المصارف الخليجية والاستقرار المالي

03/30/2017 - 11:35 AM

Solar

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

انخفاض سعر برميل النفط فرض عمليا التفتيش عن مصادر ايرادات ايضافية أو جديدة للدول المنتجة والمصدرة وفي طليعتها دول مجلس التعاون الخليجي. هنالك استثمارات في الخارج تعطي عائدا محترما، الا أن الأسواق المالية العالمية تتأرجح دائما بين الربح والخسارة وبالتالي لا يمكن الاتكال عليها كثيرا.

حالياً قسم كبير من الايرادات المالية ومدخول الصادرات يأتي من النفط وبالتالي انخفضت ايرادات دول مجلس التعاون 275$ مليار بين سنتي 2014 و 2015. في الأرقام وبين سنتي 2011 و 2014، بلغت قيمة الصادرات النفطية 70% من مجموع صادرات السلع والخدمات في دول مجلس التعاون الخليجي و 80% من الايرادات المالية العامة أو 37% من الناتج. ضمن الايرادات غير النفطية، حصة الضرائب قليلة جدا أي 1,6% من الناتج معظمها ضرائب جمركية.

التقدم الحاصل في التنويع الانتاجي

لم تتغير هذه النسب كثيرا مع الوقت بالرغم من التقدم الحاصل في التنويع الانتاجي خاصة باتجاه الصناعة. تكمن المشكلة في الاقتصادات النفطية في أن القطاعات غير النفطية تتأثر كثيرا بالنفطية من ناحية البيع والاستهلاك وحتى الاستثمارات كما تتأثر بانقاق الدولة وبالتالي تعتمد على موازناتها. تتأثر كلها في نموها ووظائفها حتى تلك التي لا علاقة لها مباشرة بالنفط. المطلوب تقوية القطاع الخاص لتخفيف الاتكال على الموازنات العامة، وذلك لاستيعاب مليوني عامل ايضافي من المتوقع أن ينضموا في دول مجلس التعاون الى صفوف اليد العاملة. الموازنات تعجز ونسب النمو تنخفض وبالتالي وجب التحرك سريعا. تغيرات كبيرة خطيرة كلها بفضل عامل واحد هو سعر النفط يخرج أكثر فأكثر عن سيطرة دول المنطقة.

لذا من الطبيعي أن يجري التفكير عمليا بوضع ضرائب للتعويض عن انخفاض الايرادات، منها الضريبة على القيمة المضافة وغيرها وربما لاحقا ضريبة على الدخل. صعوبة الادخال الضرائبي لا يعتمد فقط على قوننتها وتجديد خصائصها ونسبها، وانما يفرض تغييرات كبيرة في العلاقة بين الدولة والمواطن لا تلحظها الأنظمة الحالية. يصبح المواطن مع الضرائب شريكا أكبر وأفعل في كل شيء، وبالتالي تتغير معالم الدول والأنظمة الاقتصادية والمالية.

من نتائج الأوضاع المالية الحالية أيضا تخفيف الدعم عن السلع والخدمات، وضع تعريفات على الخدمات العامة، تخفيف المساعدات والهبات وضبط الانفاق العام بما فيها الأجور والاستثمارات وهذا ما بدأ يحصل منذ أشهر وسيتعمق أكثر في الفترات القصيرة المقبلة. من النتائج رفع أسعار المحروقات على المستهلك وهي الأدنى عالميا حتى مقارنة بالولايات المتحدة. هنالك ادارة مالية أكثر صرامة لا تعتمد فقط على التقشف بل تدخل معايير الشفافية والمحاسبة بشكل أكبر وأدق.

زيادة الاحتياطي النقدي

ليس هنالك خوف على الأوضاع الاقتصادية في دول مجلس التعاون الخليجي لأنها أحسنت زيادة الاحتياطي النقدي لديها في السنوات القليلة الماضية. واذا كان معيار السلامة الدولي يكمن في حيازة الدولة على ما يكفي لتغطية 4 أشهر من الواردات، نرى أنها تصل في سنة 2016 الى 7 أشهر لكل من الكويت وقطر، 4,4 أشهر لعمان، 27 شهرا للسعودية و 3 أشهر لكل من الامارات والبحرين وهي متدنية اذ تعود الى تنوع الاقتصادين بشكل أفضل مقارنة مع الأربعة الأخرى. كما أن المصارف التي اعتمدت في الماضي على النفط في الودائع والقروض ستتمكن من توزيع نشاطها للتعويض عن نتائج التغيرات الحالية بالرغم من ترابط أصحاب رؤوس الأموال عبر القطاعات. هنالك ضرورة لتفعيل القطاعات المالية دوريا تجنبا لمفاجاءات يمكن أن تحصل كما جرى في أميركا وأوروبا في سنة 2008.

المعروف عن المصارف الخليجية أنها تطبق معايير "بازل" بشكل دقيق وبالتالي قوية في رؤوس أموالها وسيولتها وفي حسن ادارتها للقروض مما ينعكس سلامة واضحة في موازناتها وحساباتها. في الأحجام، تبلغ الأصول المصرفية الوطنية 260% من ناتج البحرين، 165% من ناتج الكويت، 121% من ناتج عمان، 149% من نتج قطر، 93% من ناتج السعودية و 193% من ناتج الامارات. كما أن قيمة أسهمها في البورصة تبلغ حوالي 70% من الناتج كمعدل.

مصارف كبيرة تتمتع بالنوعية في الادارة والخبرات التقنية كما لها حجم يجعلها مؤثرة ليس فقط في الاقتصادات الخليجية وانما العربية عموما. في نسبة القروض من الودائع، تصل الى 89% في المصارف الخليجية مقارنة ب 122% في كندا، 115% في النروج و معدل 109% في مجموعة الدول الناشئة. في عائد الأصول، يصل الى 1,8% في المصارف الخليجية مقابل 1,1% في كندا، 0,8% في النروج ومعدل 1,8% في الدول الناشئة. في كافة المؤشرات الأخرى منها المرتبطة بكفاءة رأس المال وسياسة الاقراض وغيرها، تأتي المصارف الخليجية في الطليعة مما يشهد الى حسن وكفاءة وسلامة الادارة.

الاستقرارين المالي والاقتصادي

ما هي الأهداف المستقبلية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي لضمان استمرار الاستقرارين المالي والاقتصادي؟

أولا: تنشيط القطاعات البديلة عن النفط والتي لها أمل كبير في النجاح ومنها السياحة والتنويع المالي بما فيه قطاع التأمين. للصناعات المعتمدة على التكنولوجيا أمل كبير أيضا في النجاح لأن رؤوس الأموال موجودة واليد العاملة متوافرة في الداخل الخليجي أو في المنطقة العربية. تصدر منظمة الخليج للاستشارات الصناعية من الدوحة دراسات قيمة عن التوجهات المستقبلية في الحقل الصناعي يمكن الاعتماد عليها. يمكن أيضا استيراد الطاقات العلمية الكبيرة من الغرب أو روسيا اذا لزم الأمر.

ثانيا: الاستمرار في التنبه للانفاق أي تخفيف القسم غير المجدي أو بالأحرى ترشيد الانفاق العام، أي الاستفادة من الضائقة النسبية الحالية لتحسين وتطوير الأنظمة المالية. يمكن تجنب الاستثمار في المشاريع الفضفاضة التي تشكل رسالات الى العالم أكثر مما هي مجدية ماليا واقتصاديا واجتماعيا. هنالك تفكير ايجابي مهم يعتمد على رؤية مستقبلية واضحة ك 2030 السعودية وما يشبهها في الدول الأخرى.

ثالثا: دعم الفكر والتجدد والعلوم لأنها ركيزة الحاضر والمستقبل. ما تقوم به الدول الخليجية اليوم من دعم للفكر وللشركات الصغيرة والمتوسطة ممتاز ويمكن زيادته وتشجيع الابتكارات ليس فقط الخليجية وانما العربية بشكل عام. اذا استطاعت اسرائيل انتاج براءات اختراع عديدة ومهمة، فلم لا نستطيع عربيا التفوق عليها؟

رابعا: الاستمرار في أنسنة العلاقات مع العمالة كما المستثمرين الأجانب، وهنالك تقدم واضح في هذا الايطار الا أن الطريق ما زالت طويلة ومن الأفضل الاسراع قليلا في تحديث وتغيير القوانين والاجراءات للحصول على أفضل الشروط والنتائج. العالم لن ينتظرنا وهنالك مناطق أخرى جاذبة منافسة في أوروبا وأميركا اللاتينية وغيرها.

خامسا: لا بد من ادخال ضرائب جديدة ومشروع الضريبة على القيمة المضافة جيد وان يكن بنسبة قليلة في البداية. في النسب الضرائبية على القيمة المضافة، تبلغ 5% في نيجيريا، 25% في النروج، 10% في اندونيسيا، 5% في كندا، 17% في الجزائر، 10% في لبنان، 16% في الأردن، 7% في سنغافورة، 5% في اليابان و 15% في نيوزيلاندا. في الدول الخليجية التي تعتبر اقتصادات مستهلكة، لا بد وأن تحصل ايرادات الضريبة على القيمة المضافة أرقاما مهمة حتى مع نسبة ضريبية منخفضة أي 5%. الواضح، أن التحضير لها يجري بسرعة ومهنية، ولا بد من أن تنجح تماما كما كان وما زال الحال في لبنان.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment