عاد العماد عون إلى بعبدا… فماذا ينتظر منه اللبنانيون؟

11/09/2016 - 18:56 PM

الكولونيل شربل بركات

عاد العماد ميشال عون إلى القصر الرئاسي في بعبدا بعد 26 سنة من اخراجه بقوة الجيش السوري وطائراته واتفاق الكل عليه. وهو هرب إلى فرنسا ومنع من ممارسة السياسة هناك ومن لقاء المسؤولين تحت ضغط أدوات الحكم في لبنان وحرم من الافتخار بأنه حاول انقاذ لبنان من براثن الشقيقة التي كانت تفتك به.

عاد العماد عون منتخبا من قبل أعدائه قبل محبيه وببركة العالم الشرقي قبل الغربي وهو الذي صمد مقاوما ومنتقدا كل تصرفات من حكم لبنان بواسطة السوريين ومن دفع بأبنائه إلى الهجرة والموت بتعنته وتجبّره والقهر الذي مورس ضد أحراره.

عاد الجنرال بعد أن كرّس له البرلمان اللبناني هذه العودة مرشحا من قبل خصمه المسيحي الدكتور جعجع الذي لم يعرف شابا أن يتفاهم معه ولكنه احترمه شيخا وقدم له الرئاسة بالتعاون والسياسة اللبقة التي تعلّم كيف يبنيها بطول النفس وبعد النظر في ظلمة السجن وذل المعاناة.

عاد الجنرال عون بعد أن اكتسب من الغربة والبعد مفاهيم مختلفة للعبة السياسية وفن المناورة وقد أخذ عليه برغماتية مكنته من التحالف مع ألد أعدائه وجعلته يتخلى حتى عن بعض المواقف الوطنية ويتنكر للمسجونين ويتناسى الشهداء.

عاد العماد عون إلى القصر الرئاسي في بعبدا هذه المرة مستعرضا كتيبة من الحرس الجمهوري بكل ابهة الاستقبال وجلس على كرسي الرئاسة وكأنه يتنفس الصعداء بعد طول عناء. ولكن هل بقي من معنى لمجهوده ونضاله، وهل تظهر الأيام القادمة تبدلا في مواقفه من بعض الشعارات أو المسالك، وهل ينتقل إلى البناء كرجل دولة يسجل في ما تبقى له من العمر تحولا في ادارة البلاد وعودة إلى ايام سيطرة الدولة وحدها على مقدرات الوطن وأبنائه وتحسين الأداء في مؤسساتها وابعاد شبح التزلم عن سياساتها؟

عاد العماد عون إلى القصر فهل سيتمكن من اقناع حليفه “حزب الله” بالعودة إلى الوطن والتخلّص من سياسة التابع والانفتاح على الكل؟ أم أنه سوف يستمر باغماض عينيه عن ممارساته التي كلفت الطائفة نزيفا بشريا يكاد أن يغلب على المكاسب المتوخاة ويؤسس لمعاناة مستقبلية أكبر من أن يطويها الزمن أو تمحيها الأيام؟

عاد العماد عون وقد أثبت أنه رقم أساسي في اللعبة الدائرة ولكن هل سرّع عودته خوف أقليمي من مستقبل التوازنات في الشرق الأوسط التي قد تطيح بها تغييرات الانتخابات الامريكية أم هل كانت فقط ناتجة عن التهاء اللاعبين الكبار والسماح للبنان بانهاء الفراغ الطويل في الوقت الضائع في لعبة المنطقة التي لن يشكل فيها عنصرا اساسيا.

عاد العماد عون إلى بعبدا وأعاد إلى الأذهان تسمية “قصر الشعب” ومرحلة النضال حوله، ولكنه هذه المرة لم يعد بحاجة للجماهير لمنع التعدي على القصر ولا لدعم حق من يسكنه بالسلطة، فهو منتخب من ممثلي الشعب بطريقة ديمقراطية بعد عناء طويل من المناورات السياسية وأكثر من سنتين من الفراغ في الكرسي الرئاسي، وبعد أن اهتز وضع البلد الاقتصادي والمؤسساتي وغابت عنه السلطة الفعلية التي تفرض النظام وتضبط عمل الادارة.

عاد العماد عون وهو الشيخ ابن الثمانين محققا امنيته بالجلوس على الكرسي، ولكن ماذا سيقدر أن يعمل والبلد على هذه الحالة، ومن حوله تنشب الحروب والصراعات، وتتداخل الولاءات والعداوات، وتغيب الرؤية الواضحة في العلاقات بين الدول والشعوب، لا بل يغيب النظام العالمي برمته ويهدد الأمن والاستقرار في القرية العالمية كلها.

عاد العماد عون إلى بعبدا فماذا ينتظر منه اللبنانيون؟…
يأمل الشعب اللبناني بشتى فئاته ومجموعاته الحضارية أو المناطقية أن يكون عهد العماد عون أولا عهدا ترجع فيه إلى الأذهان انضباطية الادارة وسرعة التنفيذ وشفافية العلاقات بين المواطن المتعب من الفوضى والمسؤول المعتاد على عدم الملاحقة بالاتجاهين. ولكن مع الأمل بتحقيق هذا الحلم نسأل إلى أي مدى يمكن أن تنضبط الادارة في الدولة وهي لم تنضبط بالحزب فهل تكون أسهل الآن بعدما تأكد للعماد بأن صورته التي يجب أن تبقى في الأذهان ما بعد الرئاسة هي صورة الرئيس المصلح والباني لا صورة الزعيم التقليدي فحسب؟ أم هل سيسمح المحيطون بالعماد للانضباط أن يسود وللعدالة أن تهيمن؟

ويتسائل اللبنانيون هل يكون عهد العماد عهد الرجل القوي الذي يجمع ويحضن ويمنع التفرقة ويعيد إلى الحظيرة من ابتعد عن الاجماع ومن ابعد عنه؟ هل يعيد من تجبّر وتميّز حتى لم يعد يشبه الآخرين ولا يندمج معهم وهو رسم لنفسه طريقا مختلفا؟ وذلك الذي استفرد وابعد عن الحلول ليتحمل وحده مشاكل البلد وأحقاد الكل كونه رضي بترك سلاحه في سبيل وحدة الوطن ووقف معاناة أهله؟ هل سيقدر العماد على استرجاع من بقي حيا من المساجين في أقبية الشقيقة التي هادن الحكم فيها وسلّفه الكثير ولم يعد شأن هؤلاء يهم أو يؤثر في مصيره لكثرة الأعداء وتفكك الدولة؟ وهل سيتمكن من استرجاع جثث الذين قضوا في السجون لدفنهم بشكل لائق ينهي هذا الملف ويعيد له بعض المصداقية؟ وهل سيقدر الجنرال رئيسا أن يؤمن المصالحات بين كافة فئات المجتمع ويصدر المراسيم التي تنهي فعليا مرحلة

الحرب بكل اشكالها وتعيد إلى اللبنانيين الأمل بأن البلد يتسع بالفعل لكل أبنائه ولن يكون فيه غاليا أو مغلوبا؟ هل سيقدر العماد عون على اصدار عفو عام، كان طالب به نائبا وهو اليوم في سدة الحكم، عن الجنوبيين الذين ظلموا وتركوا خارج الوطن منذ أكثر من 17عاما؟ وهل سيستطيع العماد عون أن يقنع أخصامه وحلفاءه على السواء بأن الوطن قادر على حمايتهم بواسطة الدولة ومؤسساتها وبدون الحاجة ليتحصن كل منهم وراء مواقع أو مراكز، أسلحة أو محميات، تؤمن له، كما يعتقد، بعض حقوقه وتحميه من تسلّط الآخرين واستقوائهم بالغرباء؟ وهل سيستطيع العماد عون أن يقنع المجتمع الدولي بأن لبنان سوف يسعى بكل جدية لتنفيذ القرارات الدولية بالتزام وتصميم وبدون انتقاء؟

وأخيرا وهو حلم يبدو بعيدا؛ هل سيبدأ لبنان في عهد العماد عون مقاربة المواضيع الشائكة مثل ترسيم الحدود مع سوريا؟ واية سوريا ستكون قادرة على ذلك؟ أو مع الاسرائيلي؟ وبأي منطق؟ هل بالتفاوض بين الجيران المتخاصمين كما يفعل الفلسطينيون، اصحاب الشأن؟ أم بتوقيع اتفاقيات سلام أو تعاون كما فعل الكثير من العرب؟ وبينما تتداخل المصالح والثروات مع هذا الجار الجنوبي هل سيجرؤ العهد الجديد على طرح التفاوض للوصول إلى الحلول؟ أم أن التقاتل الدونكيشوتي بكل شعاراته سيبقى عنوان المرحلة؟

ملفات كثيرة تنتظر الرئيس الجديد وآمال كبرى يتوقعها المحبون بينما يراهن المبغضون على الفشل. فهل سيقارب الجنرال الملفات الشائكة ويحاول أن يجد لها الحل ليتنفس اللبنانيون ويبدأ تخطيطهم لمستقبل مستقر؟ أم أنه سوف يكتفي كسابقيه بتصريف الأعمال؟

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment