النقل مهم كالاتصالات

12/03/2016 - 12:07 PM

The Byke

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

قطاع النقل مهم كالاتصالات من ناحية تأثيره على النمو والتنمية والتجارة كما على تغير معالم وخصائص الاقتصادات، ان لم يكن أهم منه. نقل قطاع الاتصالات الصوت والصورة، بينما نقل قطاع النقل الانسان نفسه والسلع بكافة أنواعها. لا شك أن القطاعان هما في خدمة الانسان والمجتمعات. سمحت الاتفاقيات التجارية المتنوعة عبر "الغات" وثم عبر منظمة التجارة العالمية للسلع والخدمات بأن تنتقل بسهولة عبر الدول. بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تكلفة النقل مرتفعة حتى لم يكن ممكنا على الشركة حتى الكبيرة تسويق منتجاتها دوليا. اتفاقيات التجارة ضربت الحواجز ووسعت الاقتصادات، وهذا لم يكن ليحدث لولا تطور تكنولوجيا النقل المتنوع. المهم ليس فقط النقل، بينما النقل بنوعية وسلامة وسرعة وفعالية.

سنوات من العمل والتطوير والجهد المستمرين

في الاحصائيات، تبين أن تكلفة نقل السلع البرية من أماكن الانتاج الى المرافئ وثم نقلها من المرافئ الى المشترين هي الأعلى مقارنة بالتكلفات الأخرى كالنقل البحري خصوصا. لذا أتت الحاويات Container لتخفف هذه التكلفة كثيرا وتجعل النقل أسهل وأقل تكلفة من السابق. فالحاويات ربطت وسائل النقل وسمحت بتوضيب السلع مرة واحدة عند المغادرة وبفتح الصندوق عند التسليم. تغير محتوى الحاويات مع تغير المجتمعات، وبالتالي تعكس الحاويات التغيرات المادية والثقافية الموجودة عالميا.

ايجاد الحاويات لم يكن سهلا وتم على مراحل عدة، وككل شيء يتبين اليوم انه سهل ومنطقي بينما نفذت الفكرة على مدى سنوات من العمل والتطوير والجهد المستمرين. قامت الشركات ببناء البواخر الضخمة التي تحمل عددا كبيرا من الحاويات عبر البحور والمحيطات مما خفض التكلفة أكثر وبسرعة ووفر الوقت على الجميع. سمح هذا الواقع بانتاج مكونات السلع في أمكنة متعددة وتجميعها فيما بعد في مكان أو أمكنة متعددة أيضا. سمح هذا الواقع بتطوير تقنيات اللوجستية Logistics كما سلاسل الامداد supply Chain المهمة جميعها لتوصيل السلع وتسريع التواصل بين القارات. طبعا هنالك حوادث تحصل، لكن نسبتها ضئيلة جدا مقارنة بحجم وكمية وقيمة ووتيرة عمليات النقل التي أصبحت تعتبر عادية.

يتكلم العالم سياسيين وخبراء عن دور قطاع الاتصالات في ربط الدول بعضها ببعض ويتجاهل في نفس الوقت دور النقل في تحقيق وتطوير العولمة منذ عقود. أحدث قطاع النقل في أقسامه المتعددة من بحري وبري وجوي ثورة عالمية، أي جعل العالم أصغر والاقتصاد أكبر. كانت لصناديق الشحن أو الحاويات دورا أساسيا في تسهيل الشحن وتخفيف التكلفة. كانت هنالك مشكلة كبرى تكمن في كيفية نقل السلع من البر الى البحر وثم مجددا الى البر، فأتت الحاويات لتسهل هذا الموضوع بل هذه الخدمة بنوعية مرتفعة وسرعة وفعالية مدهشة. فالعولمة لم تكن لتحصل لو لم يتطور قطاع النقل. فالاتصالات وحدها لا تستطيع تحقيق التقارب بين الاقتصادات والعالم.

توافر البنية التحتية الأساسية

كي تنجح عمليات النقل والانتقال بالفعالية والسرعة والتكلفة، يجب أن تتوافر البنية التحتية الأساسية من مرافئ ومطارات وطرق وسكك حديد وغيرها وهذه مكلفة في الصيانة والتحديث والانشاء. اذا لم تتوافر هذه النوعية، لا يتأثر قطاع النقل وحده بل الاقتصادات ككل كما التجارة العالمية التي تسبب النمو. لا شك ان استعمال الحاويات بدأ من 2641956 أحدث ثورة ليس في النقل فقط وانما في الاقتصادات عموما. سمحت الحاويات للنقل بأن يزداد وللشركات بأن تصبح أكبر أي عالمية. انتقلت المنافسة بين الشركات من محلية الى عالمية بفضل وسائل النقل وطرق ارسال السلع عبر البحور والفضاء والأرض.

ارتفاع المنافسة فرض التحضير لها في الانتاج والتسويق والنقل، أي جعلها أخطر وأصعب وأربح أيضا. قبل سنة 1956، كان الصناعات محلية وصغيرة تبيع سلعها في الأسواق القريبة. في آخر القرن العشرين، لم تعد الأسواق المحلية الكبيرة عمليا موجودة بل اذا وجدت تكون بعيدة عن بعضها البعض. انتقلت الأسواق بدأ من سنة 1956 من محلية الى عالمية، أو من المحلي الى المعولم. كان النقل أكثر من الاتصالات ركيزة العولمة الحديثة التي ما زلنا نعيش فيها.

سمح تطور قطاع النقل بتوسيع الأسواق أمام كل الشركات أي ضاعف المنافسة وضرب الأسعار. لم تعد الشركة أي شركة تفرض أسعارا مرتفعة على المستهلك لأنها الوحيدة في السوق أو لأن تكلفتها مرتفعة. لم تعد تستطيع أي شركة اساءة معاملة أي مستهلك لأن الخيارات أمامه أصبحت كبيرة والسلع كلها متوافرة من أي مكان عبر وسائل النقل المختلفة. فالنقل سمح للسلع من أي مكان أن تأتي الى أي مكان، فتنافس السلع المتوافرة وتفرض تدني الأسعار لمصلحة المستهلك. فالنقل قرب المستهلك من المنتج أينما كانا، فلم تعد المسافة مهمة بل أصبحت النوعية هي الأهم. في الولايات المتحدة بين سنتي 1972 و 2002، تم استيراد عدد أكبر من السلع وأنواع أكثر بكثير بسبب تغير الأذواق وتطور النقل مما سمح للمستهلك بالحصول على السلع التي يريد من أي بلد بسرعة ونوعية وأسعار يستطيع تحملها. تطور النقل رفع رفاهية المجتمعات ونوعية الحياة وجعل المواطن يشعر بالانتماء الى العالم كانتمائه الى الدولة وهذا لم يحصل قبلا.

انخفضت تكلفة النقل حتى أصبحت عمليا لا تؤثر على قرارات الانتاج والتسويق بل تسهل حصولها وتعجل في التنفيذ. في سنة 1961، أي قبل عولمة النقل، كانت تكلفة النقل البحري في الولايات المتحدة تشكل 12% من قيمة الصادرات و 10% من قيمة الواردات أي أعلى من التعريفات الجمركية البالغة فقط 7% من قيمة الواردات في ذلك الوقت.

تضاعف المخاطر الأمنية

تطور النقل كما الحاويات تحديدا ضاعف المخاطر الأمنية خاصة في هذه الأوقات المضطربة. في سنة 2007، أقر مجلس الشيوخ الأميركي قانونا يفرض على المسؤولين الأمنيين والجمارك التأكد من محتوى الحاويات القادمة. لا ننكر أن قطاع الحاويات تطور مع الحروب أي سمح بنقل الأمتعة والأسلحة والمعدات وغيرها الى الجيش الأميركي المتواجد سابقا في فيتنام وأسيا عموماً.

كالأنترنت، تطور قطاع النقل في الجيوش وبسببها وبالتالي يستفيد الاقتصاد العام من البحوث التي تقوم بها بعض جيوش العالم. هنالك خوف من أن تنقل هذه الحاويات السلع الهادفة الى تنفيذ العمليات الارهابية، وبالتالي يجري التدقيق في المحتويات قدر الامكان علما أن هنالك استحالة لمعرفة ماذا تحتوي ملايين الحاويات الكبيرة المنتقلة يوميا بين الدول.

العولمة المبنية على تطور النقل

أخيراً، هل استفاد العمال من العولمة المبنية على تطور النقل؟ هل هنالك مبرر للنقمة الشعبية والعمالية على نتائج العولمة مما سمح بفوز رونالد ترامب وخروج بريطانيا من الوحدة الأوروبية وغيرها من الاستفتاءات والانتخابات القادمة؟

أولا: لا شك أن تطور قطاع النقل مع الوقت سمح بزيادة الفعالية وبالتالي بالاستغناء عن عدد كبير من العمالة المتواجدة في المرافئ والمرافق والمطارات وغيرها لهدف خدمات النقل. تطور تقنيات النقل أحدث نقمة عمالية لمدن كانت تعتاش من النقل فأصبحت تحتاج الى مصادر عيش مختلفة وصعبة. كانت العائلات وليس الأفراد فقط تعمل في القطاع.

ثانيا: حتى العديد من الوظائف في قطاع النقل تغير وأصبح يتطلب كفاءات علمية مختلفة وليس زنودا وعضلات فقط. فطالب التوظيف في ادارة شركات النقل يجب أن يتعلم الاقتصاد والادارة والتقنيات الحديثة، وبالتالي يتنافس قطاع النقل مع القطاعات الأخرى بما فيها المصارف والتأمين والاتصالات في جذب الكفاءات.

ثالثا: العمل في النقل مرتبط أكثر من غيره بتطور الاقتصاد الدولي، مما يسبب الكثير من القلق للعاملين فيه وبالتالي يدفعهم أحيانا للتصرف بعنف وغضب كما يحصل في قطاع الطيران بالرغم من الأجور المرتفعة نسبيا. فالعديد من الثورات بدأت من مرافق النقل حيث تتكتل المطالب ويتضاعف الغضب الشعبي الذي يمتد الى الاقتصاد ككل ويغير الكثير.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment