لماذا العـدّ التراجعي؟

02/21/2017 - 12:50 PM

Bt

 

الدكتور حسن بزي

انتهى القرن الماضي من عمر العالم وانتهت معه سلسلة من الأحداث الكبيرة الفاصلة جعلته قرن الرعب الكبير، على يد مجموعة من النماذج: هتلر، موسوليني، ستالين، ماو تسي تونغ، فرانكو، تشان كاي تشيك وترومان.... برزت أسماؤهم من خلال حروب عالمية وحملات عسكرية، طحنت الملايين من البشر تحت شعارحماية العالم وإعادة بنائه. وهو ما يذكرنا بحملات الفاتحين على بلاد الشرق في التاريخ القديم، من كلدان وأشوريين وفرس ويونان ورومان، والتاريخ الوسيط من صليبيين ومغول وتتار وأتراك والتاريخ الحديث والمعاصر من إنكليز وفرنسيين وأوروبيين.

الدكتاتورية والديموقراطية

فبأية مئوية سيبدأ هذا القرن وما هي الأحداث التي ظهرت أو ستظهر فيه؟ العالم كما نراه، هو متجدد كل يوم وكل لحظة في حالة صراع متواصل بين الخير والشر بين العلم والجهل بين العقل والغريزة وفي مجال السلطة، صراع ٌ بين الظلم والعدل بين الدكتاتورية والديموقراطية بين الحرية والعبودية بين الإستقلال والإستعمار بين التخطيط للمستقبل والغوص في دهاليز الماضي والسلفية....

العالم مر بمجموعة من التغيرات: ماوتسي تونغ ومسيرة الصين الكبرى، غاندي والحرية لـ 300 مليون هندي يعيشون اليوم في بلد نسي العوز بعد أن كان مضرب مثل للفقر والمجاعة. دول تنموا وتتطور، أندونيسيا سنغافورة، تايوان، اليابان، كوريا، البرازيل… بالإضافة إلى العديد من بلدان أوروبا الشرقية وأفريقية وأميركية، والقافلة تطول من دول استطاعت أن تحول أوضاعها جذريا ً نحو الأفضل في مختلف المجالات من إقتصادية وسياسية وإجتماعية وغيرها… فماذا عن الوطن العربي؟.

المسار التطوري للمجتمعات

عالمنا العربي أصبح يعيش في أوضاع خاصة بعيدة عن المسار التطوري للمجتمعات، حيث نجد السلفي والإرهابي يخلف الدكتاتور وتحولت الشعوب العربية عبيدا للقذافي لفترة دامت 40 عاماً في ليبيا، وهو برتبة ملازم، أصبح صدره لا يتسع للأوسمة والتي لا نعرف متى نالها وبعد أية معارك خاضها وانتصربها، وهي تذكرنا بأوسمة وزير الدفاع السوري، مصطفى طلاس التي نالها جميعا ً بعد هزيمة حزيران 1967.

 الحرب الأهلية في لبنان كلفت 200 ألف قتيل بهدف إسقاط المارونية السياسية، وقبل لبنان، ضاعت فلسطين وضاع معها ما تبقى من الأرض والكرامة في ظل أنظمة ادعت الثورة والتحرير وهي في الخفاء، أبرمت المعاهدات السرية مع العدو الصهيوني وحملت الأمة العربية من هزيمة إلى هزيمة. في العراق انفرط الجيش العراقي وضاع معه العراق في أتون التقسيم والطائفية وأصبح لقمة سائغة للتكفيريين والداعشيين الذين عاثوا فيه فسادا ً ونهبوا خيراته وآثاره ومتاحفه... بعد أن أصبح نصف الشعب العراقي مشرد ومهاجر. في سوريا، أكثر من نصف مساحتها محتلة ونصف سكانها مهجرون، عدا عن القتلى والموقوفين...

ووصاية الدول الإستعمارية

عرفت بعض الدول العربية نوعا ً من الديموقراطيات والبرلمانات والدساتيرفي ظل مرحلة الإستعمار ووصاية الدول الإستعمارية، ولكن ما لبث أن تغيرالحال في مرحلة لاحقة ليخضع العرب لمجموعة من الإنقلابات وحكم العسكر، من خلال أنظمة دكتاتورية صادرت كل شكل ٍ من أشكال الديموقراطية وفرضت حكم التوريث وسيطرة طبقة من الفساد والمفسدين وأخذت هذه الأنظمة العروبة والعرب إلى حالة من الإرتهان للخارج وفريسة سائغة لكل مخططات الظلام: من سايكس - بيكو إلى "وعد بلفور" و"سان ريمو" ومشروع "كيسنجر" التقسيمي ومخطط "برناند لويس" التفتيتي...

أما حماية الأقليات فهي "موديل" قديم ظهر واضحا ً مع المد الإستعماري وأطماع الدول في أراضي الدولة العثمانية التي أصدرت "الخط الهمايوني" (1856) لإعطاء حقوق مدنية وحكم ذاتي لهذه الأقليات، لتصبح بالنهاية اللقمة السائغة للوصاية والتدخل بشؤونها وشؤون السلطنة بحجة حماية هذه الأقليات عبر القناصل والإرساليات الدينية والتعليمية والتجار...

المد القومي مع عبد الناصر

عروبة القرن العشرين التي أشعلت وهج المد القومي مع عبد الناصر والمسيحية المشرقية مع كوكبة من الرواد التي كان من رموزها فارس الخوري وقسطنطين زريق والبطرك المعوشي والبابا شنودة، دون أن ننسى رواد الأدب والشعر، المسرح والسينما، الصحافة والحريات، القانون والقضاء، من جبران إلى بشارة الخوري، مي زيادة، جرجي زيدان، فؤاد صروف، الأخوان تقلا صاحبا “الأهرام”....

ماذا نقارن اليوم بالأمس؟ هل نقارن محمد عبده وجمال الدين الأفغاني بأيمن الظواهري وأبي بكر البغدادي؟ وهل نقارن زينب الوكيل، زوجة النحاس باشا، التي باعت سيارتها لتشتري دواء، بسوزان مبارك التي ترأست كل جمعيات مصر كمصدر للثروة، أو ثروة ومجوهرات ليلى زين العابدين بن علي....؟ حبل المقارنة يطول ويطول فإلى متى هذا الإنحدار نحو أسفل ٍ لا قعر له؟>

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment