الاندماج الاقتصادي الخليجي

01/17/2017 - 17:46 PM

Cedars Wine

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

أسس مجلس التعاون الخليجي في أيار 1981 ليس لأسباب اقتصادية وانما لحماية الدول الست من الخطر الخارجي. وقع الاتفاق الاقتصادي الموحد في تشرين الثاني 1981. لم ينضج التعاون الاقتصادي الا في بداية القرن الحالي عبر اتفاق اقتصادي ثان وقع في كانون الأول من سنة 2001. وقعت اتفاقية الوحدة الجمركية في سنة 2003 والسوق المشتركة في سنة 2008. كانت هنالك رغبة في انشاء وحدة نقدية قبل سنة 2010 لكنها تأجلت بسبب خلافات في وجهات النظر ليس أقلها مكان وجود المصرف المركزي المشترك بين جدة ودبي أو بين الرياض ودبي. لم تنجح دول مجلس التعاون في تأسيس أجهزة مشتركة قوية كما هو الحال في أوروبا مع اللجنة أو البرلمان أو الرئيس ووزارة الخارجية المشتركة أو غيرها، فبقيت المؤسسات الوطنية الخليجية أقوى بكثير من المؤسسات المشتركة. هذا يعيق الاندماج ويؤجل تنفيذ الوحدة النقدية. أما الاندماج الحقيقي اليوم فيتم في البنية التحتية وفي مجالات أخرى ثقافية وتربوية تعزز الاتصال وتقوي المصالح المشتركة بانتظار ضؤ أخضر على صعيد النقد والتعاون المالي.

مواجهة انخفاض أسعار النفط

أثبتت دول مجلس التعاون الخليجي أنها قادرة على مواجهة انخفاض أسعار النفط بفضل الاستثمارات المتنوعة التي قامت بها كما بفضل الاحتياطي النقدي المتوافر نتيجة انتاج النفط وبيعه في الأسواق العالمية. في احصائيات صندوق النقد الدولي وبالرغم من انخفاض أسعار النفط والصراعات السياسية والعسكرية القائمة كما بالرغم من التقلبات الكبيرة في المنطقة، نمت المجموعة 3,4% سنة 2014، 3,3% و 2,8% خلال السنتين التاليتين وهي نسب محترمة اذا ما قورنت بالنمو الأوروبي والأميركي. هنالك مؤشران مشتركان على مدى عشر سنوات بالنسبة للدول الست، أولهما الانفتاح التجاري وثانيهما نسبة الصادرات النفطية من الناتج. في المؤشر الأول، تشير الأرقام الى أن حجم تجارة السلع من الناتج بلغ 136% في البحرين، 73% في الكويت، 98% في عمان، 90% في قطر، 85% في السعودية و 158% في الامارات. حجم التجارة أكبر من حجم الاقتصاد في البحرين لأن اقتصادها صغير نسبيا وناشط جدا تجاريا. في دولة الامارت، هنالك دور رائد لمعظم الامارات أهمها طبعا دبي بسبب التنوع في علاقاتها التجارية مع دول المنطقة والخارج. في الدول الأربعة الأخرى، النسب متقاربة وتشير جميعها الى انفتاح تجاري كبير ساهم في نهضة الاقتصادات الخليجية جميعها.

الصادرات النفطية للتمويل

في المؤشر الثاني، نعرف جميعا أن الدول الست تعتمد بشكل أساسي على الصادرات النفطية لتمويل اقتصاداتها. في قيمتها من الناتج، تحصل البحرين على 72%، الكويت 93%، عمان 65%، قطر 90%، السعودية 85% و الامارات 35%. تشير الأرقام الى أن الاقتصاد الاماراتي هو الأكثر تنوعا بفضل القوانين الجديدة التي تستقطب الاستثمارات كما المستثمرين الأجانب بما يتناسب مع عاداتهم وثقافاتهم. نجحت الامارات الى حد بعيد في جعل مناخها العام معاصرا ومتجددا، فأصبحت مضرب مثل للنجاح في الغرب وكل دول العالم. ربما لا تشعر الدول الأخرى بالحاجة الى الانفتاح الثقافي بعد، كما تشعر به الامارات لكن الظروف الحالية بينت صوابية التغيير والتأقلم الاماراتي مع المجتمع الدولي. اذا بقيت أسعار النفط على ما هي عليه اليوم، ستضطر الدول الخمسة الأخرى الى التجاوب أكثر مع ما يطلبه الخارج حتى يستطيع المستثمر أو الخبير أو المواطن الأجنبي العيش بسهولة أكبر بما يشابه ولا يماثل بالضرورة تجربة دبي.

تتوزع المداخيل النفطية بشكل متشابه في الدول الست أي دعم للخدمات العامة مما يصعب عملية تخفيفه مع انخفاض أسعار النفط، ويصعب أيضا تنفيذ عمليات الخصخصة المطلوب القيام بها ليس فقط للحصول على ايرادات ايضافية ضرورية بل لتقوية فعالية واداء هذه المؤسسات والشركات. فالمواطن كما المقيم اعتاد على خدمات مجانية أو مدعومة، وبالتالي ان الانتقال الى اقتصاد السوق أي دفع التكلفة من قبل المستهلك أو المستعمل ليس أمرا سهلا أو عاديا. هنالك ضرورة لتخفيف الدعم بالتزامن مع تنفيذ اصلاحات في كافة المياديين حتى لا يشعر المواطن انه خسر مساعدات سخية دون أن يحصل بالمقابل على منافع أو حقوق أخرى بديلة وموازية.

الاندماج الاقتصادي الخليجي اليوم

كيف يحصل الاندماج الاقتصادي الخليجي اليوم؟ هل من الممكن تعميق هذا الاندماج وما هي العوائق التي تقف في وجه تحقيق نتائج أفضل؟

أولا: بالرغم من تعثر مشروع الوحدة النقدية، يتعزز الاندماج عبر المشاريع المشتركة وانتقال العمالة الوطنية بين الدول كما عبر تسهيل انتقال العمالة الأجنبية فيما بينها. تنتقل رؤوس الأموال بشكل أفضل وأسهل ضمن المجموعة مما يعزز التعاون الاستثماري في مشاريع البنية التحتية كما المشاريع الاستثمارية المختلفة أي في الصناعة والعقارات كما المشاريع السياحية عموما. هنالك تعاون أفضل فيما يخص البورصات مما يجعلها أكثر فعالية وشفافية. من الضروري أن نصل مع الوقت الى بورصة خليجية واحدة تؤمن مصالح الجميع وتجعل التبادل أسهل وأعمق وأكبر أي كما هو الحال في أسيا والغرب.

ثانيا: العلاقات التجارية والاقتصادية بين دول مجلس التعاون الخليجي والدول الغربية هي أكبر مما هي عليه بينها وبين دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. يعود هذا الواقع الى الانتاج العربي المحدود وبالتالي حاجة الدول النفطية وغير النفطية في المنطقة الى التبادل أكثر مع خارج المنطقة. لا يحل هذه المشكلة الا تنويع الانتاج في دول مجلس التعاون كما في الدول العربية الأخرى. هنالك اندماج قوي داخل المنطقة في العمالة، أي هنالك ملايين العمال العرب الذين يعملون في دول مجلس التعاون ويحولون سنويا مليارات الدولارات الى أسرهم في دول المنشأ.

ثالثا: الاستثمارات في الدول العربية غير النفطية تبقى في أكثريتها استثمارات خليجية، وبالتالي يبقى واقع الاندماج مهما وان يكن غير كاف. أكثرية الاستثمارات الخليجية تذهب الى خارج المنطقة بسبب الاستقرار المتوافر في أميركا وأوروبا وليس متوافرا هنا. في الحقيقة لا شك أن المنطقة العربية هي أخطر ماليا، لكن عائدها أعلى أيضا وبالتالي اذا هدفت الاستثمارات الى الأماكن المستقرة فهي تخسر عائدا كبيرا. في الاقتصاد ليس هنالك غذاء مجاني، ولا بد من وجود تكلفة بديلة في كل الأوقات.

رابعا: تهدف دول مجلس التعاون الى تنويع اقتصاداتها أي التخفيف من الاتكال على المحروقات لتمويل الدولة والخدمات. هنالك تقدم كبير في هذا الاتجاه الا أن ما حصل حتى اليوم غير كاف. لا مانع من ابقاء المنافسة قوية بين الدول الست من ناحية جذب الاستثمارات والسياحة والتمويل والانتاج، بل يجب تقوية العلاقات والفوائد المشتركة لمصلحة الجميع. في الاقتصاد الدولي الكبير، ليست هنالك فرص جيدة للدول العادية أو الصغيرة ولا بد من التعاون العميق لخدمة الشعوب وتحقيق النمو وتخفيف البطالة.

خامسا: المشاريع الاستثمارية الخليجية المشتركة ضرورية لكن في أي قطاع؟ في الزراعة الفرص محدودة بسبب عوامل الأرض والطقس والمياه علما أن هنالك انتاج زراعي ممتاز لكنه مكلف. تكمن الفرص الأساسية في الانتاج التكنولوجي حيث الأموال موجودة والخبرات كذلك. من الممكن أيضا استيراد بعض الخبرات الأجنبية من أسيا وغيرها وبالتالي ايجاد نوع من منطقة تكنولوجية حيوية تشبه "سيليكون فالي" في كاليفورنيا. الاستثمار في قطاعات الاتصالات والنقل ممكن والأمثلة الخارجية الناجحة موجودة في سنغافورة وسويسرا وغيرهما. هنالك امكانية لتعزيز السياحة في كل الدول بما فيها السعودية شرط تسهيل التأشيرات وطبيعتها ونوعيتها كما تطوير البنية التحتية الضرورية لها. هنالك فرص ضائعة كثيرة في المنطقة، لكن الوعي المستجد اليوم يعطي أملا أكبر في المستقبل. لا شك أن الحاجة تبقى أم الاختراع.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment