النتائج الاقتصادية وضرورة التغيير

04/12/2017 - 10:37 AM

Newest Banner

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا شك أن تطبيق المبادئ الاقتصادية القديمة على مدى عقود انتج ارتفاعا في فجوة الدخل والثروة في كل الدول وبالتالي فاز البركسيت كما انتصر ترامب والحلقة مستمرة. هنالك عدم ارتياح واضح للنتائج على الأرض كما أظهرته محاضرات الجمعية الأميركية للاقتصاد في مؤتمرها في بداية السنة في مدينة شيكاغو.

الاقتصاد الحالي

يمكن وصف الاقتصاد الحالي بالتالي:

أولا: في المستويات العالمية، ينخفض معدل الأسعار نتيجة المنافسة والارتفاع المتواصل السابق في الانتاجية. ينتج عنهما ارتفاع مستوى المعيشة وان يكن بنسب متفاوتة بين الدول بسبب السياسة والمؤسسات والقوانين.

ثانيا: تتغير العلاقات في أماكن العمل من عامودية سابقا أي عبر الأوامر والتنفيذ، الى أفقية اليوم توثق بعقود بين فرقاء العمل مع تكليف جهات خارجية بمهمات كالانشاء والصيانة والتجهيز وتوفير المواد الأولية والاستشارات وغيرها.

ثالثا: هنالك ارتفاع للاستدانة على مستوى الأفراد والشركات وحتى للقطاع العام بنسب تفوق ارتفاع الدخل أو الايرادات. هذا يعني أن التمويل المقبل للنشاطات الاقتصادية يجب أن يأتي من الادخار وليس من الاقتراض منعا لحدوث فقاعات جديدة كما حدث في سنة 2008.

رابعا: لا يمكن مقاومة التقدم التكنولوجي في جميع أقسام الاقتصاد. من لا يتابع التطور سيتقاعد باكرا حكما. لا رحمة تجاه من يتجاهل التطور التكنولوجي حتى في الاستهلاك. يسير المجتمع اليوم بخطى سريعة ومن لا يلحق به يترك لشأنه، ولن ينقذه أحد لأن الجميع مهمك بالسباق الاقتصادي التقني.

خامسا: هنالك تغيرات كبيرة في أسواق العمل لأن الاقتصادات ستعتمد أكثر فأكثر على التجدد والابتكار وبالتالي على الشركات الصغيرة المبتكرة. وظائف اليوم والغد ستكون في امتلاك وادارة الشركات الحديثة أكثر منها في الشركات الكبيرة أو القطاع العام.

علم الثروة وعلم الانسان

قال أحد مؤسسي العلوم الاقتصادية "الفرد مارشال" أن الاقتصاد هو في نفس الوقت علم الثروة وعلم الانسان، أي يغطي كيف تجمع الثروة وكيف تتوزع بين مكونات المجتمع. هذه العلوم هي اذا مادية وانسانية واخلاقية. هنالك 4 مدارس أساسية تتابعت في تأثيرها على المجتمعات أولها في القرن الثامن عشر "المدرسة الطبيعية" التي ركزت على الزراعة وأهميتها، حيث اعتبرت انها المصدر الأهم لتسديد الدين العام. تبعتها في بداية القرن التاسع عشر مدرسة أسسها "دايفيد ريكاردو" ركزت على "الميزات التفاضلية" والتجارة الحرة كمصدرين للثروة.

في القرن التاسع عشر تأسست المدرسة الكلاسيكية التي ركزت على المنافسة كمصدر للتقدم والتطور. ثم في منتصف القرن العشرين، أتت المدرسة الكينيزية لتؤكد على وجود توازن اقتصادي عام لا يؤمن فرص عمل للجميع أي عكس ما كانت تبشر به المدارس الكلاسيكية منذ "أدام سميث". في المدارس الحديثة هنالك اثنتان رئيسيتان هي الكينيزية الجديدة ومن قياداتها "جوزيف ستيغليتز" و"بول كروغمان" والكلاسيكية الجديدة برعاية "روبرت لوكاس" و"روبرت باررو".

يقول الفيلسوف الفرنسي "جان بول سارتر" أن العدو المباشر للمفكر الجيد هو المفكر المزيف. فكم نحن بحاجة لمفكرين حقيقيين وفي نفس الوقت لرفض المفكرين المزيفين الذين يتكاثرون. هنالك دائما وفي جميع المجتمعات من يحاول العودة الى الوراء والأمثلة عديدة حتى في الدول العربية. هنالك من يحاول تجاهل البراهين والوثائق. مثلا، تقول منظمة الصحة العالمية أن هنالك 100 مليون شخص ماتوا من التدخين في القرن العشرين. هنالك من يرفض هذه الحقيقة. هذا الأمر مشابه لمن ينكر وجود تغير مناخي بل سخونة أرضية تقتل الانسان والأرض والحيوان. ما يدعو للعجب أن الرئيس الأميركي الجديد يقول أن التغير المناخي بدعة أو كذبة هدفها تأخير التقدم الصناعي الأميركي لحساب الصين. هل هذا مقبول؟ لا يمكن لرفض وقائع وعلم أن يسوق عالميا الا اذا اعتمد على ركائز ثلاث هي نوعية أو مركز الذي يقوم به، محاولة الصاق التهمة بمصادر أخرى لرفع الشك وثم فن أو حسن تسويق المنطق المعاكس.

لا شك أن الرئيس ترامب يعتمد على الصفة الأولى، فهو رئيس الولايات المتحدة. يحاول النجاح في الصفة الثانية أي الصاق التهمة بالصين لكنه يفتقد الى الصفة الثالثة أي حسن التسويق وبالتالي لن ينجح في هذه القضية.

ما هي السياسات المطلوبة لمحاولة التقدم في الظروف الاقتصادية الدولية الحالية؟

أولا: البقاء على أسعار الفوائد المنخفضة، لكن الأمور تسير عكس ذلك مع رفع الفائدة الأساسية الأميركية مرتين وامكانية رفعها مجددا في الأشهر المقبلة. هذا يرفع تكلفة الاقتراض ليس فقط في أميركا بل في كل الدول التي تربط نقدها بالدولار، منها دول مجلس التعاون الخليجي ولبنان والعديد من الدول الأخرى. رفع الفائدة يقوي الدولار وبالتالي يسيء الى الصادرات الأميركية والى الميزان التجاري الذي يحاول الرئيس الجديد تخفيف عجزه. ما يناسب أميركا اليوم اقتصاديا ونقديا وماليا ربما لا يناسبنا عربيا علما أن ربط معظم النقد العربي بالدولار هو خيارنا وليس مفروضا. من هنا ضرورة التفكير بتغيير السياسة النقدية عندما تصبح الظروف ملائمة والمصالح واضحة أكثر.

ثانيا: تنفيذ جميع السياسات التي تقوي الانتاجية. أميركا تشكو من ضعف الانتاجية لديها وهنالك دراسات مهمة قام بها "روبرت غوردون" و ستانلي فيشر" تؤكد ذلك. ما المطلوب لرفع الانتاجية ليس فقط في أميركا وانما في كل الدول أيضا؟ المبادئ نفسها وهي تجديد وتطوير وتحسين البنية التحتية مهما كلفت، رفع مستوى التعليم بدأ من المدرسة حيث الركيزة التعليمية الأساسية، زيادة الاستثمارات الخاصة وتنشيط القطاع الخاص أي تسهيل أعماله في القوانين والاجراءات كما تشجيع البحوث في كل الميادين.

ثالثا: الانفاق المتزايد على الدفاع وخاصة النووي، وهذا ما وعدنا به من قبل الرئيسين ترامب وبوتين. ما الجدوى منه خاصة وأن الحروب الكبيرة أصبحت عمليا مستحيلة؟ هل الهدف الدفاع والأمن أم الأعمال وتحويل العديد من الايرادات العامة الى شركات الأسلحة. فموازنات الدفاع لسنة 2015، بلغت في الولايات المتحدة 596 مليار دولار تبعتها الصين 215، السعودية 87,2، روسيا 66,4 وبريطانيا 55,5 مليار دولار. في صادرات الأسلحة ونسبتها من الرقم العالمي، تحصل الولايات المتحدة على 32,8% ثم روسيا 25,4%، الصين 5,9%، فرنسا 5,6% وألمانيا 4,7%. لا شك أن تجارة الأسلحة تحرك الاقتصادات المنتجة في العمالة والصادرات وأرقام النمو.

رابعا: من الضروري أن تفكر دول العالم بقطاعات منتجة جديدة تساهم في رفع الانتاجية وتطوير الاقتصادات وايجاد فرص عمل تعجز عنها القطاعات الاقتصادية الحالية. مصادر الثروة تغيرت بل انتقلت من الصناعات الثقيلة الى الأخرى المعتمدة على التكنولوجيا والبحوث منها في القطاعات الطبية والمخبرية وعلوم الحياة وفي تطوير الآليات التي تخدم المسنين.

فالدول الغربية تعاني من نقص في الولادات وبالتالي ستحتاج مع الوقت الى من يخدم المسنين ليس من البشر وانما من الانسان الآلي الذي يعمل دون تعب وبفعالية كبيرة. هنالك حاجة لتطوير قطاعات المعلومات لكافة الصناعات بحيث تتعزز الشفافية ويصبح تقدم العلوم أسهل.

هنالك ضرورة دائمة للبحث عن أسواق جديدة في قارات لم تعرف بعد العديد من الأسواق وبالتالي هنالك حاجة دائمة لتعلم اللغات بحيث تتواصل الشعوب بعضها مع بعض. التغيير ضروري والاتجاه واضح لكن المشكلة تكمن في التنفيذ.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment