ماذا بعد انتخاب عون؟

10/27/2016 - 17:12 PM

 

نجم الهاشم

 

لم يعد السؤال “هل ينتخب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية؟” بل صار “ماذا بعد انتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية؟” من تفاهم معراب وجرأة الدكتور سمير جعجع إلى التزام “حزب الله” وأمينه العام السيد حسن نصرالله و”تضحيته” إلى “مخاطرة” الرئيس سعد الحريري في تبني خيار العماد عون، سلكت عملية انتخاب عون الطريق الصحيح وتتجه إلى الإنجاز في جلسة 31 تشرين الأول 2016 ليعود الرئيس إلى قصر بعبدا وليعود الوهج المفقود إلى رئاسة الجمهورية. فهل سيكون العماد عون في قصر بعبدا “الرئيس القوي”؟ وهل ستكون الجمهورية معه “الجمهورية القوية”؟ وهل سيكون قصر بعبدا مقراً للحكم أم منزلاً للرئيس؟ ثمة إشارات سبقت عملية الإنتخاب بعكس هذه الإتجاهات للقول إن هناك شروطاً على العماد عون في تشكيل الحكومة، وأنه إذا لم يأخذ بها فإنه سيُنتخَب ولكنه لن يحكم وسيبدأ عهده  كما أنهى الرئيس إميل لحود عهده عاجزًا ومعزولاً وفارغًا من المضمون.

قبل أن يكون قصر بعبدا لم يكن للجمهورية قصر ولكن كان فيها رئيس وحكم. من قصر القنطاري المستأجر حكم الرئيس بشارة الخوري وبعده الرئيس كميل شمعون. في العام 1956 قبل عامين من نهاية عهده أراد الرئيس شمعون أن يكون للجمهورية قصر ورمز فتم شراء الأرض في بعبدا ليتم تشييد القصر عليها وعهد بهذه العملية إلى شركة سويسرية لوضع الخرائط والتنفيذ. كان كميل شمعون رجل دولة رؤيوي تهمه الجمهورية أولاً. كما بنى الدعائم الأولى لهذه الجمهورية من شق الأوتوسترادات إلى مطار بيروت وكازينو لبنان وسد القرعون والمدينة الرياضية ومعامل الكهرباء، كان يدرك أن كل هذه الإنجازات لا يمكن أن تكون مستقرة طالما أن مقر الرئاسة مشغول بالإيجار. هكذا ولد القرار ولكن الأيام التي أمضاها بعد العام 1956 في قصر القنطاري لم تسمح له بإنجاز قصر بعبدا. كان مدركاً أنه يبني القصر للجمهورية ولرئيس سيأتي من بعده وليس لكميل شمعون. وعندما اهتزت الجمهورية ابتداء من أيار 1958 جعل من قصر القنطاري المقر الموقت متراسًا للدفاع عن الجمهورية. اليوم أيضاً من الواجب أن يعود قصر بعبدا متراساً للدفاع عن الجمهورية عبر مهمة أولى هي استعادة الجمهورية.

لم يكمل الرئيس فؤاد شهاب بناء القصر. الرئيس الهادئ والمتقشف أعطى لعهده أولوية بناء المؤسسات. واختار أن يكون مقر حكمه موقتاً وبالإيجار في زوق مكايل قرب منزله في جونيه. كان يغدو صباحاً إلى عمله في القصر ويعود عند المساء إلى بيته الذي كان بمثابة المقر الثاني للجمهورية. ولكن في عهده لم تغب الجمهورية عن دائرة القرار.

الرئيس شارل حلو الذي خلف فؤاد شهاب في العام 1964 انتقل إلى الإقامة في قصر نورا في سن الفيل ليعود أيضاً إلى بيته في الكسليك كل مساء. ولكنه كان مدركاً أهمية القرار الذي اتخذه الرئيس كميل شمعون فمضى في تنفيذ عملية استكمال قصر بعبدا وفي العام 1969 انتقل إليه ليصبح هذا القصر منذ ذلك العام مقر رئاسة الجمهورية.

في ظل هذه الجمهورية الناشئة انتخب سليمان فرنجية في 17 آب 1970 بأكثرية الصوت الواحد وخسر الياس سركيس مرشح الشهابية. أهمية الجمهورية تكمن في القصر وفي مضمون اللعبة الديمقراطية وممارستها. عندما رفض رئيس مجلس النواب صبري حماده إعلان نتيجة فوز فرنجية اتصل العميد غابي لحود مدير المخابرات بفؤاد شهاب فأوعز بإعلان النتيجة. في 23 أيلول 1970 كان شارل حلو يشارك في اللقاءات التحضيرية للقمة العربية في القاهرة. غادر مقر القمة عائدًا إلى بيروت وسلم الرئاسة إلى الرئيس الجديد سليمان فرنجية الذي توجه إلى القاهرة ليمثل لبنان في القمة. بين مطاري القاهرة وبيروت كانت تنتهي ولاية وتبدأ ولاية.

كان فرنجية الرئيس الأول الذي يبدأ عهده في قصر بعبدا. وكان الرئيس الأول الذي لا ينهيه فيه. في 16 آذار 1976 بعد انقلاب العميد عبد العزيز الأحدب قصفت “القوات المشتركة” القصر الجمهوري. ليس لأن سليمان فرنجية كان فيه بل لأنه كان رمز الجمهورية. غادر الرئيس القصر إلى القصر البلدي في زوق مكايل قبل أن يستقر طيلة المدة الباقية من عهده في منزل صهره في الكفور.

تحت الرصاص والقذائف انتخب الياس سركيس رئيساً للجمهورية في 8 أيار 1976 قبل خمسة أشهر من انتهاء عهد فرنجية. تسعة وستون نائباً حضروا الجلسة وقد وصل بعضهم إلى ساحة النجمة بواسطة الملالات العسكرية. في 23 أيلول أقسم الرئيس المنتخب قسم اليمن في بارك أوتيل في شتورة ليعود بعدها إلى قصر بعبدا. كان القصر خراباً ومهجوراً. وعلى رغم ذلك اختار الياس سركيس أن يبدأ عهده فيه ولو على ضوء الشمعة.

لم يتسن للرئيس بشير الجميل المنتخب في 21 آب 1982 أن يتولى الرئاسة. كثيرون نصحوه بأن يبقى في قصر بعبدا ولكنه لم يفعل. بعد اغتياله في 14 أيلول سكن الرئيس الخلف أمين الجميل القصر الذي بقي هدفاً للحروب العسكرية. في آخر عهده صارت الحكومة العسكرية برئاسة العماد ميشال عون في القصر وصار القصر قصر الشعب.

13 تشرين الأول 1990 كان يوماً مفصلياً في تاريخ القصر والرئاسة. سقطت حرمة مقر الجمهورية وسقطت الجمهورية. رينيه معوض انتخب في مطار القليعات في 5 تشرين الثاني 1989. بعد انتقاله إلى مقر الرئاسة الموقت في الرملة البيضا قرب مقر المخابرات السورية واغتياله  في 22 تشرين الثاني انتخب الياس الهراوي في بارك أوتيل شتورة وعاد إلى الرملة البيضا. بعد ورشة إصلاح القصر الجمهوري في بعبدا عاد الهرواي إليه ولكن الرئاسة كانت أصبحت في قبضة الوصاية السورية التي حولت الرئيس إلى مجرد ساكن في القصر وموظف يأتمر بأوامرها. هذه الوظيفة انتقلت بالقرار السوري ذاته من الهراوي إلى إميل لحود.

كان ممنوعاً أن تعود الرئاسة إلى قصر بعبدا. لذلك استمر لحود حتى نهاية عهده الممدد من دون أن يتم انتخاب خلف له. فقدت اللعبة الديمقراطية وهجها وقدسيتها. صار تعطيل النصاب لمنع الأكثرية من انتخاب الرئيس هو المقياس للديمقراطية.

عندما تم انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسًا بعد غزوة “حزب الله” في 7 أيار 2008 وتفاهم الدوحة لم يعد الوهج إلى القصر. قبل نهاية عهده بعام واحد استعاد سليمان بعض هذا الوهج عندما أعلن سقوط معادلة الجيش والشعب والمقاومة ووصفها بالخشبية ورسم استراتيجية الدولة الدفاعية وصولاً إلى إعلان بعبدا الذي تبناها لتستوعب لاحقا من خلالها سلاح “حزب الله”. ولذلك كان الفراغ بعد سليمان هو استراتيجية الحزب خصوصا بعد انغماسه في القتال في زواريب الحرب السورية.

كان يجب أن يتم انتخاب رئيس للجمهورية في جلسة 23 نيسان 2014 قبل شهر من انتهاء ولاية الرئيس سليمان. تعطيل النصاب كان لمنع انتخاب الدكتور سمير جعجع. بعد عامين ونصف يبدو أن الفراغ سيتنحى عن عرش قصر بعبدا ليدخله العماد ميشال عون رئيسًا.

الخطوة الأولى التي وضعت الجنرال على طريق القصر كانت في تفاهم معراب في 18 كانون الثاني 2016. لقد أقدم جعجع حيث لا يجرؤ الآخرون واتخذ القرار بدعم ترشيح العماد عون. كان يمكن تجاوز ترشيح عون وحيداً ولكن بعد تفاهم معراب صارت المسألة شبه مستحيلة. هذا التفاهم لم يقم على أساس وصول عون إلى بعبدا فقط بل على أساس استعادة الجمهورية دورها وعودة القصر إلى الجمهورية ليعود رمزاً لها وللرئيس الفاعل والحاكم والحكم. التفاهم كان على أساس وضع حد لتجاوز التمثيل المسيحي ولجعل رئاسة الجمهورية لعبة بين الأيادي الصغيرة لتقرر فيها ولتختار الرئيس الخاضع لوصايتها. تفاهم معراب وضع نقطة على السطر وأعاد الأمور إلى نصابها ولذلك كانت مساحة الترحيب به واسعة وشاملة على مستوى الشارع المسيحي باستثناء من اعتبروا أن لا مكان لهم في داخل المربع الذي ارتقى إليه التفاهم وأن وظيفتهم لا تكون إلا من خلال استمرار تعطيل التمثيل المسيحي الصحيح ومنع قيام الدولة القوية والجمهورية القوية.

بعد إعلان الرئيس سعد الحريري قراره السير بانتخاب العماد عون رئيساً للجمهورية واستمرار السيد حسن نصرالله و”حزب الله” في تبني ترشيحه بات الجنرال عون بحكم الأمر الواقع في قصر بعبدا. ولكن بعد دخول القصر ستبدأ مهمة الرئاسة المستحيلة. لا يعود عون إلى القصر كما تركه في العام 1990 ولا كما دخل إليه الياس سركيس في العام 1976. القصر ليس حجرًا وحدائق وصالونات. القصر كرامة الجمهورية أولاً وكرامة الرئيس. وهذا هو العنوان الذي يجب أن يحكم رئاسة الجنرال عون الذي طالما أعلن أنه لا يريد الرئاسة بل يريد استعادة الجمهورية.

هل من المسموح استعادة الجمهورية؟ هذا هو السؤال اليوم.

يدخل العماد عون إلى قصر بعبدا ووراءه ثنائية مسيحية مع “القوات اللبنانية” وثنائية حكومية مع الرئيس سعد الحريري وقبول وازن من النائب وليد جنبلاط وتفاهم ثنائي مع “حزب الله” ورفض مطلق من الرئيس نبيه بري والمحسوبين كحلفاء للنظام السوري في لبنان من النائب سليمان فرنجية إلى النائب طلال إرسلان إلى البعث والسوري القومي الإجتماعي. في الحسابات السياسية يبدو الحلف الذي يدعم العماد عون في شكل أساسي من قوى 14 آذار، “القوات” و”المستقبل” و”الإشتراكي”. ومن الجهة الأخرى ليس معه إلا “حزب الله” تقريبًا.

قبل أن يحسم موضوع انتخاب عون وأن يسميه الرئيس سعد الحريري كانت التسريبات واضحة: تريدون عون رئيساً للجمهورية فليكن. سنؤمن انتخاب عون. سنشارك في الجلسة ولن نسمح بتطيير النصاب. أكثر من ذلك السيد حسن نصرالله طلب أن يصوّت نوابه علناً تأكيدًا على حسن نواياه تجاه تبني خيار العماد عون. ولكن أبعد من هذا الإلتزام الملتبس والذي وصل إليه “حزب الله” في النهاية مضطرًا مع إصرار العماد عون على أن يكون الإنتخاب في 31 تشرين الأول، ماذا يقول بعض المحسوبين على “حزب الله”؟ لن نتخلى عن الرئيس نبيه بري. نحن وافقنا على أن تتم تسمية سعد الحريري لرئاسة الحكومة ولم نوافق على تشكيل أي حكومة يريده مع عون. تفاهم عون مع “القوات” لا يعنينا. تفاهم عون مع الحريري لا يعنينا. معارضة الرئيس بري تعنينا. سليمان فرنجية وطلال إرسلان وأسعد حردان وقاسم هاشم وعاصم قانصوه يعنوننا. لا حكومة من دون حلفاء “حزب الله”. لا انتخابات من دون نبيه بري. لا رئاسة مجلس نواب إلا للرئيس بري. على العماد عون أن يعي ذلك. إما يأخذ بما نريده إما أن يبدأ عهده بالفراغ وبمثل ما أنهاه إميل لحود. هل يريد الرئيس العماد ميشال عون أن يكون إميل لحود الثاني في بعبدا؟ هل يريد أن يبقى عاجزًا عن تشكيل حكومة؟

هذه الأسئلة التعجيزية تجر إلى أسئلة أخرى مضادة: هل يقبل العماد عون أن توضع عليه شروط من هذا النوع وهو الذي رفض سلة الرئيس بري؟ إذا كان “حزب الله” مع حلفائه يفرضون من اليوم أن يكون الرئيس بري رئيسًا لمجلس النواب أيًا تكن نتائج الإنتخابات فهذا يعني أن الأكثرية المسيحية تريد أن تطبق المعادلة نفسها في الرئاسة بحيث لا يكون رئيس إلا من تختاره هذه الأكثرية. وإذا كانت هذه هي المعادلة فلا يعود القبول بالرئيس سعد الحريري في رئاسة الحكومة تضحية ومنّة. على هذا الأساس ربما من أولى مقوّمات استعادة مقوّمات الرئاسة القوية أن تكون التشكيلة الحكومية غير خاضعة للنقض. وأن يكون القرار ملك الرئيس الجديد ورئيس الحكومة المكلف وأن يكون الإحتكام إلى المؤسسات عبر نيل الثقة في مجلس النواب. وأن لا يخضع الرئيس الجديد لأي شروط من هذا النوع وأن يتم الإنتقال بعد تشكيل الحكومة إلى إقرار قانون جديد للإنتخابات وأن تجري الإنتخابات النيابية في موعدها وأن تتحدد آلية الحكم على أساس التوازنات الجديدة التي ستفرزها هذه الإنتخابات. ومن ضمن هذا السياق كيف يمكن القبول بأن يتمثل في الحكومة من وقف ضد انتخاب الرئيس العماد ميشال عون ومن رفض أن يسمي الرئيس سعد الحريري رئيسًا للحكومة؟

عودة الرئاسة إلى قصر بعبدا لا تستقيم من دون عودة الهيبة الرئاسية إلى هذا القصر وعودة القرار إليه وعودة الرئيس إلى واجباته الرئاسية وإلى الوفاء بقسمه من أجل التأسيس لجمهورية قوية يحتكم إليها الجميع وتحترم فيها المواعيد الدستورية والإستحقاقات. هذه رمزية قصر بعبدا وربما هذا هو الوقت المناسب لتثبيتها. لقد آن الأوان.

 

المسيرة

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment