مصادر الطاقة تتغير

11/21/2016 - 04:19 AM

Cedars Wine

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

يقول "جيريمي ريفكين" في كتابه "الثورة الصناعية الثالثة" أن مجتمعاتنا ستعرف 3 ثورات أساسية في نفس الوقت: ثورة المعلومات والاتصالات المستمرة، ثورة الطاقة المتجددة والمتغيرة كما ثورة تخزين الكهرباء التي ستسمح بتخزين الطاقات المتجددة من الشمس والهواء. مصادر الطاقة تتغير تبعا لعوامل عدة مرتبطة بتوافر العرض وعوامل الطلب. هنالك دعم لبعض المصادر لأسباب مختلفة أخل بعملية العرض والطلب وأساء الى الاقتصادات المتنوعة من ناحيتي التكلفة والمصلحة الوطنية. أكثرية الدول العربية دعمت استهلاك النفط وها هي اليوم مضطرة للتراجع عن هذا الدعم لأسباب مالية. كيف يمكن تفسير هذا الأمر للمواطن العادي الذي يعاني الكثير ماديا وسيعاني أكثر؟.

دعم لأسباب اجتماعية؟

ساهم صندوق النقد الدولي في دفع الدول العربية الى الغاء الدعم أو التخفيف منه لأن الموازنات لا تتحمل هذا البذخ المتواصل منذ سنوات. اذا كان لا بد من دعم لأسباب اجتماعية، فلماذا لا نتوجه الى الطاقة المتجددة وبالتالي يستمر الدعم المدروس لسنوات مقبلة. مشكلة الدعم أيا كان انه يشجع على التبذير وليس على التنبه في الاستعمال والاستهلاك، وهي عقيدة العصر العالمي الحالي. الاهتمام العالمي بالبيئة والتلوث وبالتغير المناخي يفرض على كل الدول أن تهتم في نفس الوقت بصحة شعوبها ونموها الاقتصادي. حتى اليوم، تتوزع مصادر الطاقة العالمية على النفط (31,5%)، الفحم (28,8%)، الغاز الطبيعي (21,3%)، النووي (5,1%) والباقي يتوزع على المصادر الأخرى بما فيها المائية والشمسية. حكما البيئة ليست أولوية كما يظهر في هذه الاحصائيات المقلقة. هنالك أيضا تفاوت بين المناطق من ناحية حصة كل مصدر.

الطاقات المتجددة أي المائية والهوائية؟

مثلا في الولايات المتحدة، 36% من مصادر الطاقة نفطية، بينما لا تتعدى 18% في الصين حيث الحصة الأكبر هي للفحم أو 66%. طبعا الاقتصاد الصيني غير متطور في الطاقة كالاقتصادات الغربية، الا أن التفاوت كبير ومقلق بيئيا. ان الطاقات المتجددة أي المائية والهوائية والشمسية لا تشكل أكثر من 10% عالميا، وهذا قليل جدا نسبة للجهود الضخمة المبذولة لتنويع المصادر والاهتمام بالبيئة وبتكلفة المصادر وتوافرها وتجددها تبعا للمناطق. انخفاض أسعار النفط مؤخرا أحدث خللا في النشاط التغييري، أي خفض الحماسة للتنويع نظرا لفعالية هذه الطاقة في الانتاج وتوافرها بسهولة في كل الكرة الأرضية انتاجا ونقلا. هنالك خبرة كبيرة بنيت على مدى عقود من العمل والتجارب في انتاج النفط ونقله وتكريره وتوزيعه عبر البواخر والآليات والأنانبيب وغيرها لا يمكن استبدالها بسهولة. لا يمكن التخلي عن النفط كمصدر أساسي عالمي للطاقة بل يمكن القيام بتوزيع أفضل للمصادر لا يضر حتى الدول المنتجة التي تهتم كغيرها بالبيئة والصحة والمناخ والتوازن المالي.

المشاريع الحيوية الضرورية؟

هنالك دراسات موثقة بالأرقام تقول بأن الدول الغنية بالمواد الأولية تنمو بنسب أقل. لا تدير هذه الدول في معظم الأحيان ايراداتها بشكل جيد، بحيث تستهلكها عوض أن تستثمرها في المشاريع الحيوية الضرورية. الدول الجدية هي التي تضع أهدافا في الطاقة. مثلا دول الوحدة الأوروبية تهدف الى جعل 20% من استهلاكها العام من الطاقة المتجددة قبل سنة 2020 مع اختلاف بين الدول أي 18% لألمانيا، 23% لفرنسا، 31% للبرتغال و 49% للسويد. في الولايات المتحدة، ليست هنالك أهداف وطنية محددة انما هنالك أهدافا لبعض الولايات مثلا لماين 40% قبل سنة 2017 و 25% لمينيسوتا قبل 2025. تسعى الحكومات الى دفع المجتمع نحو استهلاك أفضل عبر وضع معايير لبعض الصناعات منها وأهمها صناعة السيارات.

هنالك معايير قاسية وضعت في الولايات المتحدة لصانعي السيارات تهدف ليس فقط الى تخفيض الاستهلاك وترشيده بل الى دفع التكنولوجيا نحو الأمام وهذا في غاية الأهمية. لا تقتصر هذه المعايير على السيارات وانما تتعداها الى الانشاءات والأدوات المنزلية والكهرباء عموما وغيرها. ما يواجه المستهلك عموما هو سعر السلع ذات الطاقة المنخفضة بحيث تكون عموما أغلى وبالتالي يتجنب شراءها. المؤسف أن المستهلك ينظر الى الانفاق اليوم وليس الى معدل الانفاق مع الوقت أي ادخال المستقبل في حسابات اليوم.

سياسات التنويع؟

لا شك أن دول مجلس التعاون الخليجي قلقة اليوم من بقاء سعر النفط منخفضا نظرا لتأثيره المباشر على الصادرات والايرادات. الا أن هذا الواقع يدفعها لتنويع اقتصاداتها بشكل أسرع وأفعل وهي قادرة على ذلك. بين سنتي 2011 و 2014، بلغت قيمة صادرات النفط حوالي 70% من مجموع صادرات الدول الست و 80% من ايرادات الموازنات. تختلف هذه الأرقام من دولة الى أخرى أي من ناحية نسبة صادرات النفط من المجموع بين 32,6% للامارات و 88,9% لقطر مرورا ب 83% للسعودية. اذا قارنا بين سنتي 2000 و 2014، نرى أن الامارات خفضت ثقل النفط في صادراتها من 45% الى 32,6% بينما بقيت النسبة نفسها تقريبا في السعودية وقطر.

لا شك أن سياسات التنويع نجحت في الامارات وكذلك في عمان بينما حصل العكس في كل من البحرين والكويت. في نسبة ايرادات النفط من مجموع ايرادات الموازنات، تختلف الأرقام تبعا للدول. اذا قارنا احصائيات سنتي 2000 و 2014، نرى أن الثقل المالي للنفط يرتفع في 5 من دول مجلس التعاون باستثناء قطر حيث يبقى ثابتا على 90,5%. الموازنات التي تعتمد الأكثر على النفط هي في قطر والسعودية والأقل هي الامارات.

أوضاع المواطنين المالية

تأثير أسعار النفط على اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي ليس مباشرا فقط، بل هنالك تأثيرات غير مباشرة أي على النظام المالي والمصرفي وبالتالي على اقراض الشركات وثم النمو. تتأثر الودائع كثيرا وثم أسعار الأصول وبالتالي أوضاع المواطنين المالية. في نسبة أصول المصارف من الناتج، تبلغ 260% في البحرين، 193% في الامارات، 165% في الكويت، 149% في قطر، 121% في عمان و 93% في السعودية.

الأرقام أدنى من ناحية نسبة حجم البورصات من الناتج نظرا لأن الأسواق المالية لم تتطور بعد كما يجب في دول مجلس التعاون بالرغم من أنها الأفضل شفافية وفعالية وحركة بين دول المنطقة الا أنها لم تصل بعد الى المستويات الغربية. في قيمة أصول البورصات من الناتج، تبلغ 74% في قطر، 73% في الكويت، 71% في السعودية، 64% في البحرين، 60% في الامارات و 28% في عمان. العوائق أمام النمو المالي ليس فقط عدم توافر القدرة على التطوير، بل المطلوب تشريعات جديدة تفتح الأسواق كما ثقافة مالية جديدة توسع الخيارات المتوافرة أمام المواطن والشركة. ليست هنالك مبررات للحذر من الاستثمارات الأجنبية بدأ من العربية الى العالمية لأن الدول الست قادرة على الرقابة والحماية عندما تقضي الظروف بذلك.

اصلاحات كبيرة في أمور متعددة؟

اذا لم يكن ممكنا الاستمرار بالدعم لمصادر الطاقة بسبب الشح المالي، كما لدفع الشركات والمواطنين نحو الترشيد الاستهلاكي، لا بد من اصلاحات كبيرة في أمور متعددة تسمح بالتعويض عن هذه المساعدات وأهمها: اصلاحات ضرائبية حيث تعلن دول مجلس التعاون الخليجي عن ادخالها للضريبة على القيمة المضافة قبل سنة 2018 في حدود 5% وهذا ممكن ومنطقي ومقبول. يجب رفع فعالية القطاع العام بحيث يؤدي المهمات المطلوبة منه في خدمة المواطن والمجتمع. يجب تحديث البنية التحتية التي تشيخ وبالتالي لا يمكن تجاهل التطور ضمن القوانين التي تحرر عمل القطاع الخاص وتشجع على الخصخصة.

لا بد من يد عاملة حرة تستطيع تغيير مصدر رزقها بسهولة حتى لو كانت أجنبية لأن هذا يخلق حيوية في سوق العمل تستفيد منها البلاد وترفع من تعلق العامل بعمله وبالدولة المضيفة. تساهم هذه الأفكار مجتمعة في زيادة نسب النمو ورفع الانتاجية في كل القطاعات.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment