الصيصان الأربعة ولعبة الحياة...

01/02/2017 - 12:39 PM

 

 
الدكتور وائل كرامه كرامه
 
عندما كنا صِغَاراً ، أخواتي وأنا ، أهدتنا عمَّتنا الحنونة "بهية" رحمها الله هدية مُعتبرة أحببناها كثيراً وما زالت في ذكرى وجداننا تبثُّ البهجة الى الآن ؛ الهدية كانت عبارةً عن أربعة صيصان بلديّات ، لكلٍّ منا صوصٌ واحد : بالطبع حصلت أنا على الصوص الذكر ، ديك المستقبل الذي كانت بدأت تظهر عليه معالم الرجولة المبكرة والشقاوة الماكرة. 
أطلقنا أسماءً على هذه الصيصان وإعتنينا بهم كثيراً ، وكانوا بالنسبة لنا أصدقاء بكل ما للكلمة من معنى : نطعمهم من اليد ، نلاعبهم ، نغنِّجهم ؛ كانوا لعبنا التي تضجُّ حياةً وظُرفاً.
عملية إطلاق الأسماء لم تأخذ وقتاً ، فإخترنا الإسم اللابق لكلّ منهم حسب ما أوحى شكل وشخصية كل صوص لنا. الديك أسميناه " عنتر " لأنه كان رئيس العصابة وكان ملكاً ، قائداً فذّاً يلعب دوره الذكوري بشكلٍ كاملٍ. أما الفراخ فواحدة أسميناها " سمسمية " كونها الناعمة المسمسمة والمفضلة عند الديك والتي لطالما كانت تتحدّاه وتتمتع بشخصية قوية لا تجرأ أيّ من شقيقاتها مقارعتها او مزاحمتها إن في أفضلية البدء بالطعام المقدَّم أو حتى أفضلية السير والمرور ، والثانية أسميناها " قطزة " وهي صاحبة المؤخرة العريضة والرخمة كسيارة "الستيروان". أما الفرخة الثالثة فكانت شديدة الجمال بلونها الأسود المقلَّم بالفضة فأطلقنا عليها إسم " لولو ".
شكَّلَ هؤلاء الصيصان شغلنا الشاغل ولعبتنا ومتعتنا ؛ حتى أنهم أدّوا وظيفة حرَّاس منزلنا حين كبروا. أتذكّر جيداً ذاك الديك الذي أخذّ يقاقي بطريقةٍ غريبةٍ يوماً بجانب المنزل محاولاً لفت نظر الدجاجات وإحضارهم لجانبه ليتبيّن لي عندما أقتربتُ قليلاً من موقعهم أن هناك أفعى كبيرة والديك يقف بمواجهتها وخلفه الفراخ الثلاث ، فما كان منيّ إلا أن أحضرتُ بندقية الصيد وأجهزتُ على الأفعى اللعينة بطلقة وحيدة في رأسها. 
 
الذكاء الذي تمتَّعوا به هؤلاء الصيصان البلديّات المأصلّين جعلنا أخواتي وأنا نعشقهم ، نتزاحم في إطعامهم وإحضار ما لذّ وطاب لهم : قمح بلدي ، خضار ، فواكه ، جَبلة "نخالة" وغير ذلك ؛ وأحياناً حين كنا نتأخر في إطعامهم ، كانت الحسناء "سمسمية" لا تتوانى عن دخول المنزل والسير في الصالون الى الغرفة الداخلية حيث كنا نضع كيس القمح الكبير والإنكباب عليه ، إشارةً واضحةً الى تقصيرنا وحذاقتها وجرأتها الملحوظة وكأنها بذلك تسعى للمطالبة أيضاً بحصة باقي عشيرتها في حقهم بالمأكل والمشرب والإهتمام ؛ أحبّونا هؤلاء الصيصان كما أحببناهم ؛ أحبّونا أكثر بكثير من بعض البشر وبادروا صداقتنا بالمثل ، بكرم العطاء والخير ، من بيض بلدي صحي ويومي ، الى أفواح الصيصان الجُدُد في مواسم التفقيس.
 
هذه التجربة حملت أسمى درجات التفاعل مع الطبيعة ، تعلّمنا منها الكثير من المشاعر التي يتشارك بها الإنسان مع الحيوانات لا سيما الأليفة منها كالدجاج ، خاصةً في مواسم "التربيخ" حيث تظهر عاطفة الأمومة جليةً على الفراخ الثلاث وبشكلٍ جميلٍ ولافت ، وكذلك جمال الأجيال المتجددة والمتعاقبة ، كما حكمة العيش ضمن الجماعة والإنسجام معها والذود عنها وقت المخاطر. لاحظنا أيضاً ذكاء الديك ورجولته وحنكته في عدة مواقف ؛ أذكر جيداً كيف كان يقف بمواجهة باب المنزل وحين يرى أحداً منا يخرج الى الشرفة ، كان يُصدر صوتاً تحذيرياً للدجاجات اللواتي كنَّ قد نزلنَ الى " الجَلّ المزروع بالخضار " ليأكلوا من بعض الخضراوات التي كُنا نزرعها من خسٍّ وملفوف وغير ذلك. كان ممنوع على الدجاجات بالطبع زيارة هذا الحقل المزروع ؛ لذلك كنَّ يصعدنَ راكضات ليقفنَ الى جانب الديك المحذِّر وكأن شيئاً لم يكن ؛ كانوا يشكلون عائلة موحَّدة وكان هو رب هذه العائلة وحارسها ، كنا ننعته "برئيس العصابة" لأنه كان يرأسهم بشكل لافت وكان خفيف الظل لهُ وهرة عليهن وشجاع...
 
حين هرموا ، الديك والثلاث دجاجات ، وإحتلَّت مكانهم في القن أجيالٌ جديدة ، آلمنا أن نجدّ الدجاجات الثلاث يبلغنَ سن "اليأس" ويتوقفنَ عن إنتاج البيض ؛ الديك أصبح رغم تقدّمه في السن عنيفاً صعب المزاج وبدأ لسبب أو لآخر مهاجمتنا ؛ قرّرنا في العائلة أن نتخلص من الديك أولاً ؛ ذبحناه ظناً منا أن بإمكانه أن يشكل وجبة عشاء ، لكن لا أذكر أنّا أحداً منا ، أخواتي وأنا ، إستطاع أن يتذوّق منه شيئاً... أبت المحبة في قلوبنا أن تأكل لحم من كان سبباً في سعادتنا لسنوات... وكذلك حصل مع الدجاجات الثلاث... وحدها عمّتي "نهيل" أطال الله عمرها أقدمت على تنفيذ المذبحة وطبقت المبدأ أن هذه سُنَّة الحياة وتناست أن ما تأكله كان جزءاً من عائلتنا...
 
كانت تجربتنا مع هؤلاء الصيصان تجربة جميلة تركت أثراً في نفوسنا ؛ تعلّمنا منها الرفق بالحيوان والتفاعل معه وصداقته ، كما تعلّمنا منها أن الهدايا القديمة أجمل بكثير من هدايا هذه الأيام من آلات إلكترونية تفتقد روعة التفاعل ومعاني المتعة : أين الهدايا التي نهديها اليوم لأولادنا من "أي باد" و"تابليت" وألعاب إلكترونية مختلفة ، والتي بطبيعتها ترهق النظر وتعوّد الأطفال على الجلوس السلبي والكسل ، أين هي من هدايا أيام زمان كهدية عمّتي بهية المباركة التي تعلّمنا منها أن بعض الكائنات الحية بإمكانها أن تحفظ صداقتنا ومن الممكن أن تكون أرحم بنا وأوفى لنا من الكثير من بني البشر حولنا...
 
أبي الحبيب الحنون الرائع والمناضل ، عمّتي الحبيبة الحنونة بهية ، كم نفتقدك غيابكما ، الرحمات لروحكما ولذكراكما الطيبة ألف تحية...
منكما تعلّمنا معنى المحبة والأخوة والحنان...
 
أصدقاؤنا القدامى ، الصيصان الأربعة ، نفتقدكم أيضاً ، تعلّمنا منكم معنى الصداقة والوفاء !
الحياة نزهة ، جمالها بتجاربها الدافئة وذكرياتها الرائعة ، فلنعِشها بمعانيها الحقيقية والجميلة كي نستحقّها... وحدها الحياة "الحقيقة" دون تكلُّف تشكل الطريق الأمثل لتحقيق إنسانيتنا كي نسمو بها كبشر ونقترب من روح الإله... 
 
 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment