سياسة الدعم وتجربة مصر

12/06/2016 - 19:02 PM

Ibcap

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

يمر العالم العربي بفترة صعبة لا تقتصر على السياسة والأمن، بل تنبع أيضا من الأوضاع الاقتصادية والمالية المتعثرة بسبب انخفاض أسعار النفط وعدم ضبط الموازنات خلال سنوات طويلة من الانفلاش والفوضى وغياب الحساب والمحاسبة. في نسب النمو وبين سنتي 2013 و 2016، انخفض النمو السنوي في دول مجلس التعاون الخليجي من 3,3% الى 2,8%، علما أن هنالك دولا تأثرت أكثر بكثير من غيرها كالبحرين وعمان وقطر والامارات. تأثرت أيضا الدول المستهلكة للنفط حيث انخفضت نسبة النمو السنوي في دول المشرق العربي من 1,5% في سنة 2013 الى 1,1% في سنة 2016 علما أن الوقائع تختلف بين دولة وأخرى. كان التأثير مهما أيضا في دول المغرب العربي بسبب الأوضاع السياسية واعتماد بعضها على المواد الأولية.

الفوضى المالية

لا تستطيع الدول العربية في معظمها الاستمرار في الفوضى المالية المتمثلة بالدعم من دون حدود والانفاق العام غير المدروس كما سؤ الجباية المالية بسب التهرب الضرائبي وتفشي الفساد. مارست الدول العربية سياسات الدعم على السلع والخدمات بدأ من السلع الزراعية والمحروقات الى دعم الكهرباء والمياه وكافة الخدمات. طبقت سياسات الدعم في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدأ من الأربعينات وازدهرت حتى السبعينات، وبدأ اصلاح هذه السياسات بين سنتي 2010 و 2014 دون أن يلغى الدعم. اذا قارنا أسعار المحروقات بين الدول في سنة 2013، نرى أنها الأدنى عالميا في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ليس فقط لأنها لا تضم ضرائب بل لأنها مدعومة في العديد من هذه الدول. يهدف الدعم عموما الى مساعدة الطبقات الفقيرة على العيش والاستمرار، الا أن طرق التطبيق تختلف كليا بين وضع وآخر.

في دول المنطقة كان الهدف الأول من الدعم تثبيت الاسعار أي دعم السلعة أو الخدمة عندما تكون أسعار السوق أو التكلفة أعلى من السعر الرسمي الداخلي، أو تحقيق ايرادات للدولة عندما يكون العكس. هدف الدعم الى مواجهة تقلبات الأسعار الحادة في السلع الأساسية من غذائية ومحروقات وبالتالي تخفيف المخاطر المعيشية أمام المستهلك.

تقلبات الأسعار

تحولت هذه السياسة الى دعم حقيقي ومباشر غير مرتبط بتقلبات الأسعار لأن سياسات التثبيت غير منطقية.

أولا: عبر العقود الماضية، ارتفعت الأسعار الاسمية لمعظم السلع، وبالتالي الأوقات التي تسمح للدولة بتحصيل بعض الايرادات كانت نادرة. لذا أصبحت مع الوقت سياسات استقرار الأسعار سياسات دعم حقيقية ومباشرة.

ثانيا: من الصعب على الحكومة تثبيت استقرار الأسعار عندما تنخفض هذه الأسعار في الأسواق العالمية. تعلو عندها الأصوات في الداخل لتخفيض الأسعار وبالتالي تضيع معها سياسات التثبيت. هنالك على العكس استفادة سياسية وشعبية للحكومة عبر تثبيت الأسعار عندما ترتفع أسعار السوق العالمية وبالتالي تبقى منخفضة اصطناعيا في الداخل.

ثالثا: هنالك قوى اقتصادية وسياسية تستفيد ماديا ومعنويا من سياسات الدعم القائمة وبالتالي تواجه أي اصلاح لهذه السياسات ان كانت لصالح الدولة او غير ذلك. في معظم الدول، من يواجه الاصلاح ليس المواطن العادي انما قوى النفوذ والفساد المستفيدة من الأوضاع السيئة الحاصلة والتي ترفض أي تغيير يسيء الى مصالحها.

لذا تتحول سياسات تثبيت الأسعار عمليا ومع الوقت الى سياسات دعم للسلع والخدمات مما يدخل هذا الدعم في دائرة الحقوق الاجتماعية والشعبية والانسانية التي لا يمكن التلاعب بها. هنا الخطورة، اذ لا يمكن للدولة الاستمرار في سياسات الدعم الباهظة كما لا يمكن الغاء الدعم دون مواجهات شعبية في السياسة وربما في الشارع. لذا يصبح الدعم أداة في دعم الأنظمة وسببا لاستمرارها وغطاء لفساد الحكومات وسؤ ممارساتها لدورها في الاقتصاد. هنالك طبعا قطاع أعمال يعتمد على الدعم للانتاج أي يساهم الدعم في تخفيض تكلفة الانتاج. الغاء الدعم يعني عمليا القضاء على هذه الأعمال غير الفاعلة والمعتمدة على دعم الدولة غير المباشر لها.

بسبب انخفاض أسعار النفط وتعثر الايرادات المالية، تقوم الدول العربية بتخفيف أو الغاء الدعم كما بادخال ضرائب حتى ضمن الأنظمة السياسية القائمة.

الأسباب الحقيقية لاصلاح الدعم

ما هي الأسباب الحقيقية لاصلاح الدعم قبل الغائه اذا استمرت الأمور المالية على حالها؟

أولا: هنالك عدوى ايرانية واضحة في هذا الايطار حيث قامت الحكومة بدأ من سنة 2010 باصلاح نظام الدعم نتيجة العقوبات وتعثر الايرادات كما الاقتصاد ككل. فالحاجة تبقى دائما أم الاختراع حتى في منطقتنا.

ثانيا: لا يمكن لأي سياسات دعم أن تستمر الى ما لا نهاية لأنها أصلا وجدت كي تحل مشكلة ما وبالتالي هي مؤقتة. فالغاء الدعم حتمي، لكن المشكلة تكمن في التوقيت وفي الاجراءات السريعة الكلية أو التدريجية. الغاء الدعم دفعة واحدة يحدث اعتراضا وشغبا في الشوارع والمدن، أما الالغاء التدريجي فهو أفضل ويمكن أن يمر بهدؤ وصمت بل يقبله المواطن ولو على مضدد.

ثالثا: الغاء الدعم حتمي، لكنه لا يمر عموما من دون تطبيق سياسات تحوذ على اعجاب المواطن كي يسهل له قبول الالغاء. مثلا، تنفيذ ضرب الفساد والفاسدين ووضع اتفاقيات تجارية وانسانية وبيئية كما اتفاقيات هبات أو قروض ميسرة أو مشاريع اعمارية تسهل له العيش أو غير ذلك. هنالك فرص تساعد خلالها الحكومة المواطن في تسهيل عيشه، مثلا مساعدات سكن أو تسهيل الدفع أو تمويل مشاريع صغيرة أو غيرها للتعويض والتقدم.

رابعا: من الممكن تقديم الدعم لمجموعات معينة وليس للجميع. فدعم المحروقات مثلا يفيد الفقير كما الغني الذي لا يحتاج الى هذا الدعم. لذا هذا النوع من الدعم يشكل هدرا من الصعب الدفاع عنه خاصة في الظروف الصعبة. من الأفضل وقف الدعم واعطاء مساعدات أو أموال مباشرة للفقراء ينفقونه كما يشاؤون على مختلف حاجاتهم. تكمن المشكلة في حسن اصابة الهدف أي المجموعة التي نريد دعمها أو مساعدتها. هذا هو التحدي الأساسي.

التنويه بالتجربة المصرية

أخيراً بين الدول العربية التي تمر في فترة صعبة، لا بد من التنويه بالتجربة المصرية بسبب أهمية الدولة في المنطقة وتأثرها اقتصاديا دون أن تكون فيها مشاكل أمنية وسياسية كبيرة. يبلغ الدخل الفردي السنوي حوالي 3 ألاف دولار لدولة تحتوي على 90 مليون نسمة. يفوق عجز الموازنة 12% من الناتج مع تضخم يبلغ 14%.

هنالك شح في النقد الصعب مما اضطر المصرف المركزي الى تحرير سعر الصرف بدأ من 3112016 بحيث انخفض سعر صرف الليرة خلال ساعات من 8,8 الى 18 للدولار الواحد. تعتبر هذه كارثة على الفقراء وأصحاب الدخل المحدود لكنها تشجع في نفس الوقت على السياحة والصادرات، هذا اذا استمر الاستقرار الداخلي. حصلت مصر على قرض من صندوق النقد الدولي يبلغ 12 مليار دولار، الا أننا نعلم جميعا أن قروض صندوق النقد ترتكز على شروط صعبة ربما تصب في مصلحة الاقتصاد انما يمكن أن يحصل العكس أحيانا. أدخلت مصر الضريبة على القيمة المضافة، الا أن هنالك اعفاءات واستثناءات كثيرة تعطل فعاليتها من ناحية الايرادات. اضطرت الحكومة الى تخفيض الدعم عن المحروقات علما أن سلعا أخرى تبقى مدعومة. هنالك وجع اكيد على المدى القريب سيؤدي، اذا أحسنت الحكومة ادارة الدولة، الى راحة على المدى البعيد ضمن القروض المعروفة والمساعدات العربية المتوقعة وايرادات القناة والسياحة. التحدي الأكبر الذي سيواجه الحكومة هو الحفاظ على النظام والهدؤ في ظل تنفيذ سياسات الاصلاح المالي المرتكزة على تخفيف الدعم وتحصيل الضرائب. لا بد من اصلاحات أخرى تسهل الاستثمارات، علما أن مصر تقع في المرتبة 122 في مؤشر البنك الدولي للأعمال وهذا غير مقبول. طبعا مصر هي في وضع لا تحسد عليه.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment