أميركا اللاتينية تتحرك من كوبا الى البرازيل

12/24/2016 - 12:43 PM

Ibcap

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

هنالك موضوع مهم يميز القارة الأميركية اللاتينية من المكسيك جنوبا وهو تحركها بشكل دائم مما يشير الى حيوية كبيرة بين مواطنيها وحكامهما. فالحيوية ليست كلها ايجابية أو بالطريق الصحيح، وانما تحرك وتغيير يعطي أملا في أفق مستقبلي أفضل. فب"الحركة بركة" كما نقول ضمن مجموعة أمثلتنا العربية.

فساد كبير أدى الى انهيار أكبر

فدول أميركا اللاتينية حققت في فترات مختلفة متتابعة وعبر تقلبات كبيرة نمواً مرتفعاً ثم ركوداً كبيراً عبر انتاجية مرتفعة وثم فساد كبير أدى الى انهيار أكبر. تتأثر أكثرية دول أميركا الاتينية بأسعار المواد الأولية المتقلبة من ذرى وزيوت ومعادن ونفط وسلع غذائية وغيرها. تنحدر هذه الأسعار اليوم نتيجة ضعف الطلب كما نتيجة زيادة العرض في كل الأسواق والمناطق. عندما خف النمو الصيني تحديدا، انحدرت أسعار المواد الأولية مما سبب تعثرا كبيرا في اقتصادات البرازيل والبيرو والأرجنتين وبوليفيا وفينزويلا. بالرغم من تنوع اقتصاديات أميركا اللاتينية مع الوقت، تبقى مرتبطة الى عموما بأسعار المواد الأولية الأساسية. فقط المكسيك لم تتأثر كغيرها لأنها بفضل اتفاقية "النافتا"، نوعت اقتصادها جيدا مما يشير الى الفوائد الكبرى للاتفاقيات التجارية.

في الواقع، وقعت اتفاقية "نافتا" بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في آخر سنة 1993. اعتقد الرئيس كلينتون أن هذه الاتفاقية التجارية ستكون الأهم في العالم وستخلق 200 ألف فرصة عمل في أميركا قبل سنة 1995. بسبب الاتفاقية، ارتفعت التجارة فيما بين الدول الثلاث من 290 مليار دولار في سنة 1993 الى 1,1 ألف مليار دولار في سنة 2016. ارتفعت الاستثمارات الأميركية في المكسيك من 15 مليار دولار في سنة 1993 الى 108 مليار دولار في سنة 2014. جميع هذه الأرقام تشير الى نجاح الاتفاقية في تحسين الأوضاع في المنطقة، الا أنها ربما لم تكن بمستوى طموحات السياسيين كترامب أو شركات الأعمال أو حتى القيادات العمالية.

القارة الأميركية اللاتينية هي المنطقة الأسوأ عالميا

في الحقيقة، أسوأ ما يميز اقتصادات أميركا اللاتينية هي فجوتي الدخل والثروة الكبيرتين جدا. فالقارة الأميركية اللاتينية هي المنطقة الأسوأ عالميا من ناحية سوء توزع الدخل والثروة. يمكن القول أن أوضاع ال 1% الأغنياء لا تشبه أبدا أوضاع ال 99% غير الميسورين.

ما الذي يميز هذه الاقتصاديات عموما؟ وما هي الحلول الممكنة للتطور والنمو؟.

أولا: تتعثر موازنات الدول الأميركية اللاتينية مع تقلب أسعار المواد الأولية مما يقيد امكاناتها من ناحية الانفاق العام عندما تحتاج الى رفعه لمواجهة الأوضاع الاقتصادية الوطنية كالركود. في كولومبيا يبلغ العجز المالي 3% من الناتج المحلي وهنالك أمل كبير بالمستقبل مبني على اتفاقية السلام الموقعة التي سمحت باعطاء جائزة نوبل للسلام للرئيس الكولومبي.

في الأرجنتين يبلغ العجز حوالي 7% من الناتج ولن تستطيع حكومة الرئيس ماكري انقاذ المال من دون الاستثمارات التي من المتوقع أن تأتي. في البرازيل، يساوي العجز المالي 10% من الناتج علما ان مشكلة الدولة الأساسية اليوم هي الفساد مع اقالة الرئيسة وعودة النمو السلبي الى حدود 4% أي رفع متوقع للبطالة. أوضاع فينزويلا لا تحسد عليها ومعروفة، أما المكسيك قتعاني أيضا من عجز مالي يقدر بـ 4% من الناتج. ما يميز المكسيك عن غيرها هو جذبها للاستثمارات الخارجية أكثر من الدول الأخرى وذلك تبعا لتقارير البنك الدولي.

ثانيا: من المفروض أن تحاول الدول الأميركية اللاتينية تشجيع صادراتها عبر تنويع انتاجها وايجاد أسواق جديدة لها. حسابات الميزان الجاري عاجزة في مختلف الدول أي 6,5% من الناتج في كولومبيا، 3% في الأرجنتين و3% في المكسيك. يمكن أن تتكل أكثر على السياحة، وهي قارة جميلة جدا وتتمتع بكافة الغنى السياحي البشري والمادي.

ثالثا: انقاذ القارة يعتمد على تطوير اقتصاداتها وتنويعها، اذ أن الاتكال على المواد الأولية خطير ومضر. هنالك ضرورة لتحسين التعليم والتدريب كما لصيانة وتجديد البنية التحتية. لا يمكن رفع النمو الاقتصادي من دون رفع الانتاجية المرتكزة على التجدد، التعليم، الفعالية القطاعية والبنية التحتية. لن تتحقق هذه الانجازات من دون تعاون القطاعين العام والخاص.

تميز الدول الأميركية اللاتينية

هنالك العديد من المواضيع التي تميز الدول الأميركية اللاتينية، ولا بد من ذكر خصائص أربع منها لاختلاف الوضع والعقيدة والمسيرة.

أولا: سقط الاقتصاد البرازيلي. منذ سنة 2013، تضاعفت نسبة البطالة الى 11% وانخفض الناتج بنسبة 3,8% سنة 2015. خسرت شركة "بيتروبراس" الشهيرة 85% من قيمتها منذ سنة 2008 ليس بسبب أسعار النفط فقط وانما بسبب الفساد الذي تورط به أهم السياسيين. هنالك مشاكل صحية أتت من انتشار فيروس "زيكا" المخيف وتأثيره على الانتاجية والتكلفة وبالتالي على الموازنة. نصف الشعب لا يحصل على التسهيلات الصحية المنزلية، وهنالك 35 مليون شخص لا تصلهم المياه الصالحة الى المنزل. في سنة 2014، حصلت 60 ألف جريمة قتل، قسما منها للسرقة. لا شك أن الألعاب الأولمبية ساهمت في نفس الوقت في تعزيز بعض القطاعات خاصة السياحة، لكنها ضربت الموازنة حيث بلغ ثقلها في المال العام 3,6 مليار دولار. البرازيل دولة ضخمة بامكانياتها الهائلة، لكنها تعاني من الفساد وسوء الادارة.

ثانيا: نجح الرئيس ماكري في اعادة بعض ثقة المستثمرين الى بلاده وبدأت المؤشرات الايجابية تظهر الى العلن منها تحسن أوضاع الميزان التجاري وبقاء الدين العام في حدود مقبولة أي 50% من الناتج. ارتفع الاحتياطي النقدي الأجنبي الى 33 مليار دولار في 2016 من 25 مليار في سنة 2015. في 2142016 سددت الأرجنتين 9,3 مليار دولار الى صندوق النقد الدولي مما سمح للدولة بالعودة الى أسواق رأس المال العالمية.

ثالثا: لا شك أن فينزويلا تبقى مشكلة المشاكل في أميركا اللاتينية. الدولة الغنية جدا المعتمدة بنسبة 95% على صادرات النفط تعاني من الفقر والهجرة والسقوط الكبير. هنالك مشكلة غذاء أو توافر السلع في المحال التجارية وهنالك هجرة مهينة الى الدول المجاورة التي أقفلت حدودها. هنالك مواطنون جائعون يغادرون بالقوارب الصغيرة هربا من الخوف والظلم والذل. المشكلة ليست نفطية ولا مشكلة أسعار، انما مشكلة ادارة للدولة وانتشار الفساد.

رابعا: أخيرا وليس آخرا لا بد من ذكر الموضوع الكوبي بعد وفاة القائد فيدل كاسترو. عانت كوبا كثيرا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبسبب سقوط فينزريلا، ومن المتوقع أن تعاني أيضا مع تسلم الرئيس ترامب الرئاسة. لا شك أنها آخر الدول التي لم تأت اليها العولمة أو لم يكتشفها كليا بعد قطاع الأعمال الدولي. كانت كوبا من الدول المؤسسة لصندوق النقد الدولي في سنة 1946 وخرجت منه في سنة 1964. من الممكن أن تعود اليه اليوم اذا بقيت أميركا متعاونة.

هنالك بداية لتحرك القطاع الخاص عبر الشركات الجديدة الصغيرة التي تشغل 11% من اليد العاملة مقارنة بـ 3% في سنة 2010. هنالك بداية جدية أتت من الانفتاح الأميركي عليها بعد زيارة الرئيس أوباما شرط أن لا يحدث العكس مع الرئيس الجديد ترامب. وضعت ادارة الرئيس كاسترو في سنة 2014 قانونا جديدا للاستثمارات يشجعها ويسهلها ويخفض الضرائب الموضوعة عليها. من الاصلاحات ادخال التحكيم لفض النزاعات لأن المحاكم الكوبية هي في وضع صعب بل يرثى له. ترغب كوبا في جذب بين 2 و 2,5 مليار دولار سنويا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، فتحقق عندها نسبة نمو سنوية تقدر ب 7% وهذا طموح لكنه ممكن.

لا بد من القضاء على النقد المزدوج وابعاد القطاع العام عن أعمال القطاع الخاص. هنالك دور كبير للفنانين في كوبا، اذ هنالك مجموعة خلاقة مبدعة تنتج بتكلفة قليلة ما يحتاج اليه العالم من ابداع في الرسم وغيره. أجمل ما في كوبا أيضا هو نظاميها الصحي والتعليمي اللتين تدهشان العالم بهما.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment