العصبوية: آفة العقل والإنتماء

10/10/2016 - 14:16 PM

 

الدكتور حسن بزي

تعتبر العصبوية آفة من آفات ثقافتنا العربية وأزمة تنخر حياتنا العقلية والذهنية، لتبقى مقولة: " أنصر أخاك ظالما ً أو مظلوما ً" عنوانا ً مسلكيا ً سلبيا ً في هذه الثقافة مهما غلفناه بمظهر الإيجابية وبردع هذا الأخ الضال عن ظلمه... وتظهر العصبوية في الإصطفاف والإنتماء الديني والمذهبي والعائلي والرياضي والمناطقي والطبقي والإثني... وغيرها.

هذه الإنتماءات تتمظهر بالتعصب الأعمى الذي يتخذ العدوانية وإلغاء الآخر وإقصائه حتى من الوجود أحيانا ً، وهو ما يظهر في حالات القتل والإغتيالات والمجازر الجماعية لمن يخالفون الرأي والعقيدة والدين...

هذا الإنتماء التعصبي يصل إلى مرحلة التقديس للمبادىء والعصمة للأشخاص متخذا ً شعارات وهويات وانتماءات غير طبيعية أو تعددية ولكنها تتقاطع فيما بينها في قيمة أخلاقية واحدة ألا وهي "إمتلاك الحقيقة المطلقة" التي تدعيها كل فئة وبأنها الوحيدة على صواب وباقي الفئات كلها على خطأ.

نورد هنا مثلا ً ما جاء في إحدى الكتب التي تدعي "الإيمان" والتي تنتشر في الجالية العربية ومما نقل عن لسان صاحب هذا الكتاب قوله: أن في كل ٍ من الديانات اليهودية والمسيحية والإسلامية ستون فئة أو "سبط" كما سماها، 59 منها للنار وسبط واحد في كل ٍ منها للجنة وهو السبط الذي يتناغم مع إنتماء المؤلف الطائفي والتعصبي.

وفي مجتمعاتنا مجموعة من التصنيفات والتسميات: ليبرالي، علماني، إخواني، سلفي، جهادي، عشائري، قبلي.... حيث ينعت الليبرالي مثلا ً بالإباحية والعلماني بالإلحاد وكل ما هو ديني بالتخلف والعشائري والقبلي بالجاهلي... مع أن الليبرالية هي منظومة أفكار متحركة لا عقيدة حيث تكمن في احترام خيارات وعقائد الآخرين ومن دون تلك القيمة فلا معنى لليبرالية؛ والعلمانية هي لغة العقل والمنطق واحترام كل الآراء والمعتقدات وكل المتناقضات: من الإيمان إلى الإلحاد ومن اليسار إلى اليمين وكلها في جو من الديموقراطية، هذا وتعتبر العلمانية أن الإختلاف هي سمة إنسانية وطبيعية، ولعل الإمام علي كان سباقا ً في قوله الذي يُعتبر قمة في النظرة الإنسانية، عندما قال: "الناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير ٌ لك في الخلق"؛ أما الدين فهو حاجة روحية ونفسية للإنسان منذ القديم، عندما وجد إلهه في الوثن والشمس والنار، بل صنعه بنفسه من حجر وطين.

وتمر... هذه الحاجة الروحية والإيمانية للدين هي التي تحدد علاقة الإنسان بنفسه ومجتمعه وربه، لا أن يشكل الدين طريقا ً للقتل والتهديم والتمترس... أو صهوة للأحزاب السياسية ورجال الدين والسياسة على السواء لإشاعة التفرقة والتنازع...

 أما العشائرية والقبلية فهي نظام إجتماعي متكامل يحكمه العرف القبلي وكان ضروريا ً لفترة معينة وقبل قيام القوانين والدول.

دائما ً نتهجم على غيرنا ونحمله مسؤلية الفشل والتخلف، بل أن نجاحنا لا يتم إلا في إلغاء المختلف والخصم، وهذا ما يذكرنا بأحد الأشخاص في إحدى الدورات الإنتخابية، عندما سئل من سينتخب، أجاب سأنتخب ضد من سينتخبه جاري.

الدين بدلا ً من أن يكون محبة وتسامح وإيمان يصبح في التعصب المذهبيي كراهية وتقاتل وكفر، والرياضة بدلا ً من أن تكون مجالا ً للتنافس والمحبة والمتعة، تصبح في العقل العصبوي مجالا ً للشتم والحقد والتكسير... وما الحروب الأهلية التي تندلع هنا وهناك في العالم إلا نتيجة ومظهر من مظاهر العصبوية العمياء وغياب النقاش الإيجابي والبناء في أجواء الحرية والمواطنة والتعاون بين فسيفساء الأوطان.

 وغالبا ً ما نستعمل في تعابيرنا كلمتي نحن وهم، عندما نخلط السياسة بالدين والمذهب بالزعامة والوطن بالمصالح الفئوية والشخصية، فهل نحن موجهون، عن دراية أو غير دراية، نحو إنتماءات عصبوية ضيقة وزواريب وأنفاق معتمة، كلفت المنطقة العربية ملايين الضحايا والدمار والتشرد، حيث نتحرك كأحجار شطرنج أو كدمى تحركنا أياد لا نراها ولا نعرفها.

 

 

Share

Comments

There are no comments for this article yet. Be the first to comment now!

Add your comment