الجغرافيا تحدد هوية الاقتصاد

10/13/2016 - 11:12 AM

Newest Banner

 

بقلم الدكتور لويس حبيقة

للجغرافيا تأثير كبير على خصائص بل هوية الاقتصاد، فهي تحدد الى حد بعيد تنوع الانتاج وبالتالي مستقبل الاقتصاد. للجغرافيا تأثير كبير على عقل الانسان وثقافته، وهذا ما نلاحظه عندما نقارن بين تصرفات سكان دول ذات مزايا جغرافية مختلفة بل متناقضة. الانسان الآتي من الجزر كالبريطاني هو غير الآتي من الأرض كالايطالي أو من الدول المقفلة كالسويسري، وهذا واضح في العقلية والممارسة السياسية وطريقة العيش بما فيها نوعية الطعام. من الضروري على الجامعات ومعاهد البحوث أن تركز على "الجغرافيا الاقتصادية" أو "الاقتصاد الجغرافي" في التعليم والبحوث والدراسات. من الضروري أيضا أن تمنح جائزة نوبل للاقتصاد مستقبلا للباحثين الكبار في هذا المضمار. ما يدعو للعجب أن الانسان اكتشف الفضاء بعمق وتفاصيل أكبر من اكتشافه للمحيطات المائية بالرغم من سهولة الوصول الى المضمار الثاني نسبيا.

 

حوالي 95% من أعماق المحيطات ما زال مجهولا من قبل الانسان لأسباب تقنية ومالية وربما نفسية. لا شك أن دولا قليلة قامت باكتشاف الفضاء، ومن الممكن للدول الأخرى حتى النامية محاولة اكتشاف المحيطات بسبب الثروات الكبرى الموجودة في أعماقها من نفط وغاز ومعادن وربما مفاجاءات كبيرة لا نستطيع توقعها اليوم.

لا ننكر أن للتكنولوجيا دور كبير في تخطي الحاجز الجغرافي المهم. استطاعت أن تحقق تواصل الانسان بين الدول والقارات وبالتالي تخطت الحدود الجغرافية. استطاعت التكنولوجيا عبر الاتصالات والنقل والمعلوماتية أن تؤمن وصول السلع والخدمات المختلفة الى كل بقاع الأرض. بالرغم من كل هذا التقدم التكنولوجي المدهش، ما زالت الاقتصادات والمجتمعات مرتبطة الى حد كبير بمزايا الجغرافيا الوطنية، تماما كما هو الحال مثلا مع الدول النفطية التي تبقى أوضاعها مرتبطة بسعر السلعة وتقلباتها.

في الحروب مثلا، لم يكن ممكنا اجراءها عبر المسافات والمحيطات والقارات، فأتى سلاح الجو ليلغي المسافات ويسمح لدول بشن حروب عبر ألاف الأميال فتسبب الأذى دون الحاجة لنقل الجنود والأعتدة. فالحروب الجوية غيرت قواعد اللعبة تماما، كما فعلت الانترنت من نواح أخرى لا تقل خطورة وأهمية بالنسبة لحياة الانسان والمجتمعات والاقتصاد.

هنالك أمثلة عدة على قوة الجغرافيا وتأثيرها على هوية بل مستقبل الدول، وبالتالي تفسر الى حد بعيد كيفية تحرك حكوماتها ومصالحهم. في روسيا مثلا، حيث المساحة تبلغ 17 مليون كلم2 وتمر عبرها 11 مناطق توقيت مختلفة، فهي الدولة الأكبر في العالم أي توازي ضعفي مساحة كل من الصين والولايات المتحدة و5 أضعاف مساحة الهند و 25 مرة مساحة بريطانيا. تعتمد روسيا الى حد بعيد على انتاج النفط والغاز أي الجغرافيا، وهي تؤمن 25% من الطلب الأوروبي على السلعتين. تبيعهما بأسعار مخفضة للأصدقاء في الغرب كفنلندا مما يشير مجددا الى ترابط المصالح الاقتصادية بالسياسية.

واقع روسيا الجغرافي بالاضافة الى عامل القوة منع كل من نابليون من احتلالها في سنة 1812 وهتلر في سنة 1941. عدد السكان يقارب 145 مليون علما أن 75% من الأرض تقع في أسيا و 22% من السكان يعيشون في القارة الأسيوية. ما تحتاج اليه روسيا هي المياه الدافئة، وبالتالي يفسر هذا الواقع الى حد كبير موضوع احتلال شبه جزيرة "القرم" ليس فقط لأسباب سكانية وانما لأسباب اقتصادية استراتيجية. هذا يفسر أيضا تواجد الروس في طرطوس ليس لأسباب أمنية فقط وانما اقتصادية يسمح لهم بالاستفادة من مياه المتوسط الدافئة.

لا شك أن من مصلحة روسيا تنويع اقتصادها نحو القطاعات الأخرى، وهي قادرة على ذلك علميا وتقنيا وماليا خاصة وأنها تعاني من مشكلتين أساسيتين هما النمو السكاني السلبي أي انخفاض عدد السكان من سنة الى أخرى كما العمر المرتقب المنخفض في حدود معدل 70 سنة أو 64 سنة للرجال و 76 سنة للنساء.

لا شك أن المنطقة العربية مرتبطة الى حد بعيد بالبيتروكميات والمحروقات انتاجا واستهلاكا كما في التحويلات. لم تنجح المنطقة في تخفيف ثقل الجغرافيا في الاقتصاد الذي بقي مرتبطا بها. هنالك دول مجلس التعاون الخليجي حيث تؤثر الايرادات النفطية جذريا على النمو والاستثمارات والمشاريع بل تغير الجو العام. كذلك الأمر بالنسبة الى الدول التي تستفيد من تحويلات العاملين في الدول النفطية، وبالتالي عندما تخف هذه التحويلات تتأثر الاقتصادات سلبا ومباشرة بالوضع كما هو الحال بالنسبة للبنان والأردن ومصر وغيرهم. الجغرافيا العربية ليست كلها نفطية، بل هنالك أراض خصبة ومياه غزيرة وشعوب قادرة على العمل في الصناعة لكن النتائج حتى اليوم لم تصبح بمستوى الطموحات. هنالك مشكلة في نوعية القرارات المتخذة وتكلفتها وتوقيتها وحسن تطبيقها في غياب الشفافية والمحاسبة الجدية من قبل الشعوب. أثيوبيا اليوم تحاول "الاعتداء" مائيا على مصر عبر حصر مياه النيل في سدود داخلها مما يمكن أن يشعل حربا بين الدولتين. كيف تستطيع دولة كأثيوبيا التفكير في مواجهة مصر التي تتفوق عليها في كل شيء وفي الأخص عسكريا؟

في الصين، هنالك مشاكل كبرى مرتبطة بالجغرافيا وعدم رغبة الحكومة الصينية التنازل عن مناطق احتلتها أو صادرتها أو تعتبرها جزئا منها. موضوع "التيبيت" معروف جدا بحد ذاته وعبر نشاطات "الدالاي لاما" الذي يحاول تسويق استقلال بلاده في دول القرار. تقول الصين أن الهند ستحتل "التيبيت" اذا تركتها، وبالتالي لن تعطيها الاستقلال. أما تايوان فتقع على بعد 140 كلم من الشاطئ الصيني ويمكن للصين احتلالها لولا الوجود العسكري الأميركي في المحيط.

لذا تستعمل الصين الديبلوماسية الهادئة بل الناعمة، أي مثلا التجارة والسياحة والاستثمارات في علاقتها مع تايوان بانتظار الفرصة السانحة أي بعد ان تقوي جيشها وخاصة قوتها البحرية خلال العقود القليلة الماضية. مشكلة الصين الأساسية اليوم تبقى اقتصادية بيئية أي كيف تحمي الزراعة والبيئة وتقوي صناعاتها وتحافظ على نموها القوي في نفس الوقت؟ تشير الدراسات الى أن 40% من الأراضي الصينية الخصبة ملوثة أو غير صالحة، وبالتالي سيتأثر الانتاج الغذائي الصيني كثيرا مع الوقت.

لا شك أن الصين محاصرة جغرافيا بدول حليفة لأميركا خاصة في الممر النفطي بحيث تشعر الصين دائما أنها غير قادرة على المواجهة الجدية مع الغرب وخاصة مع الولايات المتحدة. لذا تتوسع الصين اقتصاديا ونفوذا في أفريقيا حيث توظف الاستثمارات والخبراء، منها انشاء خط سكك حديد في "كينيا" بين "نايروبي" و"مومباسا" بتكلفة 14 مليار دولار يخفف وقت السفر من 36 الى 8 ساعات. الاستثمار في الاقتصاد يعني مع الوقت استثمارا في السياسة والنفوذ توظفه الصين في الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات والمؤسسات الدولية.

المعروف أن العديد من دول أفريقيا كما من دول الشرق الأوسط رسمت حدودها من قبل المستعمرين الغربيين الذين ما زالوا يديرون بل يستغلون قسما مهما من ثرواتها. الحدود الأفريقية في معظمها غير طبيعية وبالتالي تخلق مشاكل كبرى اليوم. هنالك 56 دولة في أفريقيا يسبب تكوينها الجغرافي والبشري مشاكل بل حروب عرقية ودينية وسياسية خطيرة. لم تنعم دول أفريقيا بقيادات شفافة كفوءة تدير ثرواتها ومصالحها وبالتالي لم يكن عامل الجغرافيا مساعدا كما يجب ان يكون. مساحة "جمهورية الكونغو الديموقراطية" ذات ال 75 مليون شخص وثروات كبرى في الأرض والمياه والغابات توازي مجموع مساحات ألمانيا وفرنسا واسبانيا، لكن ادارة الدولة الموصوفة بالفاسدة لم تعط نتائج فضلى للشعوب وهذا هو حال أفريقيا عموما.

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment