الجنات الضرائبية الى أين؟

11/08/2016 - 12:16 PM

Bt

 

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

تعاني كل الدول من أموال كبيرة تهرب وايرادات ضرائبية لا تحصل، مما يمنعها من تلبية حاجات مواطنيها وتطوير بنيتها التحتية. تضطر أكثر من أي وقت مضى لملاحقة مهربي الضرائب أينما كانوا. معظم التهريبات يذهب الى ما يعرف بالجنات الضرائبية التي تبقى سويسرا قائدتها، بل موجهتها في كل أنحاء العالم.

الجنات الضرائبية

تعتبر هذه الجنات الضرائبية احدى أهم أسباب توسع فجوة الدخل، مما يفسر الى حد بعيد الحماسة الرسمية لملاحقتها ليس فقط بسبب المال وانما أيضا لتأثيرها الكبير على الاستقرار الاجتماعي في الدول المصدرة للأموال. تكمن صعوبة ملاحقة الأموال المهربة في الضبابية بل السرية التي توصف بها هذه الجنات التي تزدهر على حساب الدول الأخرى.

من ناحية أخرى، سبب التساهل أو التقصير في محاربة الجنات الضرائبية غضبا شعبيا كبيرا في الدول المصدرة للأموال، حيث واقع الحال أن الغني والشركات الكبيرة يتهربون من دفع الضرائب وفي نفس يلاحق الفقير أو صاحب الأجر أو الشركات الصغيرة اذا فكروا في تهريب دولار واحد أو بضعا من الدولارات الآتية من عرق الجبين. هذا غير مقبول في عالمنا اليوم، حيث يجب أن يخضع الجميع للقوانين أغنياء وفقراء وبالتالي غض النظر أو التقصير غير مقبولين شعبيا في الداخل ودوليا.

في نيسان 2009، قررت مجموعة العشرين المجتمعة في لندن محاربة الجنات الضرائبية بل الغاء كل ما يعرف برأيها بالحسابات السرية التي تعتبرها المجموعة في معظمها حسابات التهرب من الضرائب وتمويل عمليات غير شرعية. منذ ذلك الوقت، زادت الأموال الفردية المهربة الى سويسرا 18% كما زادت 25% الى مجموع الجنات الضرائبية المنتشرة في أمكنة وقارات عدة. كانت النتيجة معاكسة للتمنيات بل للسياسات الموضوعة. لا ننكر أن الشركات الكبرى تهرب أرباحا في حدود 130 مليار دولار سنويا. المعلوم أن الجنات الضرائبية لا تتنافس مع بعضها البعض بل تتكامل، أي تعتمد التخصص في هوية الأموال الآتية وكيفية استثمارها لصالح أصحابها. تبقى سويسرا لا شك الدولة الأولى في العمليات المصرفية الخاصة المصنفة "أوف شور" أو خارج الحدود.

مكافحة التهريب والمهربين

موضوع الجنات الضرائبية وضع على نار حامية بعد التجربة الفريدة التي وقع فيها الوزير الفرنسي "جيروم كاوزاك" في سنة 2012 والذي كان وزيرا للموازنة أي عمليا مهمته هي مكافحة التهريب والمهربين، فكان المهرب الأول. سجل صوته وهو يقول أنه يملك حسابا خاصا سريا في سويسرا، فقامت القيامة ولم تقعد. عندما جوبه بالموضوع نكر أنه يملك هذا الحساب، لكنه في نفس الوقت هرب أمواله الى سنغافورة. أدى كشف الموضوع الى حدوث فضيحة كبرى أدت حتما الى استقالته والى انهيار سمعته كطبيب وكسياسي بعد ان كان مستقبله واعدا لسنوات خلت. كانت المشكلة مالية واخلاقية وربما الثانية أهم.

يقول "غابرييل زوكمان" في كتابه عن "الثروة المخبأة" أن 8% من الثروة المالية العالمية الصافية موجودة في الجنات الضرائبية بزعامة سويسرا. يعرف "زوكمان" الثروة المالية الصافية بمجموع الودائع المصرفية والأسهم في الشركات والصناديق كما السندات بالاضافة الى عقود التأمين بعد طرح أو اسقاط الديون. يقدر "زوكمان" مجموع هذه الثروة ب 95,5 ألف مليار دولار، 8% منها أو 7,6 ألف مليار دولار موجودة في الجنات الضرائبية بينها 2,3 ألف مليار دولار في سويسرا. جميعها أرقام ضخمة اذا ما قورنت مثلا بالناتج المحلي لدول صغيرة كلبنان حيث يبلغ 50 مليار دولار، أو بديون عامة لدول متوسطة الحجم شغلت العالم كاليونان حيث بلغت 350 مليار دولار أو بغيرها.

تهريب الأموال والتهرب الضرائبي

من يهرب أمواله الى الجنات الضرائبية؟ أي ما هو مصدر الـ 7,6 ألف مليار دولار؟ حصة الأسد تأتي من دول المجموعة الأوروبية ربما بسبب الضرائب المرتفعة على الدخل وثم من أسيا فالولايات المتحدة وبقية الدول. يعود اهتمام الحكومات كما الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بموضوع تهريب الأموال كما بالتهرب الضرائبي الى امكانية تخفيف الضرائب عن المواطنين العاديين والشركات العادية اذا استطاعت ضبط التهريب المتواصل. لكن التقنيات المعتمدة بالاضافة الى الفساد العالمي يمنعان دول المصدر حتى اليوم من انهاء التهريب المضر بسمعتها واستقرارها الاجتماعي والشعبي.

من يهرب أمواله الى سويسرا تحديدا؟ أي ما هو مصدر ال 2,3 ألف مليار دولار؟ تشير الأرقام التي قدرها "زوكمان" والمتداولة عالميا الى توزعها بمليارات الدولارات كالتالي: 260 من ألمانيا، 240 من فرنسا، 140 من ايطاليا، 230 من منطقة الشرق الأوسط و 80 من الولايات المتحدة. هذا يعني أن 56,5% من التهريب الى سويسرا مصدره أوروبي بسبب القرب الجغرافي والسرية المطبقة، بالاضافة الى العلاقات التاريخية مع الدول المجاورة. تشير هذه الوقائع الى أن التهريب من أفريقيا لا يأتي الى سويسرا بل الى جنات أخرى ربما برعاية واشراف سويسري.

أفريقية المصدر الاول للتهرب الضرائبي

في النسب من الناتج المحلي، تؤكد الأرقام أن النسبة الأعلى المهربة هي أفريقية المصدر. تقدر الدول المصدرة أن التهرب الضرائبي السنوي هو في حدود 200 مليار دولار او 1% من مجموع الايرادات الضرائبية. ألـ 200 مليار دولار هي قيمة الضرائب المهربة. أين تستثمر هذا الأموال؟ تشير الأرقام الى أن 750 مليار دولار يوظفون في صناديق اللوكسوبورغ، 200 مليار دولار في الصناديق الايرلندية، 500 مليار دولار في الأسهم و 600 مليار دولار في السندات.

هل يمكن اليوم عمليا القضاء على التهريب المالي أو أقله التخفيف منه الى أقصى الحدود الممكنة؟ هنالك محاولات سابقة عديدة لم تنجح بسبب ضعف التطبيق وغياب التدقيق وهما ضروريان لتخفيف التهريب. ما زالت المعلومات المتوافرة حول الجنات الضرائبية غير كاملة بسبب الضبابية المعتمدة فيها منذ عقود.

أما اليوم فيمكن اقتراح ما يلي:

أولا: يقترح "زوكمان" وضع سجل عالمي للأموال والأصول المالية بحيث يعرف أين هي وكيف تتحرك. السجلات حتى اليوم ما زالت وطنية وليس هنالك أي تواصل فيما بينها. من الضروري أن يطلب من الجنات الضرائبية التعاون في اعطاء المعلومات والا واجهت عقوبات مالية وسياسية قاسية.

ثانيا: من العقوبات المقترحة من قبل مجموعة العشرين وضع حواجز جمركية مرتفعة أمام السلع الآتية من الجنات بحيث تخسر ما تربحه من عملها غير الشرعي كجنات. لا شك أن منظمة التجارة العالمية ستتعاون مع هذه الاستثناءات.

ثالثا: هنالك دعوة عالمية لتغيير طرق وضع الضرائب على الأرباح ونسبها بحيث يخف الدافع للتهريب بل يصبح أصعب. مثلا فرض ضرائب على أرباح الشركات ليس فقط في الدولة الأم وانما في كل الدول التي تحقق فيها أرباحا. هنالك قبول باستفادة الشركات من الفارق في الضرائب، لكن دون أن تتجنب الدفع كليا.

رابعا: لا يمكن التمييز بين جنة ضرائبية وأخرى، اذ أن معاقبة واحدة أو عددا منها يدفع الأموال المهربة الى الذهاب الى أماكن أخرى. هذا يعني أن مواجهة الجنات الضرائبية يجب أن تكون عامة وبنفس درجات الدقة والسرعة والجدية.

خامسا: تحاول الولايات المتحدة فرض قوانينها المتخصصة على الدول، أي تلك التي لها علاقات مع الولايات المتحدة وتتعامل بالدولار أي أكثرية الدول. وضعت قوانين منها "فاتكا" التي تفرض على المصارف العالمية اعطاء أجهزة الضرائب الأميركية كل المعلومات عن الأميركيين أو أصحاب الاقامة الدائمة عن ما يمتلكون من أموال أوحسابات فيها. هذه محاولات جدية وستنجح.

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment