الإفلاس ليس بعيداً... هل تتكامل عناصر الانهيار اللبناني الاقتصادي والاجتماعي؟

10/13/2015 - 11:31 AM

 

كتبت ميشلين ابي سلوم*

للمرة الأولى يبدو المعنيون بالقطاعين المالي والاقتصادي في لبنان عند هذه الدرجة من القلق والتشاؤم. والمشكلة الكبرى هي الترابط القائم بين المخاوف المالية - الاقتصادية والمخاطر السياسية والدستورية والأمنية. فالبلد يبدو وكأنه متروك لمخطط مدروس من التوتر والتعطيل والفراغ والاهتراء، على مختلف المستويات، بهدف الوصول إلى مرحلة يراد له بلوغها.

العالم لا يسأل عنّا

وقد عاد الرئيس تمام سلام متشائماً من اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، وقال للذين التقوه: العالم لا يسأل عنّا. لا يقيمون لنا وزناً على الخارطة. وفوق ذلك، يريدون إغراقنا بالنازحين، من دون أي مساعدة. وفيما نحن عاجزون، يطلبون منّا محاربة الهجرة غير الشرعية، أي أن ندافع عنهم... فهل المقصود تهجيرنا اقتصادياً؟

وما يمكن أن يقوله الرئيس سلام ومسؤولون آخرون، ولكنهم يحاذرون قوله، هو: الإفلاس يهدِّد لبنان جدياً. ويؤكد ذلك الانطباع السائد في أوساط المطلعين على الواقع المالي والإقتصادي، وأولئك الذين يتواصلون مع المصارف. فهؤلاء يقولون: نعتقد أن ما لم يظهر بعد على الصعيد المالي سيكون أشدَّ خطراً.

يبدي بعض المعنيين بالملفين المالي والاقتصادي قلقهم من استنكاف بعض الذين اعتادوا تقديم المساعدة إلى لبنان عن الاستمرار في تقديم هذه المساعدة. وأما تحويلات اللبنانيين من الخارج فهبطت الى النصف، ولا سيما تلك الوافدة من دول الخليج العربي، لأن المصارف الخليجية تضغط للحدّ من التسهيلات الفردية والمؤسساتية.

وقف تزوير شهادات المنشأ

فالعديد من الدول العربية لها خصوصياتها المعروفة في هذه المرحلة إقتصادياً وسياسياً. وثمة اقتصاد موازٍ يجري تأسيسه في لبنان. وهناك اقتناع بأن غالبية شبكات التهريب مرتبطة بقوى سياسية داخلية وإقليمية. ويتحدث المتابعون عن محاولة لضرب غرفة التجارة والصناعة في بيروت، بسبب محاولتها وقف تزوير شهادات المنشأ، وتنسيقها مع وزارة الاقتصاد في مواجهة التزوير.

ويقول خبراء إن النصف الاول من العام 2016 سيكون حاسماً على الصعيد المالي، وإن الدولة مجبرة على القيام سريعاً بخطوات مؤلمة لتجنب الانهيار. لكن التنافر السياسي والفوضى على مستوى إدارة الشأن العام لا يوحيان بإمكان التوصل إلى مخرج.

ويخشى الخبراء أن يتجلّى السقوط في انهيارات اقتصادية، ترافقها أزمات اجتماعية يجري تدبيرها في شكل سافر، ومنها مثلاً أزمات النفايات والكهرباء وسلسلة الرتب والرواتب وسواها. ولمواجهة الانهيار، سيعلن حاكم مصرف لبنان الدكتور رياض سلامة عن جملة من الحِزَم التحفيزية لتعويم المصارف، وتالياً المؤسسات الاقتصادية الضعيفة، مخافة صدور قرار بإعادة التصنيف الائتماني للدولة اللبنانية.

آليات السقوط المحتمل

ويشرح خبراء آليات السقوط المحتمل كالآتي: تتم اليوم تغطية العجز في الموازنة من طريق الاستدانة من الأسواق. والمموِّل الرئيسي للسندات هو المصارف اللبنانية. وعندما يهبط تصنيف الدولة نقاط تسليفها، كجهة مستدينة، الى مستوى عالي الخطورة، وتتحوَّل نِسَب مَحافظ الديْن لدى المصارف، لهذه الفئة المستدينة، إلى أكثر من ٦٠%، كما هي حال المصارف اللبنانية مع الدولة، تتراجع التصنيفات الائتمانية للمصارف المَدينة، وتصبح في دائرة الخطر.

ويثير هذا التراجع مخاوف من توقُّف المؤسسات المالية الدولية عن التعامل مع الدولة اللبنانية، في مجالات كثيرة، ومنها الاعتمادات لأجَل، أو التحويلات التي لن يتم دفعها آنذاك، في الخارج، إلاّ بعد تحويل القيمة نقداً الى المصارف المتعاملة في الخارج.

وفي هذه الحال، يُخشى أن يوضع القطاع المصرفي اللبناني - ضمناً - على اللائحة السوداء، وأن تتراجع أسهم المصارف، وقد يدخل بعضها في مأزق. وهذا خطِر جداً، لأنه يضرب تاريخاً طويلاً من الإنجازات المصرفية اللبنانية في العالم.

وقد لا تستطيع المصارف اللبنانية، عندئذٍ، شراء السندات الحكومية- أو السيادية- ولن يجد لبنان مموِّلاً لعجزه، وسط دينٍ يتجاوز ال 70 مليار دولار. وستضطرّ حكومته مرغمة إلى تنفيذ سياساتٍ جذرية، كصرف جزء كبير من القطاع المدني الوظيفي، إذا تمّ اعتبارها غير منتجة. ويعتقد البعض أن عمليات الصرف يمكن أن تصل حتى مستويات عالية من هذا القطاع.

وكذلك، هناك مخاوف من إقفال مؤسسات رسمية مدنية سبق أن قُدِّم الكثير من الدراسات التي تفيد بعدم انتاجيتها، أو إضعافها على الأقل، ومنها مصالح المياه والكهرباء والمدارس الحكومية والمستشفيات الحكومية والنقل المشترك ووزارة الاعلام والوكالة الوطنية وتلفزيون لبنان واللائحة طويلة. كما قد تشمل الجمارك، لأن قانون TVA، من المفترض أن يعوِّضها.

تحذيرات جنبلاط

ويثير هذا الواقع مخاوف من إفلاس في لبنان، بالتزامن مع مأزق سياسي وأمني ودستوري يؤدي إلى شلِّ المؤسسات الدستورية. وسبق للنائب وليد جنبلاط أن حذَّر قبل أسابيع من مؤشرات مالية واقتصادية مقلقة، وهي الآتية:

- تراجع الرساميل الوافدة بنسبة ٣٤.٦%.

- تراجع نمو موجودات القطاع المصرفي بحوالى 400 مليون دولار خلال ستة أشهر.

- تراجع ايرادات الدولة بحوالى ١٤.١% عن الفترة ذاتها من العام 2014، ما أدى الى زيادة العجز بحوالى ٢٦%.

- تراجع التسليفات المصرفية بنسبة ٥٣% أي ما يوازي 844 مليون دولار.

- تراجع المبيعات العقارية من ٤.٢ مليارات دولار الى ٣.٥ مليارات دولار حتى نهاية حزيران 2015 مقارنة بالفترة ذاتها من العام السابق مع انخفاض معاملات التسجيل العقاري بنسبة ٢٣.٨% في الأشهر الخمسة من سنة 2015، مقارنة مع العام 2014.

- إنخفاض تسليم الإسمنت بنسبة ٢٠.٣ في المئة وانخفاض رخص البناء ٢٠.٣ في المئة خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام 2015 مقارنة مع الفترة ذاتها من العام الفائت.

- زيادة الشيكات المرتجعة بنسبة ١٠% من مطلع العام الجاري وأيضاً للمرة الأولى منذ سنة 1996.

- قيام مصرف لبنان بتمويل العجوزات المتراكمة في ميزان المدفوعات للفترة التي تتراوح من العام ٢٠١١ الى حزيران 2015 بما يساوي ٧.٣٨٨ مليارات دولار. ويستمر العجز في الميزان التجاري، إذ استورد لبنان سنة 2014 ما يوازي ٢١.٢ مليار دولار، ولم يصدّر بأكثر من 4 مليارات دولار، ما يشكّل عجزاً نسبته ٢٤.٨% من الناتج المحلي الإجمالي المقدّر بنحو ٤٩.٩ مليار دولار.

وفي قراءة الخبراء، أن عمليات خفض التصنيف التي قامت بها المؤسسات الدولية في السنوات الأخيرة لم تكن خطرة على لبنان بقدر ما هي عملية الخفض المتوقعة في الأشهر المقبلة. فلبنان وصل إلى الحضيض الذي لا يمكن النزول تحته بعد اليوم، ولا التعايش معه.

ويرجِّح أحد الخبراء أن يعمد حاكم المركزي إلى ضخّ مزيد من الأموال المخصصة لتحفيز العمل الاقتصادي الإنتاجي، وإيجاد حلول للمؤسسات الاقتصادية المتعثرة منعاً لإفلاسها. ويمكن أن يتحقَّق ذلك من طريق إعادة جدولة ديونها ورفدها بقروض مدعومة جديدة.

الحراك المدني

ويقول خبير اقتصادي: نخشى أن يكون الحراك المدني جزءاً من عملية هزِّ الاستقرار، سواء بتدبير مسبق أو باستثمار هذا الحراك في مرحلة معينة. ولكن، في المقابل، لم يكن ردّ الهيئات الاقتصادية في مواجهة الحراك على مستوى المسؤولية. فهي تبدو وكأنها تتصرف فقط من منطلقات الخوف على مصالحها الخاصة.

ومع اقتراب أزمة النفايات من شهرها الثالث، لا شيء يبشِّر بقرب انفراج الأزمة. وفي كل يوم، تزداد الأمور سوءاً. والأرجح، إذا تمت تسوية أزمة النفايات، سيتم اختراع مأزق جديد يُبقي الوضع عند مستوى عالٍ جداً من الاحتقان، ما يسهِّل التدهور المطلوب عند الحاجة.

هذه الهواجس الاقتصادية والمالية والاجتماعية مطلوب منها أن تكون رديفاً للهواجس السياسية التي تعصف بالبلد وتهدِّده بالمخاطر. وفي الخلاصة السياسية، يقول بعض المطلعين، إنه مشروع واحد يتكامل نحو الانهيار الشامل المطلوب، سياسياً ودستورياً واقتصادياً ومالياً.

وقبل شهرين، وفيما كان العالم غارقاً في ملف اليونان، أشار تقرير دولي إلى أن لبنان يقع في المرتبة الـ 13 بين الدول الأكثر عرضة للإفلاس. واستناداً الى النتائج التي توصّلت اليها دراسات دولية متقدمة، أُدرِج لبنان على لائحة الدول الأكثر عرضة لأزمة ديون سيادية، شأنه في ذلك شأن اليونان.

وتعتبر دولة ما عالية المخاطر على مستوى الديون السيادية عموماً، عندما يتجاوز حجم الدين العام ٣٠% من الناتج القومي العام، وعندما يتجاوز العجز الحساب الجاري بنسبة الـ ٥%. وحتى اليوم، كانت هناك ضمانتان باقيتان للاستقرار: الأمن للجيش والمال لمصرف لبنان. ومن هنا المخاوف على الجيش من أزمات ناشئة تتعلق بالمؤسسة العسكرية، والمخاوف على الوضع المالي نتيجة الضغوط الداخلية والخارجية.

وفي رأي البعض أن هذا الانهيار تصنعه مطابخ إقليمية ودولية، وهو الذي سيخلق الأرضية المناسبة لبلوغ المؤتمر التأسيسي. فكثيرون ما عادوا يريدون لبنان بصيغته الحالية. وفي ظلِّ هذا الانهيار سيتقرر ما سيبقى من لبنان الحالي وما سيزول.

* صحافية لبنانية

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment