الاقتصادات النفطية بين النامية والناشئة

02/17/2017 - 10:47 AM

Qatar Airways

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

ما الفرق بين مجموعتي الدول النامية والناشئة وأين تقع الدول النفطية؟ من ناحيتي التضخم والخلل القطاعي، تتقارب النفطية جدا من الدول النامية. لكنها في نفس الوقت تتمتع بفائض كبير في ميزان المدفوعات ونسبة عالية من الادخار ونقص في اليد العاملة الوطنية يقربها من الدول الناشئة.

ما هي الخصائص الاقتصاية للدول النامية؟.

أولا: انتاجية ضعيفة واقتصاد غير متنوع نتيجة رؤوس الأموال القليلة والادخار الداخلي غير الكافي. لماذا تكون الانتاجية ضعيفة وهي الأساس؟ بسبب التعليم غير المناسب بل المتاخر كما بسبب الصحة المتدنية أي أمراض جدية تؤثر على العقل والنشاط الانساني وبالتالي على واقعه ومستقبله. ينقص هذه الدول كفاءات كبيرة في القيادة ليس فقط علميا وانما في النزاهة. هنالك بعض القيادات تسرق الشعب وبالتالي لا تستثمر الايرادات جيدا في المستقبل.

ثانيا: فائض في العمالة مع انتاجية ضعيفة مما ينتج عنهما بطالة مرتفعة وسوء استعمال لليد العاملة الموجودة. من خصائص هذه الدول نسب انجاب سكاني مرتفعة أي دخل فردي منخفض وأحيانا يتناقص مع الوقت. لذا وضعت الصين سياسة الطفل الواحد لانقاذ نفسها من الفقر، وها هي تعدل هذه السياسة اليوم بعد زوال المشكلة.

ثالثا: هنالك سوء توازن بين القطاعات وداخلها لا يتناسبان مع الموارد المادية والانسانية المتوافرة. هنالك قطاعات متطورة وأخرى متأخرة مما يعني أن مستوى التنمية غير متجانس لا بين القطاعات ولا بين المناطق. معظم الاقتصادات النامية يتكل على انتاج سلعة واحدة غذائية كالبن أو الشاي أو القمح أو الذرى أو غيرها، أو معدنية كالحديد والفولاذ والنحاس وغيرها. فالقطاعات والمناطق المرتبطة تتعزز على حساب الأخرى مما يحدث خللا في النمو والتنمية يؤثر على مستقبل الدولة والشعب.

رابعا: هنالك عجز مزمن في الحسابات الخارجية يفرض استدانة كثيفة من الخارج لأن الادخار الداخلي غير كاف. أن أسعار المواد الأولية تكون عموما منخفضة أو غير كافية لتمويل حاجات الشعب والدولة. لذا تكون الحسابات الخارجية عاجزة وبالتالي الادخار ضعيف أيضا. التمويل الخارجي خطر، وقد رأينا ماذا حدث حتى في الدول الغنية نسبيا كاليونان. فكيف يكون الحال اذا في الدول الفقيرة والناشئة؟

خامسا: هنالك قاسم مشترك لهذه الدول هو التضخم المرتفع الناتج عن سوء التوازن بين العرض والطلب، وهذا ما حصل في معظم الدول الأفريقية والأميركية اللاتينية. في العلوم الاقتصادية، ارتفاع الطلب نسبة للعرض يحدث تضخما وهذا طبيعي. لكن المشكلة تكمن أكثر في عجز هذه الدول عن محاربة التضخم بشكل فعال وسريع. ضعف المؤسسات وعدم احترام القوانين والاجراءات يؤخران السيطرة على هذا المرض الخطير.

تتميز الدول الناشئة بالبندين السابقين الأولين فقط بالاضافة الى مشكلتين محدودتين في التضخم والخلل المالي الخارجي. أما الدول النفطية، فهي مزيج من الاثنتين أو بالأحرى تقع في منتصف الطريق وبالتالي تختلف خصائصها تبعا لما تحتوي على كمية أكبر او أقل من خصائص المجموعة النامية أو الناشئة. هنالك خصائص مشتركة للاقتصاد النفطي ليس فقط من ناحية الانتاج بل أيضا من نواحي هيكلية الاقتصاد وخصائصه. الاقتصاد النفطي هو الذي يعتمد بشكل أساسي على السلعة في الانتاج والايرادات، وبالتالي يتم تمويل الاقتصاد عبر ايراداتها.

الاقتصادات النفطية هي خاصة دول مجموعة الـ "أوبيك" ال 14 التي تحتوي على الاحتياطي الأكبر من السلعة علما أن انتاجها هو في حدود الثلث العالمي. تنتج مجموعة أوبيك 32,5 مليون برميل في اليوم علما أن الطلب العالمي على النفط يقارب 95,3. الثروة الأساسية تكمن في الاحتياطي النفطي الموزع بين هذه الدول التي تحتوي على 81% من الاحتياطي العالمي، حيث تتفوق فنزويلا (24,8% من مجموع احتياطي أوبيك) تليها السعودية (22%)، ايران (13,1%)، العراق فالكويت. يمكن وصف الاقتصاد النفطي بالاقتصاد الانتقالي بين مجموعتي الدول النامية والناشئة. هنالك مشاكل اقتصادية مماثلة، كيف يمكن تقييمها ومعالجتها؟.

تخفيف التأثير السلبي على المواطنين؟

هل يمكن للمسؤولين حسن ادارة الاقتصادات لتخفيف التأثير السلبي على المواطنين؟ كيف يتطلع الاقتصاد النفطي الى الأفضل؟ هل المستقبل في النفط أو معه أو خارجه؟ ما هي السياسة النفطية الفضلى؟ أي انتاج كثير اليوم مع ما يحمله من تأثير على التضخم أو تقسيم الانتاج عبر الزمن مما يسمح للاقتصاد الوطني باستيعاب الايرادات الكبيرة؟ اذا انتجنا الكثير الآن، فكيف نوظف أموال النفط وأين؟ وبالتالي على ماذا نتكل مستقبلا؟ هل نفذنا سياسات التنويع قبل التكثيف الانتاجي النفطي؟ واذا نوعنا، فما هي الخيارات المتاحة ليس فقط في الطاقات البديلة وانما أيضا في الانتاج الممكن تبعا للأفضليات المقارنة.

أسئلة كبيرة أجابت عنها السعودية مثلا في رؤية 2030 كما أجابت الدول الخليجية الأخرى عنها في برامج معلنة ومدروسة. ايران تحاول العودة الى السوق بعد رفع العقوبات وها هي توسع حجمها وزبائنها. فنزويلا غارقة في الفوضى التي لا تحسد عليها. مشاكل معظم الدول الأخرى هي في الفساد والادارة وبالتالي المشكلة ليست في الايرادات وانما في حسن أو سوء استعمالها أي في مدى وسرعة هدرها. نظرا لهذه الخصائص المشتركة،

قامت الدول النفطية باعتماد سياسات مماثلة أو مشابهة منها:

أولا: جهد كبير لتنويع الاقتصادات وخصوصا التركيز على الصناعات الممكنة ذات التقنية العالية وأيضا تطوير القطاع المالي في المؤسسات والشفافية والفعالية. التأخير في التنويع الانتاجي مضر وهذا ما يحصل اليوم في دول مجموعة الاوبيك وان يكن بدرجات مختلفة.

ثانيا: تكبير دور الدولة في الاقتصاد من ناحية الاستثمارات في البنية التحتية والسخاء في الدعم وتمويل دولة الرفاه والبحبوحة. المطلوب الاستثمار في المستقبل مما يشكل الفارق الأساسي بين الدول التي تهدر والأخرى التي تبني للأجيال المقبلة.

ثالثا: فتح الحدود أمام انتقال السلع والخدمات وخاصة استيراد العمالة والكفاءات لأن العرض الداخلي غير كاف. هنا تكمن أهمية التجارة الدولية والاتفاقيات حولها. هنا تكمن أيضا سياسات التأشيرات والاقامة التي تختلف صرامتها بين دولة وأخرى.

رابعا: هنالك جهد كبير يبذل للسيطرة على التضخم عبر تحويل الطلب من الاقتصاد الداخلي الى الخارجي أو عبر تنفيذ سياسات مالية ونقدية متحركة تترافق مع تغييرات مناسبة في سعر الصرف أو تحديدا رفع لسعر صرف النقد الوطني تجاه الدولار.

استيراد اليد العاملة والخبرات التقنية والعلمية

لا شك أن هذه السياسات مترابطة. لتنويع الاقتصادات، تحاول الحكومات توسيع حجمها عبر الاستثمار في البنية التحتية وتحديثها دوريا. لذا تضطر هذه الدول لاستيراد اليد العاملة والخبرات التقنية والعلمية لحسن التنفيذ. كما أن فتح الاقتصادات أمام انتقال السلع والخدمات والأشخاص يتم في هذه الأطر ولتنفيذ الأهداف المعلنة، مما يخفض التضخم ويريح الخلل في القطاعات ويجعل عمليات العرض والطلب تتحرك بسهولة.

لا شك أن سخاء الدعم والتحويلات المالية وضعت لتحسين توزيع الدخل والثروة في الداخل كما لحماية المواطنين من التضخم القاتل للأوضاع المعيشية للفقراء تحديدا. أخيرا تهدف مجموعة السياسات الاقتصادية الى ابقاء العجز المالي الخارجي تحت الرقابة الدقيقة، الى تحفيز النمو الى أعلى قدر ممكن، الى تنويع الانتاج وتطوير القطاعات المختلفة كما الى مكافحة التضخم. من أهم نتائج هذه السياسات أيضا جذب ثقة المستثمرين الى الاقتصاد وبالتالي تأمين حصول نمو صحي وتنمية مستدامة.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment