رسالة مفتوحة الى فخامة الرئيس

11/03/2016 - 15:59 PM

 

د. جورج شبلي

 

بعد أن قيل الكثير في مبادرة معراب، وما قيل أكثره سياسيّ، كان لا بدّ من التوقّف بإمعان عند روحيّة البنود التي تلاها الدكتور سمير جعجع، والتي قال الجنرال عون عنها بأنّها ستكون أساساً لخطاب القَسَم، أي أورغانيغراماً لنهجه وسلوكه كرئيس.

في معراب تشكّلت أبرز مرحلة في مسيرة انتخاب الرئيس المُؤتَمَن على الوطن والدولة. وهناك، أراد سمير جعجع أن يكشف عمّا في ضميره من اندفاع، لفكّ أسر مفهوم الدولة من الذين كانت آيات سرورهم تحقيق حالةٍ هي اللّادولة، أو الدولة البديلة التي لا تمتَ بصلة الى مفهوم الدولة الحديثة كما يحدَده القاموس السياسي العالمي، وكما يريده أغلب اللبنانيّين.

الدولة السيّدة كانت الكلمة المفتاح في بنود معراب.  وفي مقابلةٍ لحراكٍ مشبوهٍ يرمي الى إضعاف النسيج الوطني ليصبح غير قادر على حماية نفسه،  فيُفسح للبعض في المجال لامتلاك السلطة باللجوء الى الوسائل غير المشروعة، انبرى فكر جعجع الإستراتيجي ليطرح تعريفاً موضوعياً لمفهوم الدولة، وذلك للأضاءة على الخطر الداهم في الطّرح المُقابل والذي يعني إنهيار بنى الدولة الموجودة، وبالتالي إقامة مشروع مشبوه يعيدنا الى زمن الإنحطاط.

لقد تبنّت وثيقة معراب النظريَات التي عالجت  مفهوم الدولة، فأقرَت كلها  بأنَ الدولة هي  مجموعة من الأجهزة المكلَفة تدبير الشأن العام للمجتمع. وقد نشأت، كما قال “هوبز”، ضمن تعاقد ارادي وميثاق حرَ بين المواطنين لينتقل هؤلاء من حالة الطبيعة أي حرب الكل ضد الكل  الى الحالة المدنية.

من هنا طرحت نظرية العقد الأجتماعي تبريراً كلاسيكياً لنشأة الدولة وذلك من خلال تصوَر شكل الحياة في مجتمع بلا دولة، أي في حالة الفطرة، وهي حالة تتَسم بحروب أهلية وصراعات مستمرَة وسيطرة شريعة الغاب حيث الحق للقوة. وذلك ما هيَأ للناس أتفاقاً أو عقداً يضحَون بموجبه بجزء من حريَتهم من أجل أقامة كيان ذي سيادة، يستحيل دونه حفظ النظام والأستقرار. فغدت الدولة الضمان الأوحد ضد الفوضى وألغاء الآخر والأنارشية التي بلا ضوابط. فالدولة أذا هي ضرورة وحاجة، والغاية من تأسيسها تأمين الحرية للأفراد والحفاظ على حقهم الطبيعي في الوجود باعتباره وجوداً حراً.

والدولة، كما تراها الوثيقة، هي الشخصية الحقوقية المعنوية التي تفرض سيادتها على مساحة الوطن، وتنبثق عنها السلطات التي تدير شؤون مؤسساتها، وهي بالتالي الحامية والضامنة لحقوق الناس. هذا الطّرح الذي ينسجم مع ما ذهب إليه علماء الأجتماع الذين اعتبروا أنَ الدولة هي حالة تعبير عن سموَ الفرد عن أنانيَته ورقيَه الى مستوى الوعي الجماعي. وقد قال “روسَو” في هذا المجال: انَ الدولة هي تجسيد للأرادة العامة في الأمتثال للقوانين بدل الخضوع لسلطة القوي. من هنا يصحَ الأستنتاج أنَ الدولة هي الناظم الأساسي للتشكيل الأجتماعي، والجهة المؤتمنة على السياسة التي يتمَ بها تنظيم حياة الأفراد داخل مجتمع ما اعتماداً على مؤسسات تشكل جهاز الدولة. وهكذا يمكن  للأنسان أن يضفي على حياته نوعاً من الأستقرار والنظام عبر التقيَد بمبادئ وقوانين تشرف عليها سلطة عمومية. فالدولة هي بالفعل الكيان السياسي والأطار التنظيمي الذي يوحَد المجتمع وهي تجسيد للخير العام والمصالح المشتركة للمجتمع.

أما خصائص الدولة كما وصَّفتها الوثيقة، فهي ممارسة السيادة، أي أنَ الدولة هي وحدها، ومن دون شريك، صاحبة القوة العليا غير المقيَدة في المجتمع، وهي تعلو بذلك فوق أيَ تنظيمات أو جماعات موجودة داخلها. كما أنَ أجهزتها هي المرجعية الوحيدة المسؤولة عن صياغة القرارات العامة وتنفيذها. وأنَ هذه القرارات ملزِمة للمواطنين جميعاً كونها تعبَر عن المصالح الأكثر أهمية لهم. والدولة تحتكر وحدها “العنف الشرعي” كما يقول “ماكس فيبر”  أي انها تمتلك منفردة قوة الإرغام لضمان الألتزام بقوانينها وهي ليست أبدا جهازا قمعيا. وتمارس الدولة اختصاصاتها هذه على كامل الاقليم الوطني الذي يشكل وحدة سياسية قائمة بذاتها.

انطلاقا من هذا الكمَ النظري الموضوعي الذي أنتج وعياً راسخاً لمفهوم الدولة، كيف يمكن أن نوصّف ما يجري راهنا وهو غير بريء، أذ يهدف الى تقويض ما هو قائم  لبلوغ ما يرتجيه بعضهم، وهو مشبوه؟ أن الأزمة الإستراتيجيّة الحادة التي يمرَ بها الوطن تتناول قضية كيانيّة هي وجوده. وهي النقطة الأكثر أهميّة في الإختلاف البنيوي بين طرح وثيقة معراب وطرح سواها. وبكلام أكثر وضوحاً، إن وثيقة معراب تفضح التخريب وألحاق الضرر بمؤسسات الدولة وأضعاف مقوَماتها وأفراغها من مضمونها، وهذا ما يمارسه أمر واقع أمني يعمل كدولة ضمن الدولة. كما أن الدولة في نظر القيِّمين على هذا الأمر الواقع، وبعض سواهم أيضاً، لم تنشأ ككيان اجتماعي سياسي اقتصادي عسكري مشرَع قانوناً، لذلك لا اساس لوجودها كدولة فعلية بالنسبة اليهم. وما يريدونه فعلاً هو نموذج هجين وتقاسميّ لا يتناسب مع التركيبة الوطنية ومع أسس التشارك في العيش الكريم للجميع.

أمام حالة التقسيط السياسي هذه، والتي ينبغي التنبَه لها، أوجبت وثيقة معراب في روحيّتها التأكيد أنّ حياة الناس مرهونة بوجود الدولة، التي وحدها ترعى الشأن العام الذي يجعل منها سلطة شرعيّة تعمل على أشاعة النظام وتحقيق الأمن، وتأمين الحقوق ورعاية المصلحة الجماعية، وتحرير المواطنين من خوفهم بتوفير حماية لهم من كل أشكال العنف والتسلَط وذلك ليسود مناخ العدالة والحرية والمساواة والسيادة.

انّ الوثيقة  تضع هذا التنبيه برسم المواطنين والمسؤولين السياسيّن والروحيّين في”دولتنا ” كي يدركوا أن لا خلاص إلاّ بتبنّي ما رشّحته معراب للرئاسة، لئلاّ يصحَ فيهم ما قاله جورج بوش: ” لو أتيح للناس اكتشاف الحماقات والأخطاء التي ارتكبناها بحقَ وطننا وشعبنا ودولتنا، لعمدوا الى مطاردتنا في الشوارع لإعدامنا”.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment