: ما هي أهداف النظام الصحي؟ ادخال الجميع اليه وما هي الشروط؟ بل ما هي الخدمات التي تقدم مجانا أو بمشاركة المستفيد أو على نفقة المريض؟ من يقدم الخدمات الصحية؟ القطاع العام أو الخاص أو سوية وكيف. هنالك خصائص مختلفة للأنظمة الصحية تبدأ من النظام الفرنسي الى الأميركي والكندي والبريطاني والكوبي الى آخر الأشكال والألوان.

ثانيا: كيف سيتم التمويل؟ هل تأتي من الضرائب العامة أو من مشاركة المستفيد عندما يحصل على الخدمة أو من تبرعات المنظمات الخيرية العالمية والمحلية كما من تبرعات القطاع الخاص. في رأينا، لا بد من مشاركة المستفيد في جزء من التكلفة لمنع الهدر أو سوء الاستعمال أو الابتزاز أو غيرها من التصرفات التي تحصل عندما تكون السلعة أو الخدمة مجانية. في بريطانيا وكندا واستراليا، تمول الصحة خاصة من الضرائب العامة على عكس فرنسا وألمانيا وسويسرا حيث يأتي معظم التمويل من الضرائب المتخصصة للقطاع. في الولايات المتحدة، يلعب القطاع الخاص وشركات التأمين كما المستفيد الدور التمويلي الأكبر مما يمنع عمليا الفقير من معالجة مشاكله الصحية. من هنا أتى نظام أوباما لادخال الجميع الى العناية الصحية.

ثالثا: كيف يتم توزيع المخاطر لتخفيفها. تطور الصحة يخضع للتقلب ولا يمكن تنبؤ ما يمكن أن يحصل على الصعيدين الفردي كما العام. كيف يمكن مواجهة المخاطر أو تجميعها لتخفيفها بحيث تنخفض التكلفة ويتحضر المجتمع للمواجهة؟

في كل حال، ادخال نظام السوق الى قطاع الصحة يرتكز على عاملين أساسيين سينتجان نجاحا أو فشلا في مشروع ترامب وهما:

أولا: العامل الاقتصادي أي هل سيؤدي ادخال عمليات العرض والطلب الحرة الى الصحة الى خدمات أفضل وبتكلفة أدنى عما هو عليه اليوم؟ في تجربة تقديم خدمات "الليزر" الحرة للعيون، خفت التكلفة خلال 20 سنة من 2200$ لكل عين الى 250$ وتحسنت الخدمة بسبب التكنولوجيا والعلم علما أنها لا تغطى عموما من قبل شركات التأمين.

ثانيا: العامل النفسي أي هل يرتاح المواطن الى اتخاذ قرارات الصحة بنفسه أو يفضل نقلها الى متخصصين يفهمون أكثر منه حتى لو تم الغش من وقت لآخر؟ نعيش للأسف في مجتمعات تفتقر الى الثقة ويعمها القلق والخوف وبالتالي لا نريد المزيد منهما.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment