فجوة الدخل والديموقراطية

10/31/2016 - 11:31 AM

Newest Banner

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

لا يمكن أن تستمر أي ديموقراطية من دون معالجة جدية لمشكلة سوء توزع الدخل بين المواطنين. مشكلة فجوة الثروة أصعب وأعمق وحلها يتطلب تغييرا كبيرا في القوانين والأنظمة الضرائبية، انما تخفيف مشكلة سوء توزع الدخل يبقى في متناول اليد. لا يمكن أن تستمر الديموقراطية اذا لم تعالج مشكلة الفقر الممتدة في شوارع مدن كل الدول الصناعية والنامية. لا يمكن أن تستمر مع أقلية ضئيلة من المواطنين تملك نسبة عالية من الدخل الوطني وأكثرية واضحة تملك جزئا قليلا منه.

تدخل واضح ومباشر للقطاع العام في الاقتصاد؟

تقول مؤسسة "أوكسفام" أن 85 شخصا في العالم يملكون ثروات تفوق ما يملك 3,5 مليار شخص فقير. في الولايات المتحدة، تدنت نسبة الطبقات الوسطى من 53% من الشعب الى 44% خلال العقود القليلة الأخيرة والأمور تسوء. ارتفع دخل ال 1% الأغنى في الولايات المتحدة نسبة 20% خلال العقود القليلة الماضية بينما لم يرتفع الا نسبة 1% لل 99% من الشعب. هذا أحد أهم أسباب غضب المواطنين من العولمة لأنها بالرغم من تحفيزها للنمو الاقتصادي العام، ساهمت الى حد بعيد في توسيع فجوة الدخل.

لا تحل هذه المشاكل من دون تدخل واضح ومباشر للقطاع العام في الاقتصاد يهدف الى رفع مستوى العدالة وتخفيف الغبن عن الفقراء. هل هنالك تناقض بين العولمة والعدالة؟ هل تؤدي العولمة حكما الى توسيع فجوة الدخل؟ هل تجعل العولمة الأغنياء أثر غنى والفقراء أكثر فقرا؟ لا يكمن الحل في ضرب قواعد العولمة والانفتاح كما يقترح المرشح "ترامب"، بل يجب تصحيح هذه القواعد لتدخل أعدادا أكبر من المواطنين الفقراء الى الطبقات الوسطى والميسورة. يقول الاقتصادي "ستيغليتز" "ان الاقتصاد العالمي لن يعود الى عافيته السابقة الا اذا أصبح عادلا"، وهذا تصريح في غاية الأهمية والوضوح.

ترتكز العولمة على الانفتاح والتواصل الاقتصادين. من عنده ثروة ومال، سيستثمر وبالتالي يخلق النمو ويخفف البطالة وبالتالي يستفيد الجميع من النهوض. هذا في النظريات، الا ان الأمور لا تجري كما يشتهي المواطنون، وبالتالي هنالك عراقيل كبيرة تقف في وجه استفادة الجميع من النهوض العام. ما حصل في السنوات الأخيرة، أن الاستفادة لم تكن معممة بل بقيت محصورة ضمن نسبة صغيرة من الميسورين تدنى عددهم أيضا مع الوقت. هنا يكمن الخلل في العلاقة بين النمو والعدالة، اذ أن ارتفاع الناتج المحلي الاجمالي لم يعد يؤدي الى انخفاض فجوة الدخل بل كانت النتائج معاكسة.

من عجائب الممارسات العملية أن الأموال الضرائبية التي تدفعها الطبقات الوسطى وما دون هي أعلى من التي يدفعها الأغنياء. كانت مفاجئة للجميع أن "دونالد ترامب" لم يدفع ضرائب على الدخل منذ سنوات وبطريقة شرعية، أي استفاد من الخلل الموجود في القوانين ليتجنب دفع الضريبة. لا يمكن للطبقات الوسطى وما دون التي تعيش من الأجور أن تتهرب من دفع الضرائب على الدخل لا بطريقة شرعية ولا بغير شرعية.

رأس المال في القرن الـ21

يقول الاقتصادي "توماس بيكيتي" في كتابه "رأس المال في القرن الـ 21" أن بين سنتي 1914 و 1973، كانت نسبة نمو الاقتصاد العالمي أعلى من عائد رأس المال مما سمح للجميع بالاستفادة من النهوض العام فتحسنت أوضاع العمال. سمحت هذه الرأسمالية الصحية للطبقات الوسطى بتملك منزل والحصول على وظيفة مستقرة وآجر كافي وعلى حياة استهلاكية محترمة للعائلة مع ضمانات صحية وتعليمية وغيرها. منذ سنة 1973 وحتى اليوم، يحصل العكس مما يساهم في زيادة فجوة الدخل بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال. أصبح التقدم الاجتماعي والتحسن المادي أصعب بسبب غياب الشفافية في المنافسة وقواعدها.

يقول "جيفري ساكس" أن 5 مليار مواطن من أصل 7 يعتبرون فقراء. يقول "بيكيتي" أن نسبة نمو الثروة هي اليوم أعلى من نسبة نمو الدخل، وهذا واقع في غاية الخطورة واذا استمر سيحدث انتفاضات شعبية على المستوى العالمي. في السبعينات كانت نسبة الثروة من الدخل 250% عالميا، أما اليوم فوصلت الى 500% مما يشير الى أسباب ارتفاع نسب المقترعين ضد العولمة والانفتاحين التجاري والمالي. ما هي أسباب هذا الخلل في العلاقة بين الثروة والدخل؟ هنالك سببان مهمان لانخفاض نسبة الدخل في الدول الصناعية ينعكسان بقوة على الاقتصاد العالمي، أولهما انخفاض الانتاجية العامة وثانيهما انخفاض نسب النمو السكاني. أما حصة الثروة، فارتفعت بسبب عائد رأس المال الذي ازدهر في زمن السلام كما بفضل المضاربات المالية والنقدية والعقارية التي عمت العالم.

أهم مساوئ سوء توزع الدخل في الاقتصادات المحلية؟

ما هي أهم مساوئ سوء توزع الدخل في الاقتصادات المحلية كما في الاقتصاد العالمي، علما أن بعضا من الفوارق في الدخل والثروة محبذ ويشجع على الانتاج وتحقيق النمو؟.

أولا: ارتفاع فجوة الدخل يؤثر مع الوقت سلبا على النمو اذ يفقد الطبقات الفقيرة والوسطى الحافز على العمل ويجعلهم يفقدون الحماسة الضرورية للتقدم. يؤثر ارتفاع الفجوة سلبا على العدالة الاجتماعية والسلم الأهلي ويمكن أن يدخل الاقتصاد في دوامة سلبية من التوتر والتشنج والاعتراضات الشعبية.

ثانيا: يقول الرئيس أوباما أن ارتفاع فجوة الدخل هي أهم مزايا وخصائص العصر الحالي ويجب معالجتها. يقول البابا فرنسيس أن ارتفاع الفجوة يدل على ظلم الرأسمالية التي يتم ممارستها، أي على قمعها للفقراء ولغير القادرين على مواكبة الجشع والسباق.

ثالثا: ارتفاع فجوة الدخل كما الثروة يؤدي مع الوقت الى انخفاض مستوى الاستهلاك الوطني نتيجة الظلم والاحباط وربما اليأس بل القلق.

رابعا: ارتفاع فجوتي الدخل والثروة لا يشكل فقط كارثة للفقراء وأصحاب الدخل المحدود، انما يمثل تهديدا للأغنياء يمنعهم عمليا من العيش بسعادة وانفاق ما يملكون باطمئنان.

خامسا: ارتفاع فجوتي الدخل والثروة يؤدي عمليا الى زيادة نسبة الفقر والفقراء، أي مشاكل معيشية وعائلية وارتفاع في نسب الجرائم على أنواعها كما يؤدي الى الاعتراضات الشعبية التي يمكن أن تكون عنيفة كما يحصل في أعرق الدول الديموقراطية.

أخيرا، ما هي السياسات التي يمكن أن تنفذ لمعالجة مشكلة الفجوة والمحافظة على الديموقراطية والحريات، علما أن الغاء الفجوة مستحيلا بل مضرا للنهوض والنمو؟ المطلوب التخفيف من عمق الفجوة وتوسعها حتى يشعر الجميع بالانضمام الى الانتاج والبحبوحة وان يكن بدرجات مختلفة.

أولا: في بعض الدول، لا بد من زيادة الحد الأدنى للدخل منعا لقمع العمال من قبل بعض الشركات. حتى الولايات المتحدة تسعى اليوم الى رفع الحد الأدنى تدريجيا الى 15 دولار في الساعة. هنالك مستوى مدروس للحد الأدنى بحيث لا يؤثر سلبا على البطالة ويسمح للعامل بالعيش بكرامة.

ثانيا: يجب تعديل الأنظمة الضرائبية باتجاه التصاعدية بحيث من يملك أكثر يدفع نسب ضرائبية أعلى، وهذا معتمد في أعرق الدول ديموقراطية كالتجمع الاسكندينافي.

ثالثا: يجب تطبيق القوانين التي تحمي المنافسة وتسمح للشركات الصغيرة والمتوسطة بالتمويل والنهوض وثم المنافسة. هنالك تقصير في معظم الدول النامية والناشئة في هذا الشأن.

رابعا: مكافحة الجنات الضرائبية التي تسمح لبعض الأغنياء والشركات بتهريب أموالهم من الضرائب، وربما مساهمة البعض في تمويل الاجرام والتهريب وضرب الاستقرار العالمي.

خامسا: مراقبة طريقة وضع أجور ومنافع بعض رؤساء الشركات والصناديق المالية التي تصل سنويا لملايين الدولارات لكل منهم. فهل يستحقونها؟ خاصة عندما تخسر شركاتهم وما هي القواعد التي تعتمد لتحديدها. الرقابة مطلوبة من قبل أصحاب الأسهم والمدققين.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment