المياه: مادة للحياة

11/14/2016 - 12:02 PM

Bt adv

بقلم الدكتور لويس حبيقة

يوم 22 أذار من كل سنة هو عيد المياه. شعار 2232016 كان "المياه وفرص العمل" حيث تم ربط صناعة المياه بتوافر فرص العمل أي تحقيق ما يعرف بالتنمية المستدامة. في احصائيات الأمم المتحدة، نصف عمال العالم أو 1,5 مليار شخص يعمل في قطاعات مرتبطة بالمياه كالري والزراعة، معالجة مادة المياه وصيانتها وتحليتها والهندسة المائية كما في كافة البحوث والتطوير المتعلقة بها.

معياري توافر المياه الجيدة واحترام الشروط البيئية

هنالك أعمال مرتبطة بشكل غير مباشر بالمياه ولا يمكن تصورها من دون توافر مياه عذبة بدأ من السياحة الى الانشاء والغذاء وغيرها. التطور المدني يؤثر على المياه خاصة وانه يتم عشوائيا في الدول النامية ودون النظر الى المناخ والنوعية البيئية ليس فقط في المياه وانما أيضا في الهواء والعوامل الحياتية والغذائية والصحية عموما. الامتداد الصناعي حاصل ومهم للنمو والتنمية، لكن يجب أن يحصل ضمن معياري توافر المياه الجيدة واحترام الشروط البيئية.

مهما تكلمنا عن السلع والمواد الأساسية الرغم من أهميتها، فهي لا يمكن أن توازي المياه في تأثيرها المباشر على الحياة وعلى واقع ومستقبل توزع الانسان على الأرض. موضوع المياه مرتبط بالأمن والاجتماع والاقتصاد كما بالبيئة. عدم توافر مياه يمكن أن يسبب حروبا، وهذا ما حصل مرارا عبر التاريخ ويجب أن نتابع بكل دقة ما يجري بين مصر وأثيوبيا بشأن مياه "النيل" ولا بد من دور عربي ناشط وجامع لوضع الحلول ومنع الصدام. فالجغرافيا الاقتصادية لا تعني شيئا من دون مياه عذبة متوافرة للانسان.

المياه غير موزعة بشكل عادل بين الدول والمناطق والقارات كما هي غير متوافرة بنفس الكمية عبر الفصول، وبالتالي وجب التخزين والنقل وكلاهما مكلفان. أهمية المياه ترتفع اليوم مع التغير المناخي المؤثر بشكل مباشر على توافر المياه ونوعيتها أي على صحة وغذاء الانسان. ما يدعو للعجب هو عدم اقتناع الرئيس الأميركي المنتخب "دونالد ترامب" بوجود تغير مناخي بالرغم من اجماع العالم دولا وجامعات ومختبرات ومراكز بحوث على خطورته.

تحلية المياه حاصلة بتكلفة كبرى

يحتاج الانسان سنوياً الى معدل ألفي متر مكعب من المياه للعيش والاستمرار نوعياً. في 70% من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، يتوافر ربع هذا المعدل المعتمد دوليا. المطر قليل ولا يؤمن الا 18 من المعدل المعترف به وأقل بكثير في دول مجلس التعاون الخليجي بسبب الطقس والجغرافيا. طبعا تحلية المياه حاصلة بتكلفة كبرى لا تستطيع أكثرية الدول النامية والناشئة تحملها. تنظيف وتكرير المياه ضروريان لاستمرار العرض، وهذا ما تقوم به كل الدول.

ثلثا مساحة الكرة الأرضية مغطاة بالمياه علما أن 97% منها مالحة وبالتالي غير صالحة للشرب وللري. اذا 3% فقط في المياه المتوافرة هي عذبة مما يفسر أهميتها والصراع حولها بدأ من المنطقة العربية الى بقية الدول. الجانب الايجابي الأساسي يكمن في أن المياه هي سلعة متجددة نتيجة العوامل الطبيعية العادية أي من الأرض والسماء. دور الدول الأساسي يكمن في التخزين والنقل وعدم الهدر.

في الواقع لا تتوافر المياه النظيفة أيا كان مصدرها في كل الدول. تشير الاحصائيات الى أن 6 ألاف طفل يموتون يوميا من الأمراض التي يأتي قسما كبيرا منها عبر المياه. المناطق المعرضة هي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كما القارة السوداء حتى دولة جنوب أفريقيا. نضيف اليها الهند وبولونيا. يبلغ عدد سكان منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 432 مليون شخص وسيرتفع العدد الى 692 مليون في سنة 2050. أما القارة السوداء، فسكانها يقاربون اليوم 936 مليون وسيصلوا الى مليارين في سنة 2050.

هنالك مناطق ضمن الدول تشح فيها المياه ونخص بالذكر ولاية كاليفورنيا

هنالك مشكلة سكانية واضحة في منطقتين تعانيان أصلا من عدم توافر المياه بكميات كافية ونوعية مقبولة. هنالك مناطق ضمن الدول تشح فيها المياه ونخص بالذكر ولاية كاليفورنيا التي تعاني من سوء توافر المياه لكافة الحاجات. هنالك جفاف كاليفورني واسع نتيجة امتداد الصحراء والمناخ المرتبط بها. تتم تحلية المياه لكن الحل يكمن في توافر الأمطار التي تبقى نادرة. تعاني كاليفورنيا أيضا من التلوث الذي يصيب نوعية المياه. هنالك 15 ألف مصنع تحلية في العالم معظمهم يعتمد على المحروقات. لا بد من استعمال الطاقة الشمسية والهوائية أكثر في هذه الصناعة. في كل حال، من الأفضل الحصول على مياه نظيفة حتى بتكلفة عالية من أن لا يكون لنا مياه أبدا.

هنالك دول عديدة استثمرت في عمليات تحلية المياه بدأ من السعودية الى الامارات فاسبانيا والولايات المتحدة وثم الصين مما يدل على أن المشكة عالمية وتصيب كل القارات. فالنمو السكاني يعني استهلاك أكبر للمياه بالاضافة الى التغير المناخي الذي يعني ضرورة التنبه الى نوعيتها. هذان العاملان كفيلان باحداث مشاكل أساسية في المياه من ناحيتي التلوث والتوافر بما يكفي للانسان ولمختلف حاجاته. مشكلة المياه هي اذا عالمية وحلها لا يمكن الا أن يكون كذلك بالاضافة الى تنفيذ بعض السياسات المحلية والمناطقية التي تجعل توافرها يتم بشكل أسهل. تأتي الحلول عبر عاملي الطلب والعرض أي تخفيف الأول وزيادة الثاني وهنالك تجارب لا بد من التعلم منها.

هل هذا ممكن اليوم وكيف؟

أولا: في العرض، لا بد من تحسين استخراج المياه من الأرض والتقنيات متوافرة كما عبر بناء السدود. هنالك 48 ألف سد في العالم نصفهم في الصين مما يشير الى جدية ادارة المياه فيها. السدود مكلفة لكن عائدها المالي والاجتماعي كبير. يتم توليد 20% من كهرباء العالم من السدود. هنالك أيضا تحلية المياه والتكلفة المرتفعة معروفة، الا أن تطور التكنولوجيا سيسمح بالقيام بهذا التحويل بتكلفة أقل مع الوقت. هنالك دول تخصخص انتاج وتوزيع المياه مما يؤمن توافر المادة ربما أحيانا بأسعار أعلى. لا يمكن انكار دور الخصخصة في مجتمعات يفشل فيها القطاع العام في تأمين السلع الأساسية منها المياه والكهرباء كما خدمة الاتصالات. قطاع مياه مخصخص تحت رقابة القطاع العام أفضل من لا مياه.

ثانيا: في الطلب هنالك هدر واضح في كل الدول ولا بد من العمل على القطاعات المستهلكة الأساسية. تشير الاحصائيات الى أن القطاع الزراعي هو المستهلك الأساسي عبر الري تتبعه القطاعات الأخرى من انتاج الكهرباء الى الصناعة فالاستهلاك المنزلي وثم الاستهلاك الحيواني من مواشي ودواجن وغيرها. هنالك طرق علمية ترفع انتاجية الزراعة بحيث يخف استهلاك المياه فيها دون التأثير على الانتاج بل يمكن رفعه أحيانا. يتم العمل على تطوير تقنيات الري كما على تأهيل الأرض عبر الأدوية والأسمدة بحيث يعطيان نتائج زراعية ايضافية واضحة. التجارب الزراعية كبيرة ولا شك في نجاحها.

خلل واقعي وطبيعي

بالرغم من أن الزراعة هي المستهلك الأول للمياه الا أن حصتها من الناتج العالمي قليل جدا وهذا خلل واقعي وطبيعي والحل يكمن في رفع دور الزراعة في الانتاج. لن تزدهر الزراعة من دون تحسين أوضاع الريف بحيث يبقى المواطن في أرضه. هذا يتطلب تغييرا في السياسات الاقتصادية في أكثرية الدول. لتخفيف الطلب، لا بد أيضا من تعاون الأسر بحيث يستهلكون مياه أقل طوعا عبر تعديل قواعد الغذاء في الكمية والنوعية والنظام، كما عبر استبدال الأجهزة المنزلية القديمة بالأخرى الجديدة المعتمدة على تقنيات متطورة توفر في الاستهلاك. أما التعريفات، فيمكن أن تؤثر على الكميات المستهلكة في المنازل والشركات شرط أن لا تؤذي الأسر الفقيرة التي لا يمكنها تحمل التعريفات العالية. لا يمكن اهمال موضوعي التعليم والتربية المؤثران بشكل مباشر على حسن استعمال المياه وهذا ما يتم تأمينه في المدارس بحيث يصبح الطالب مواطنا منتجا وصالحا يعي امكانيات المجتمع وقواعد الاستمرار في العيش المشترك النوعي والكريم.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment