هنا قصر بعبدا

11/03/2016 - 15:57 PM

 

بقلم فيرا بو منصف

 

عامان ونصف العام بقي القصر الجمهوري في بعبدا مهجورًا بعد 13 تشرين الأول 1990. كانت رئاسة الجمهورية لاجئة في بناية في الرملة البيضاء قبل أن يقرر الرئيس الياس الهراوي إعادة ترميم القصر والعودة إليه. ولكن على رغم ذلك بقي القصر تحت الاحتلال وبقيت الجمهورية في قبضة عهد الوصاية.

اليوم أيضًا، وبعد عامين ونصف العام من الفراغ الرئاسي، تعود الحياة الى القصر الجمهوري على رغم كل شيء. حتمًا ليس التاريخ الذي يعيد نفسه… فنومة القصر هذه المرة كانت لتكتمل فصولاً لولا إصرار عرابي الجمهورية على انتشالها من براثن السكرانين في نوم الجمهورية…

عامان ونصف العام عادت أبواب القصر لتفتح من جديد على عهد جديدة وآفاق جمهورية قوية. وعادت نافورة المياه لتنثر رذاذها تحت العلم اللبناني الذي ارتفع على السارية ولتنتعش الحياة في قصر احتله شبح الفراغ والصمت.

في 31 تشرين الأول 2016 عادت الى القصر هويته وانتعشت الحياة فيه معلنة بداية عهد جديد عنوانه: هنا قصر بعبدا.

ليس سهلا أن تعود الى مكان كنت قبل سنوات اعتبرته سجنا للوطن بأسره، ليس الآن وقت الماضي ولا نبش التواريخ الدامية، نحن هنا لتغطية الحدث الذي صار تاريخيا وليس من المفروض أن يكون كذلك بالأساس، انتخاب رئيس جمهورية. لو كانت البلاد بلادا، لكان الاستحقاق الدستوري عبر ككل الاستحقاقات وكما يجب أن يكون، لكن لا البلاد هي بلاد ولا الجمهورية هي جمهورية، هنا وطن التعطيل حتى الأنفاس، هنا جمهورية المعطلين حتى الوقاحة. حسناً، صار ما صار في اللعبة السياسية ودخلت معراب بقوة ساحقة على خط الاستحقاق، وجعلت من المستحيل ممكنا بعد عامين ونصف كادوا أن يصبحوا دهرا وأكثر من النصف بدهور بعد، وها نحن حيث ما كنا نتوقع، في باحات القصر الجمهوري في بعبدا، نتابع عبر الشاشات المتناثرة في الأرجاء، وقائع جلسات الانتخاب في البرلمان، وننتظر رئيس الجمهورية لتكون لنا أفضلية النظرة الأولى، الصورة الأولى، أول السطور والتصريحات لرئيس البلاد، والأهم بعد، ترجمة مشاعر القبول على رغم كل رفض مكبوت أو حائر أو غير مصدق بعد أن للزمن لعبته الساخرة تلك.

 

إذن دخلنا القصر من غياب سنين طويلة لنكون شهود اللحظة إياها، صحافيون من كل وسائل الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع والإلكتروني عادوا يزرعون أروقة القصر ومكاتبه حركة وبركة وتعليقات، عاد صديق الاعلام ورفيق الصحافيين رفيق شلالا الى مركزه الاعلامي في قصر بعبدا بعد تغييب طاله على زمن الرئيس السابق ميشال سليمان، تحلّق من حوله الزملاء، أسئلة كثيرة وأجوبة مقتضبة حول ما ستكون عليه الايام الآتية، والاستاذ رفيق الذي يجيد تماما كيفية التعاطي باحترام ودماثة مع الصحافيين يحاول أن يشبع نهمهم لمعرفة التفاصيل كافة.

شاشات التلفزيون الموزعة في الغرف والأروقة تبثّ وصول النواب الى البرلمان، في الباحة حيث يصرّح السياسيون، شاشة “المؤسسة اللبنانية للإرسال”، في قاعة الصحافيين الـ MTV ، في القاعة الأخرى للصحافيين حيث جلس زملاء من الوكالات ومنها الرسمية التابعة للدولة، الـ NTV، أما في قاعة الموظفين المعتمدين من ضمن الفريق الاعلامي في القصر الـ MTV  أيضا، شاشات لم تعكس تماما الانتماءات السياسية للزملاء، انما تقصّدت ملاحقة أنفاس الحدث حتى آخر الانفاس عبر الشاشات كافة.

في انتظار اكتمال النصاب في البرلمان، مساحات القصر مفتوحة أمام الجميع وأمام كل التحليلات والقراءات التي طبعت أقلام الصحافيين، فكل صحافي في القصر معروف قلمه قبل وجهه، فالوجوه هنا آخر بطاقات التعريف عن الناس، بطاقات الإعلاميين مواقفهم، أقلامهم.

… وجاءت الساعة 12 ظهرا، اكتمل النصاب، هرعنا الى غرفة الصحافيين نتابع لحظات الجلسة، كنا نظن اننا نعرف أن النتيجة ستكون محسومة لصالح النائب ميشال عون من الدورة الاولى، لكن كنا نريد أن نتأكد من نسبة الأصوات، ولم نكن لنتوقع ما كان سيحصل في الجلسة. 84  صوتا، اففف لم يفز الجنرال من الدورة الأولى كما كان يتوقّع “مين غدر ونزّل ورقة بيضا مش محسوبة؟” تساءل الزملاء، بدأت الدورة الثانية، صمت في القاعة، في القاعات كافة، وحده صوت مروان حمادة يقرأ ما كتب على الأوراق يتردد صداه، ورقة بيضاء ورقة بيضاء، ثورة الأرز في خدمة لبنان… جيلبرت زوين… ورقة بيضاء… ميريام كلينك!!! وعلت الضحكات، هيدا مين؟ وليد بيك؟ لا ما بيعملها، أكيد سامي الجميل، لأ اسطفان الدويهي، العملية ملغاة لأن ثمة 128 ظرفا في الصندوق في حين أن عدد النواب 127، ويعلن الرئيس بري انطلاقة الدورة الثالثة، من جديد  ظرف اضافي على عدد النواب الأصلي، غضبُ الرئيس بري في البرلمان انعكس على بعض الزملاء في القصر “مش عيب شو هالمسخرة هيدي” يقول زميل، “قولكن هيدي عَمْلِة معين المرعبي أو عقاب صقر؟” فيجيب آخر “أحلا شي وليد بيك ليكو كيف عم يغرّد ولا فارقة معو”. كل الأنظار اتجهت الى نواب تكتل التغيير والإصلاح والكل توقع رد فعل عنيفاً من النائب المرشح ميشال عون، لم يحصل الأمر “عجبكن هيك؟ بدن يقهرو للجنرال قبل ما يوصل ع الكرسي”، قرار الرئيس بري وضع الصندوق في وسط القاعة أثار ارتياحا عند البعض وسخطا عند آخرين “يا ريت ما بيوصل” تقول زميلة همسا، لكن نتائج الدورة الرابعة أسقطت بالضربة القاضية أمنيات الزميلة المعلنة ولو همسا، وأمنيات زملاء آخرين غير معلنة بسقوط الجنرال، في حين عم الفرح أرجاء المكان عند وصول عدد المقترعين له الى 83 صوتا “خلص ميشال عون رئيس الجمهورية، خلصت الخبريي” وبدأت التعليقات على السابقة التي حصلت في البرلمان، والكل أجمع أن أكثر الأشخاص طرافة وأكثرهم دهاء هو الرئيس نبيه بري “شو هالرجل رغم رفضو المطلق لعون، أدار العملية الانتخابية كـ”أفضل” ما يكون”. تعليقات من هناك وهنالك وحان وقت الغداء.

 

كان يجب أخذ استراحة صغيرة في الوقت المستقطع بين تلقي الرئيس عون التهاني في مجلس النواب ووصوله الى القصر الجمهوري. “على فكرة ليش بري ما قال متل ما إلو بالعادة يعمل بجلسات انتخاب الرئيس أعلن ميشال عون رئيسا للجمهورية؟” تنبّه الجميع وتساءلوا، والكل يعلم انه لم يكن ليفعلها هو الشخصية السياسية الأشد اعتراضا على وصوله الى كرسي بعبدا، أكثر من ذلك لم يرافق بري الرئيس في طريقه الى بعبدا كما جرت أيضا العادة سابقا “معقول يرافقو على غفلة ونحنا ما نعرف؟” يسأل أحد الزملاء، والكل يجيب بالنفي القاطع، والغريب ان كل ما كان يجري تحت في وسط بيروت داخل البرلمان وخارجه، كان ينعكس مباشرة على ما يجري عند أطراف بيروت هنا في قصر بعبدا، أي تصريح سلبي أو إيجابي على باب البرلمان يلقى التعليقات المباشرة من صحافيي القصر، الانتظار حوّل القاعات الى ما يشبه حلقات النقاش لكن الغريب وكما ذكرنا فوق، ان من كانت تضنيه عودة الجنرال رئيسا الى قصر بعبدا، عضّ على جرحه ومضى في تأدية مهامه الصحافية “يللا يوم وبيقطع المهم الجمهورية تقطع” نقول مواساة للزميل إياه وان كان في مواساة الآخرين بعضا من تهدئة خاطر شخصي لذلك القلق المشوب بالخوف الكبير عما ستكون عليه الأيام الأتية، الجمهورية المقبلة.

وصول الوزير جبران باسيل كان أولى الإشارات على قرب وصول الرئيس من بعده، “وِصِل وِصِل الرئيس”، فجأة صرخ أحد موظفي القصر. تأهَّب. صرخ قائد الحرس الجمهوري، عظيم جاءت اللحظة المنتظرة، هرعنا الى الخارج لنستقبل الرئيس الجديد، انطلقت المدفعية مرحبة، وقفت العائلة عند مداخل القصر لاستقبال وافده الجديد القديم، ارتفع العلم على السارية من جديد وانطلقت نافورة المياه معلنة عودة الحياة الى المكان، مشى الرئيس بهدوء غريب على السجاد الاحمر على وقع موسيقى التعظيم، هنا، هنا تحديدا توقف الزمن، يا الله كيف تدور لعبة الأيام، هذا حلم أم كابوس، هذا قصر بعبدا أم ذاك الذي أطلقوا عليه يوما تسمية قصر الشعب؟ أهذا ميشال عون المتمرد على الشرعية أم الرئيس ميشال عون الذي صار رأس هرم الشرعية؟ يا الله كيف تدور بنا الحياة لنكون شهودا على كل ذاك التناقض المنهمر واقعا شديد الفجاجة حينا، عندما تكون جزءا من مشهديات سابقة ولاحقة لا تشبه الواحدة الأخرى بشيء إلا بـ”أبطالها”. هذا الرجل أُخرج  ذات زمن من القصر، وها هو بعد ربع قرن يعود إليه ربما ليخرج آخرين بعدما أُحرِج كثر كثر. يا أبو الخيمة الزرقاء ماذا تفعل بالناس أحيانا وفي أي اختبار تضعهم؟

وهو يمشي على السجاد الأحمر، حضرت معراب بقوة هائلة، هذه مشهدية ليست صنيعة اللحظة، هذه مشهدية ثمنها شهداء، ثمنها وطن بحاله، ثمنها حرية، ديمقراطية، اعتقال، اضطهاد، أرض واحتلال وقوافل مناضلين، ثمنها الأكبر ذاك التسامح الذي عجز عنه كثر ولا يستطيع ان يقدمه سوى أولئك الكبار في كل شيء، الكبار بإنسانيتهم المطلقة بانتمائهم النظيف الى لبنان، أحكي عن سمير جعجع، هذه مشهدية صنعتها معراب لتكون على مساحة الوطن كله، وهذا سجاد أحمر لمن حوّل حقد الأيام الى يد تصافح، تسامح، تمحو ضغينة القلوب ليعود المسيحيون كما يجب أن يكونوا، أقوياء، اصحاب حق وحقيقة، نقطة لقاء الأديان، مساحة التلاقي مع الكل لأجل وطن واحد، “وينك يا حكيم كان لازم انت تكون هون قوليلو هيك بس تشوفيه”. أضحك لملاحظة أحد الزملاء وأطيّب خاطره “بسيطة صديقي نحنا والجنرال صرنا واحد ما تخاف”. وأهرب من المزيد من النقاشات علَّنا نتمكن من التقاط صورة حصرية مع الرئيس الجديد… قلنا سابقا هذا زمن غريب!

 

لم نكن في القصر جميعا من مناصري عون، ولا كلنا من مناهضيه، الغالبية كانوا يريدون  للقصر رئيسا، للجمهورية رأسا، يريدون ان تبقى الجمهورية بمفهومها الديمقراطي وبهرميتها كي لا نذهب الى خيارات آخرين، سعوا بكل ما قدرت لهم من قوة لتدمير هذا الاستحقاق وما استطاعوا، هنا التقينا وليس على الشخص بذاته، دخل الرئيس القاعة الفسيحة في القصر، مشى بسرعة كبيرة بعدما تحرر من الموسيقى، والكل ينده عليه “جنرال جنرال بدنا صورة” واتجه مسرعا نحو الغرفة من دون النظر يمينا ولا شمالا وحيث فعل ما يفعله الرؤساء عادة، وضع الوشاح، التقى فريق عمله، الضباط، رئيس الحرس الجمهوري وما شابه، بعض الصحافيين، وما عادت تهمنا كل تلك التفاصيل، فعلنا ما علينا أن نفعله وحبّة مسك، صار للقصر الجمهوري في بعبدا كرسي يجلس عليها رئيس البلاد، قلنا له نحن معك في السراء والضراء، ونحن عليك ان أخطأت بحق لبنان.

مفارقة صغيرة بعد، قبل سنوت كثيرة كتبنا “قصر بعبدا بنجاح كبير” وكان القصر ينحو نحو الهاوية الكبيرة، الآن استيقظت الأميرة، قبّلها فارس الأحلام بعدما انتشل من فمها التفاحة المغمسة بالسم، تحياتي دكتور سمير جعجع، هذه ليست حكاية شاعرية من الأحلام فارسها الخيل الأبيض ومملكة الأسطورة، لا، هذه حكاية مغمّسة بدم الوطن لنصل الى “قصر بعبدا بنجاح كبير”… علّه كذلك.

 

المسيرة

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment